° قال ابن إسحاق: "حدثني عاصمُ بنُ عمرَ بنِ قتادة: أن عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول أتى رسولَ الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريدُ قَتْلَ عبد الله بن أُبي فيما بلغك عنه، فإنْ كنتَ فاعلًا، فمُرنْي به، فأنا أحملُ إليك رأسَه، فوالْلَّهِ، لقد عَلِمَتِ الخزرجُ ما كان بها من رجلٍ أبرَّ بوالدِه مني، وإنى أخشى أن تأمرَ به غيري فيقتلَه، فلا تَدَعَنى نفسي أن أنظرَ إلى قاتِل عبد الله بنِ أُبيٍّ يمشي في الناس، فأقتلَه، فأقتل مؤمنًا بكافر،
[ ١ / ٢٩٤ ]
فأدخلَ النارَ، فقال رسول الله - ﷺ -: "بل نترفَّقُ به، ونُحسِنُ صحبتَه ما بقي معنا"، وجعل بعد ذلك إذا أحدثَ الحَدَث كان قومُه هم الذين يعاتبونه، ويأخذونه، ويُعنِّفونه، فقال رسولُ الله - ﷺ - لعمرَ بن الخطاب حين بَلَغه ذلك من شأنهم: "كيف ترى يا عمر؟ أمَا واللهِ، لو قَتلتُه يومَ قلتَ لي، لأرْعَدَتْ له أنوفٌ، لو أمرتُها اليوم بقتله لقتلته"، فقال عمر: قد واللهِ علمتُ لأَمرُ رسولِ الله - ﷺ - أعظمُ بركةً من أمري".
° وقد ذكر عكرمةُ وابنُ زيد وغيرهما، أن ابنَه عبدَ الله - ﵁ - وقف لأبيه عبدِ الله بن أبي بن سلول عند مَضِيقِ المدينة، فقال: "قِفْ، فواللهِ لا تدخُلُها حتى يأذنَ رسولُ الله - ﷺ - في ذلك"، فلما جاء رسولُ الله - ﷺ - استأذنه في ذلك، فأذن له، فأرسله حتى دخل المدينة (^١).
° وفي "التفسير" عند ابن كثير: "ذكر عكرمةُ وابنُ زيد وغيرهما: أن الناس لما قَفَلوا راجعين إلى المدينة، وقف عبدُ الله بنُ عبدِ الله هذا على بادٍ المدينة، واستلَّ سيفه، فجعل الناسُ يمرُّون عليه، فلما جاء أبوه عبدُ الله بن أبيٍّ، قال له ابنُه: وراءَك، فقال: مالك وَيْلَك؟ فقال: واللهِ لا تجوزُ من هنا حتى يأذنَ لك رسولُ الله - ﷺ -، فإنه العزيزُ وأنت الذليل، فلما جاء رسولُ الله - ﷺ -، وكان يسيرُ ساقةً (^٢)، فشكا إليه عبدُ الله بنُ أبيٍّ ابنَه، فقال ابنُه عبدُ الله: واللهِ يا رسول الله، لا يدخُلُها حتى تأذنَ له، فأذِنَ له رسول الله - ﷺ - فقال: أمَّا إذْ أَذِنَ لك رسولُ الله - ﷺ - فجُزِ الآن.
_________________
(١) "البداية والنهاية" لابن كثير (٣/ ١٥٨ - ١٦٠).
(٢) في مؤخرة الجيش.
[ ١ / ٢٩٥ ]
° وقال أبو بكر بن عبد بن الزبير الحميدي في "مسنده": قال هارون المَدَني: قال عبد الله بن عبدِ الله بنِ أُبَي بنِ سلول لأبيه: واللهِ لا تدخلُ المدينةَ أبدًا حتى تقول: رسول الله الأعز، وأنا الأذل، قال: وجاء النبيَّ - ﷺ -، فقال: يا رسولَ الله، إنه بلغني أنك تريدُ أن تقتلَ أَبِي، فو الذي بعثك بالحقِّ ما تأملتُ وجهَه قطُّ هيبةً له، ولئن شئتَ أن آتيَك برأسه لَاتينَّك، فإني أكرهُ أن أرى قاتلَ أبي".
فانظر إلى رأس النفاق، الذي لم يَهْدِ اللهُ قلبَه للإِيمان، ولم يكتبْ له هذه الرحمةَ، وهذه النعمة، وتقفُ دونَ هذا الفيضِ المتدفِّق من النور والتأثير إحْنةٌ في صدره، أن لم يكن مَلِكًا على الأوس والخزرج، بسبب مَقْدِم رسولِ الله - ﷺ - إلى المدينة، فتَكُفُّه هذه وحدَها عن الهدى، ويقول ما قال، قولةً يتجلَّى فيها خُبثُ الطبع، ولؤمُ النحيزة، فيكونُ جزاؤه من جنس عمله وقوله، على يدِ ابنه، ليتقرَّر بالتجربةِ الواقعة مَن هو الأعزُّ، ومَن هو الأذلُّ، في نفسِ الواقعة، وفي ذاتِ الأوان، ولم يَدخُلها الأذلُّ إلاَّ بإذن الأعز.
ويضمُّ اللهُ -سبحانه- رسولَه والمؤمنين إلى جانبه، ويضفِي عليهم من عِزَّته، وهو تكريم هائل لا يُكرِمُه إلاَّ الله، وأيُّ تكريمٍ بعدَ أن يوقِفَ اللهُ - سبحانه - رسولَه والمؤمنين معه إلى جواره، ويقول: "ها نحن أولاء، هذا لواءُ الأعزاء، وهذا هو الصفُّ العزيز".
عِزةٌ مستمَدَّةٌ من عِزَّته، لا تهونُ ولا تهان، ولا تنحنى ولا تلين، ولا تُزايلُ القلبَ المؤمن في أَوجِ اللحظات، إلا أن يتضعضعَ فيه الإِيمان، فإذا
[ ١ / ٢٩٦ ]
استقرَّ الإيمانُ ورَسَخ، فالعزَّةُ معه مستقِرَّةٌ راسخة.
° انظر إلى هذا الذي كان وجيهًا عند قومه، جاء إليه رسولُ الله - ﷺ - وهو على حِمارةٍ، مرَّ بها على طريق سَبِخةٍ، وجعل يدعوه إلى الإيمان، وهو يقول له: "ابعُدْ عني يا محمد، فإن رائحةَ حمارِك تؤذيني، فيقول له ابن عمًّ له: والله لرَيحُ حمارِ رسول الله أطيبُ من رِيحك".
أيَّ هوانٍ كان هذا!! وصَدَق الله العظيم إذ يقول عن المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون: ٤] أشباحٌ وقوالب، ليس وراءَهم ألبابٌ وحقائقُ، كالجَوز الفارغ، مُزيَّنٌ ظاهره، ولكنه لِلَعِبِ الصِّبيان.
هذا الذي تولَى كِبْرَه، وخاض في عِرضِ أمَ المؤمنين عائشة في قصةِ الإفك، فقال الله -﷿-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٣ - ٢٤]، جزاء وفاقًا، كما استطالت.
وظلَّ رأسُ المنافقين على نِفاقِه إلى أن مات، وأُخذ به إلى أُمِّه الهاوية إلى الدَّرْكِ الأسفلِ من النار، تُشَيَعُه لَعنةُ الله والملائكةِ والناسِ أجمعين.
* * *
[ ١ / ٢٩٧ ]