° عن أنس - ﵁ -: "أن النبيﷺ - كتب إلى كِسرى وإلى قيصرَ وإلى النجاشيِّ وإلى كلّ جبَّارٍ عنيدٍ يدعوهم إلى الله عالى" (^٢).
وكسرى هو ابنُ برويز بن هُرْمز بن أنو شِرْوان، وهو كسرى الكبير المشهور.
° وعن عُبيدِ الله بن عبدِ الله أنَّ ابنَ عباس أخبره "أن رسول الله - ﷺ - بَعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حُذافةَ السَّهْمِيِّ" (^٣).
وجَزَم ابنُ سعدٍ أنَّ بَعْثَ عبدِ الله بن حذافة إلى كسرى كان في سنةِ سبع، وصنيعُ البخاري يقتضي أنه كان في سنة تسِع، ورَوى محمدُ بنُ إسحاق بسنده عن أبي سلمة أن رسول الله - ﷺ - بَعث عبدَ الله بنَ حذافة السَّهْمِيَّ بكتابه إلى كسرى، فلما قرأه مَزَّقه، فلمَّا بَلَغ رسولَ الله - ﷺ - قال: "مَزَّق الله مُلكَه"، وقع في جميع الطرق مرسلًا، ويُحتمل أن يكون ابنُ السيَّب سَمِعه من عبد الله بن حذافةَ صاحِبِ القصة، فإنَّ ابنَ سعدٍ ذَكر من حديثه أنه قال: "فقرأ عليه كتابَ رسول اللهﷺ -، فأخذه فمزَّقه" (^٤).
_________________
(١) كَسرى -بفتح الكاف وبكسرها-: لقب كل مَن تملك الفرس، ومعناه بالعربية: المُظفري.
(٢) رواه مسلم (١٢/ ١١٢) - باب كتب النبي - ﷺ - إلى ملوك الكُفّار يدعوهم إلى الإسلام. وعند مسلم (١٢/ ١١٢) ولفظه: "وليس بالنجاشي الذى صلّى عليه النبىﷺ -".
(٣) أخرجه البخاري في باب كتاب النبي - ﷺ - إلى كسرى وقيصر- (٨/ ١٢٦) فتح الباري حديث (٤٤٢٤).
(٤) "الطبقات الكبرى" لابن سعد (١/ ٢٦٠)، وانظر "البداية والنهاية" (٤/ ٢٦٨، ٢٦٩)، و"الدلائل" للبيهقي (٤/ ٣٩١، ٣٩٢).
[ ١ / ٢٩٨ ]
• وعند ابن جريرٍ: عن أيِّد بنِ أبي حبيبٍ قال: "وبَعَث عبدَ الله بنَ حذافةَ بن قيس إلى كسرى بن هرمز مَلِكِ فارس، وكتب معه: بسم الله الرحمن الرحيم .. من محمد رسول الله، إلى كسرى عظيم فارس .. سلامٌ على مَنِ اتَبع الهدى، وآمَنَ باللهً ورسوله، وشَهِد أَنْ لا إلهَ إلاَّ الله، وحدَه لا شريك له، وأنَ محمدًا عبدُه ورسوله، أدعوك بدُعاء الله، فإني أنا رسولُ الله إلى الناس كافَّةً؛ لأُنذرَ مَن كان حيًّا، ويَحِقَّ القولُ عَلى الكافرين، فإن تُسلمْ تَسْلَمْ، وإن أبَيْتَ، فإنَّ إثمَ المجوسِ عليك".
قال: فلما قرأه شَقَّه، وقال: يَكتب إلي بهذا وهو عبدي!! قال: ثم كَتب كِسرى إلى باذان -وهو نائبه على اليمن- أنِ ابعَثْ إلى هذا الرجل بالحجاز رجُلَينِ من عندك، جَلْدَينِ، فلْيأتياني به .. فبعث باذان قَهرمانَه -وكان كاتبًا حاسبًا بكتاب فارس-، وبَحَث معه رجلًا من الفرس يقال له: "خُرخُرة"، وكَتب معهما إلى رسول الله - ﷺ - يأمرة أن ينصرفَ معهما إلى كسرى، وقال لباذَوَيه: ائتِ بلادَ هذا الرجل، وكَلِّمْه وائتني بخبره .. فخرجا حتى قَدِما الطائفَ، فوجدَا رجلًا من قريشٍ في أرضِ الطائف، فسألوه عنه، فقال: هو بالمدينة، واستبشَرَ أهل الطائف -يعني وقريش- بهما وفرِحوا، وقال بعضهم لبعض: أبشِروا، فقد نَصَبَ له كسرى مَلِكُ الملوك، وكُفيتمُ الرجل، فخرجا حتى قَدِما على رسول الله - ﷺ - فكَلَّمه باذَويه، فقال: شاهنشاه -مَلِكُ الملوك- كسرى قد كتب إلى المَلِكِ باذانَ؛ يأمرُه أن يَبعث إليك من يأتيه بك، وقد بَعَثني إليك؛ تنطلقَ معي، فإن فعلتَ كَتَب لك إلى مَلكِ الملوك يَكُفُّه عنك، وإنْ أبيتَ، فهو مَن قد علمتَ، فهو مُهلِكُك ومهلِكٌ قومَك، ومُخرِّبٌ بلادَك .. ودخلَا على رسول الله - ﷺ -
[ ١ / ٢٩٩ ]
وقد حَلَقا لِحاهما، وأعفَيا شواربَهما، فكره النظرَ إليهما، وقال: "ويلكما، مَن أمركما بهذا؟ " قالا: أَمَرنا ربُّنا -يعنيانِ كسرى-. فقال رسول الله - ﷺ -: "ولكن ربي أمرني بإعفاءِ لِحيتي وقصِّ شاربي"، ثم قال: "أرجعا حتى تأتياني غدًا"، قال: وأتى رسولَ الله الخبرُ من السماء، بأنَّ الله َ قد سَلَّط على كسرى ابنَه "شِيرويه"، فقَتَله في شهرِ كذا وكذا، في ليلةِ كذا وكذا من الليالي، سَلَّط عليه ابنَه شيرويه فقتله.
قال: فدعاهما، فأخبرهما، فقالا: هل تدري ما تقول؟ إنا قد نَقَمْنا عليك ما هو أيسرُ من هذا، فنكتبُ عنك بهذا، ونخبِر الملك باذان؟ قال: "نعم، أخبِراه ذلك عنِّي، وقُولَا له: إن دِيني وسُلطاني سيبلغُ ما بَلَغ كسرى، وينتهي إلى الخُفِّ والحافر، وقولَا له: إن أسلمْتَ أعطيتُك ما تحتَ يديك، ومَلَّكتُك على قومك من الأبناء"، ثم أعطى "خُرخرةَ" مِنطقةً فيها ذهبٌ وفضة كان أهداهاَ له بعضُ الملوك، فخرجا من عنده حتى قدما على باذان، فأخبراه الخبر، فقال: واللهِ، ما هذا بكلامِ مَلِلكٍ، وإني لأرى الرجلَ نبيًّا كما يقول، ولَيكونَنَّ ما قد قال، فلَئنْ كان هذا حقًّا فهو نبيُّ مرسل، وإنْ لم يكن فسنرى فيه رأيًا، فلم يَنْشَبْ باذانُ أن قَدِمَ عليه كتابُ شيرويه: أما بعد، فإني قد قتلتُ كسرى، ولم أقتلْه إلاَّ غضبًا لفارس، لِمَا كان استَحَل مِن قتل أشرافهم، ونَحْرِهم في ثغورهم، فإذا جاءك كتابي هذا، فخُذْ لي الطاعةَ ممن قبِلك، وانطلِقْ إلى الرجل الذي كان كسرى قد كَتَب فيه، فلا تَهْجِهِ حتى يأتيَك أمري فيه، فلما انتهى كتاب شِيرويه إلى باذان، قال: إن هذا الرجلَ لرسول .. فأسلم، وأَسلمتِ الأبناءُ من فارس، مَن كان منهم باليمن.
[ ١ / ٣٠٠ ]
قال: وقد قال باذويه لباذان: ما كَلَّمتُ أحدًا أهيبَ عندي منه، فقال له باذان: هل معه شُرَطٌ؟ قال: لا ..
وَكسْرَى إِذْ تَقَاسَمَهُ بَنُوهُ … بِأَسْيَافٍ كمَا اقْتُسِمَ اللَّحَامُ
تَمَخَّضَتِ المَنُونُ لَهُ بِيَوْمٍ … أتَى وَلِكُلِّ حَامِلَةٍ تَمَامُ
° قال الشافعيُّ: لما أُتي كسرى بكتابِ رسول الله - ﷺ - مَزَّقه، فقال: رسول الله - ﷺ -: "يُمزَّقُ مُلكُه"، وحَفِظنا أن قيصرَ أكرمَ كتابَ رسولِ الله - ﷺ - ووضعه في مَسْك (^١)، فقال رسول الله - ﷺ -: "ثُبَّت مُلكُه"، ولَمَّا كانت العربُ تأتي الشامَ والعراقَ للتجارة، فأسلم مَن أسلم منهم، شكَوْا خوفَهم من مَلِكي العراقِ والشام إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: "إذا هَلَك كسرى فلا كسرى بعده؟ إذا هلك قيصرُ فلا قيصرَ بعده". فباد مُلكُ الأكاسرة بالكلية، وزال ملكُ قيصرَ عن الشام بالكلية، وإن ثَبَت لهم مُلكٌ في الجملة، ببركةِ دعاءِ النبي - ﷺ - لهم حين عَظَّموا كتابه، والله أعلم" (^٢).
• عن أبى هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا هَلَك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصرُ فلا قيصرَ بعده، والذي نفسي بيده لتُنْفَقَنَّ كنوزُهما في سبيل الله" (^٣).
• وعن جابرِ بنِ سَمُرةَ -﵁ - قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول:
_________________
(١) المَسْك: الجِلْده.
(٢) "البداية والنهاية" (٤/ ٢٦٨ - ٢٧١).
(٣) رواه البخاري (٦/ ٢١٩)، ومسلم (٤/ ٢٢٣٧)، ورواه البخاري (٦/ ٢١٩)، ومسلم (٤/ ٢٢٣٧) عن جابر بن سمرة.
[ ١ / ٣٠١ ]
"لَتَفْتَحَن عصابةٌ من المسلمين -أو مِنَ المؤمنين- كنْزَ آلِ كسرى الذي في الأبيض" (^١).
• وعن جابر بن سَمُرةَ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "عُصبةٌ من المسلمين يَفتحون البيتَ الأبيض بيتَ كسرى" (^٢).