بعد وفاةِ النبيِّ - ﷺ - نبَغَ في أهل "عُمان" رجلٌ يقال له: "ذو التاج - لَقيطُ بنُ مالكٍ الأَسَدَيُّ"، وكان يُسامِي في الجاهلية "الجَلَندي" مَلِكَ عُمان (^١)، فادَّعى النبوة، وتابَعَه الجَهَلةُ مِن أهل عمان، فتَغلَّب عليها، وقَهَر "جَيْفرًا وعَبَّادَا ابني الجَلَندي" (^٢)، وألجأهما إلى أطرافِها من نواحي الجبالِ والبحرِ، فبَعَث "جيفر" إلى الصِّدِّيق، فأخبَرَه الخبر -واستجاشه-، فبعث إليه الصِّدِّيقُ بأميرَينِ هما "حذيفةُ بنُ مِحصَنٍ الحِمْيَريُّ " و"عَرْفَجةُ البارقي" من الأزد -حذيفةُ إلى عُمان، وعَرْفجةُ إلى مُهْرة -، وأمَرَهما أن يَجتمعَا ويتَّفِقَا ويبتدئا بعمان، وحذيفةُ هو الأمير، فإذا سارا إلى بلادِ مُهْرة، فعَرفجةُ الأمير، وأَمَر الصديقُ "عكرمةَ بنَ أبي جهل" أن يَلحقَ بحذيفةَ وعَرفجةَ إلى عُمان، وكلٌّ منكم أمير على جيشِه، وحذيفةُ -ما دمتم بعمان- فهو أميرُ الناس، فإذا فرغتم، فاذهبوا إلى مُهْرة، فإذا فرغتم منها، فاذهبْ إلى اليمن وحَضْرَمَوْتَ، فكن مع "المهاجرِ بنِ أبي أُميَّة"، ومَن لَقِيتَهُ منَ المُرتدَّةِ بين عُمانَ إلى حَضْرَمَوْتَ، فنَكِّلْ به.
فسار عكرمةُ لمَا أَمَره الصِّديقُ، فلَحِقَ بحذيفةَ وعَرْفجةَ قبل أن يَصِلَا إلى عُمان، وقد كَتب إليهما الصِّديقُ أن ينتهيا إلى رَأيِ عكرمةَ بعد الفراغ منَ السَّيرِ من عُمان -أو المُقام بها-، فساروا، فلمَّا أقتربوا من عمانَ راسلوا
_________________
(١) "البداية والنهاية" (٦/ ٣٣٤).
(٢) "البداية والنهاية" (٦/ ٣٣٤).
[ ١ / ٣٨٥ ]
جَيْفرًا، وبَلَغ لَقِيطَ بنَ مالكٍ مَجيءُ الجيش، فخَرَج في جُموعِه، فعَسْكَرَ بمكانٍ يُقال له "دبا" -وهي مِصر تلك البلاد وسوقها العظمى-، وجَعل الذراريَّ والأموالَ وراءَ ظهورهم -ليكونَ أقوى لحربهم-، واجتمع جيفرٌ وعبَّادٌ بمكانٍ يقال له: "صَحَار"، فعَسكرا به، وبَعَث إلى أُمراءِ الصِّديق، فقَدِموا على المسلمين، فتقابَلَ الجيشانِ هنالك، وتقاتَلوا قتالًا شديدًا، وابتُلِي المؤمنون، وكادوا أن يُوَلُّوا، فمَنَّ الله بكَرمِه ولُطفِه أنْ بَعَثَ إليهم مَددًا في الساعةِ الراهنةِ من "بني ناجِية" و"عبد القَيس" في جماعةٍ من الأُمراء، فلمَّا وَصَلوا إليهم كان الفتحُ والنصر، فوَلَّى المشركون مُدبِرِين، ورَكِب المسلمون ظهورَهم، فقتلوا منهم عشرةَ آلافِ مقاتل، وسَبَوْا الذراريَّ، وأَخذوا الأموالَ والسوق بحذافيرها، وبَعَثوا بالخُمُسِ إلى الصِّديق - ﵁ - مع أحدِ الأمراء -وهو عَرفجةُ-، ثم رَجَع إلى أصحابه (^١).
* * *
_________________
(١) المصدر السابق (٦/ ٣٣٤ - ٣٣٥).
[ ١ / ٣٨٦ ]