هو عدوُّ اللهِ مُسيلِمة بنُ ثُمامة بنِ كبير بن حبيب الحَنَفي الوائلي.
• قال عبيدُ الله بن عبد الله: "سألتُ عبدَ الله بنَ عباس - ﵁ - عن رؤيا رسول الله - ﷺ - التي ذَكَر؟ فقال ابنُ عباس: ذُكِرَ لي أن رسولَ الله - ﷺ - قال: "يينا أنا نائمٌ، رأيتُ أَنَّه وُضِع في يَدَيَّ سِوارانِ من ذهبٍ، فقطعتُهما وكرِهتُهما، فأُذن لي، فنفختُهما فطارَا، فأوَّلتْهما كَذَّابانِ يخرجان" (^١).
فقال عُبيد الله: أحدهما: "العَنْسِيُّ" الذي قتله فيروزٌ في اليمن، والآخر: "مُسيلِمة".
_________________
(١) رواه البخاري (٧٠٢٣).
[ ١ / ٣٧٠ ]
° قال الحافظ في "الفتح" (^١): "قوله: "فنفختُهما فطارا": في ذلك إشارةٌ إلى حقارة أمرهما؛ لأن شأن الذي يُنفَخُ فيذهبُ بالنفخ أن يكون في غايةِ الحقارة، ورَدَّه ابنُ العربي بأن أمرهما كان في غايةِ الشدَّة ولم ينزل بالمسلمين قبلَه مِثلُه.
قلت: وهو كذلك، لكن الإِشارةَ إنما هو للحقارة المعنوية لا الحسيَّة، وفي طَيَرانِهما إشارةٌ إلى اضمحلالِ أمرهما -كما تقدم-.
وقوله: "فأوَّلتُهما الكذَّابَيْنِ": قال القاضي عياض: لما كان رؤيا السِّوَارين في اليديْن جميعًا من الجهتيْن، وكان النبيُّ - ﷺ - حينئذ بينهما، فتأوَّل السواريْنِ عليهما لِوَضْعِهما في غير موضِعِهما؛ لأنه ليس من حِليْة الرجال، وكذلك الكذَّابُ يضعُ الخبرَ في غيرِ موضعه، وفي كونهما مِن ذهبٍ إشعارٌ بذهابِ أمرِهما".
• وعن ابن عباس - ﵁ -، قال: "قَدِم مسيلِمةُ الكذَّابُ على عهد رسول الله - ﷺ -، فجعل يقول: إِنْ جَعَل لي محمدٌ الأمرَ من بعده تَبِعْتُه، وقَدِمَها في بَشَرٍ كثير مِنْ قومه، فأقبل إليه رسولُ الله - ﷺ - ومعه ثابتُ بن قيسِ بنِ شمَّاس، وفي يد رسول الله - ﷺ - قطعةٌ من جَريد، حتى وقف على مسيلِمة في أصحابه، فقال: "لو سألتَني هذه القطعةَ ما أعطيتُكها، ولن تَعْدُوَ أمرَ الله فيك، ولئن أدبرتَ ليَعقِرَنَّك الله، وِإني لأراك الذي أُريتُ فيه ما رأيتُ، وهذا ثابتٌ يجيبك عني"، ثم انصرف عنه" (^٢).
_________________
(١) "فتح الباري" (١٢/ ٤٢٤).
(٢) أخرجه البخاري (٤٣٧٣)، ومسلم (٢٢٧٣)، والترمذي (٢٢٩٢)، وقال: هذا حديث صحيح حسن غريب.
[ ١ / ٣٧١ ]
• وعن أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: "بينا أنا نائمٌ، إذْ أُتيتُ خزائنَ الأرض، فوُضِع في يدي سِوارانِ من ذهب، فكَبُرا عليَّ وأهمَّاني، فأُوحي إليّ: أنِ انْفُخْهما، فنَفختُهما فطارا، فأوَّلتُهُما الكذَّابَيْن اللَّذيْنِ أنا بينهما: صاحبُ صنعاء، وصاحبُ اليمامة" (^١).
° قال الحافظ في "الفتح" (^٢): "قوله: "اللذيْن أنا بينهما" ظاهرٌ في أنهما كانا حين قصَّ الرؤيا موجودَيْن، وهو كذلك، لكن وقع في روايةِ ابن عباس: "يخرجانِ بعدي".
والجمعُ بينهما: أنَّ المرادَ بخروجهما بعده: ظهورُ شوكتِهما ومحاربتُهما ودعواهما النُّبوَّة .. نقله النووي عن العلماء، وفيه نظر؛ لأن ذلك كلَّه ظَهَر للأسود بصنعاءَ في حياته - ﷺ -، فادَّعى النُّبُوَّة، وعَظُمت شوكتُه، وحارب المسلمين وفَتَك بهم، وغَلَب على البلد، وآلَ أمرُه إلى أنْ قُتِل في حياة النبي - ﷺ -، وأمَّا مُسيلِمة فكان ادَّعى النبوَّة في حياةِ النبي - ﷺ -، لكنْ لم تَعظُمْ شوكتُه، ولم تقعْ محاربتُه إلاَّ في عهد أبي بكر، فإمَّا أن يُحمَل ذلك على التغليب، وإمَّا أن يكونَ المرادُ بقوله: "بعدي"، أي: بعد نُبُوَّتي".
• وعن وهبِ بن منبِّهٍ، عن جابر بن عبد الله قال: سمعتُ النبي - ﷺ - يقول: "إنَّ بيْن يَدَيِ الساعةِ كذابِينَ، منهم صاحبُ اليمامة، ومنهم صاحبُ صنعاء العَنسيُّ، ومنهم صَاحِبُ حِمْيَر، ومْنهم الدجَّال وهو أعظمُهم فتنة" (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٠٣٦)، ومسلم (ص ١٧٨١).
(٢) "فتح الباري" (١٢/ ٤٢٤).
(٣) صحيح: أخرجه ابن حبان. انظر "موارد الظمآن" (١٨٩٧).
[ ١ / ٣٧٢ ]
قال: وقال أصحابي: "همُ قريبٌ من ثلاثين كذَّابًا".
مسيلمة الكذَّاب، "كَذَّابُ اليمامة"، وكان يُدعى "رحمان اليمامة"، ادَّعى النبوةَ في عهدِ رسول الله - ﷺ -، قَصَدَتْه سَجَاح -لَمَّا ادَّعَتِ النبوة- بجنودها، لأخذِ اليمامة منه، فهابه قومُها، وقالوا: إنه قد استَفْحَل أمرُه وعَظُم، فقالت لهم فيما تقوله: "عليكم باليمامة، دُفُّوا دفيفَ الحمامة، فإنها غزوةٌ صَرَّامة، لا تَلحقُكم بعدها ملامة".
قال: فعَمَدوا لحربِ مسيلمة، فلما سمع بمسيرها إليه، خافَها على بلاده، فبعث إليها يستأمنُها، ويضمنُ لها أن يُعطيَها نصفَ الأرض الذي كان لقريشٍ لو عَدَلت، "فقد رَدَّه اللهُ عليكِ فحباكِ به" .. وراسلها، ليجتمعَ بها في طائفةٍ من قومه، فركب إليها في أربعينَ من قومه، فلما خلا بها عَرَض عليها ما عَرض من نصف الأرض، وقَبِلت ذلك، قال مسيلمة: "سَمع اللهُ لمن سمع، وأطعمه بالخير إذا طمع، ولا يزالُ أمرُه في كلّ ما يَسُرُّ مجتمع، رآكم ربُّكُم فحيَّاكم، ومِن وحشته أخلاكم، ويومَ دينهِ أنجاكم فأحياكم" .. إلى آخِرِ الهراء، وإلى آخِرِ ما فعل اللعين، مما يَعِفُّ القلمُ عن ذِكره. فلما رجعت سَجاحُ إلى قومها قالوا: "ما أَصْدَقَكِ؟ فقالت: لم يُصدِقْني شيئًا، فقالوا: إنه قبيح على مِثلِكِ أن تتزوجَ بغيرِ صَداق"، فبعثت إليه تسأله صداقًا، فقال: "أرسلي إليَّ مؤذنَكِ"، فبعثته إليه -وهو شَبَثُ بن رِبعي- فقال: "نادِ في قومك أن مسيلمة بنَ حبيب رسول الله: قد وضع عنكم صلاتيْن، مما أتاكم له محمد -يعني صلاة الفجر وصلاةَ العشاء الآخرة" (^١) -"،
_________________
(١) "في الفرق بين الفرق" (ص ٣٤٥) للبغدادي "أسقط وجوب صلاتي الصبح والمغرب، وجعل سقوطها مهرًا لامرأته سجاح المتنبِّأة".
[ ١ / ٣٧٣ ]
ثم أسلمت بعد ذلك سجاحُ.
هذا الكذَّابُ الذي كَذَب على الله ورسوله، فشانَه اللهُ وفَضَحه بكَذِبه، فما يُسمَّى إلاَّ مسيلِمة "الكذَّاب"، وكفى به جزاءً في الدنيا، فكيف بالقتل وقد قَتَله وحشيٌّ العبد؟ فكيف بيوم القيامة، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠]، ويقول تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].
وكان مؤذِّنَه "عبدُ الله بن النوَّاحة"، والذي يقيم الصلاة له "حُجر بن عمير"، وكان يقول أثناءَ الإِقامة: "أشهد أن مسيلمةَ يزعم أنه رسول الله"، فقال مسيلمة: "أفْصح حُجَيْر، فما في المجمجة خير" (^١).
وجاء في قرآنِ مسيلِمة الكذابِ مما يثير الضحكَ والعجبَ العُجاب:
* قال الحافظُ ابن كثير: "لَمَّا قَدِمت وفودُ بني حنيفة على الصِّدِّيق (^٢) قال لهم: أَسْمِعونا شيئًا من قرآنِ مُسيلِمة. فقالوا: أَوَ تُعفينا يا خليفةَ رسولِ الله؟ فقال: لابُدَّ من ذلك. فقالوا: كان يقول: يا ضِفْدع بنتَ الضِّفْدَعين، نِقِّي كمْ تَنقِّين، لا الماءَ تُكدِّرينْ، ولا الشاربَ تَمْنَعِين، رأسُك في الماء، وذَنبُك في الطِّين".
وكان يقول: "والمُبَذرَات زَرْعًا، والحاصِداتِ حصدًا، والذَّارياتِ قمحًا، والطاحِناتِ طَحْنًا، والخابزات خُبْزًا، والثارِداتِ ثَرْدًا، واللاقماتِ
_________________
(١) "الكامل" (٢/ ٣٦١).
(٢) انظر "تاريخ الطبري" (٣/ ٢٨٤، ٣٠٠) بنحوه.
[ ١ / ٣٧٤ ]
لقْمًا، إهالةً وسَمْنًا، لقد فُضِّلتُم على أهل الوَبَر، وما سَبَقكم أهلُ المَدَر، رفيقَكم فامنعوه، والمُعْتَرَّ فآوُوه، والناعي (^١) فواسوه".
واللهِ، إنها لَخرافاتٌ يأنفُ من قولها الصبيان، وهم يلعبون.
° قال الصِّدِّيق لوفد بني حنيفة: "ويحكم، أين كان يذهبُ بعقولكم؟ إن هذا لم يخرج من إلٍّ" (^٢).
° وكان الكذَّابُ يقول: "والفيلِ، وما أدراك ما الفيل، له زَلُّومٌ طويل".
° وكان يقول: "والليلُ الدامس، والذئبِ الهامس، ما قَطَعَت أسَدٌ من رَطْبٍ ولا يابس".
° وكان يقول: "لقد أنعم اللهُ على الحُبْلى، أخرج منها نَسَمةً تَسْعى، من بين صِفاقٍ وحَشَا".
وأشياء من هذا الكلام السَّخيف الرَّكيك البارد السَّمج .. وقد أورد أبو بكر بنُ الباقِلاَّني - ﵀ - في كتابه "إعجاز القرآن" (^٣) أشياءَ من كلام هؤلاء الجَهَلة المُتنبِّئين كمسيلمة، وطُلَيْحة، والأسودِ، وسَجاح، وغيرهم، مما يدلُّ على ضعْف عقولهم وعقولِ من اتّبعهم على ضلالهم ومِحالهم، وقد رُوِّينا عن عمرِو بن العاص أنه وَفَد إلى مسيلمة في أيام جاهليته. فقال له مُسيلِمة: "ماذا أُنزل على صاحبكم في هذا الحين؟ فقال له عمرو: لقد
_________________
(١) وفي نسخة: والباغي فناوئوه.
(٢) قال ابن الأثير في "النهاية" (١/ ٦١): "إن هذا لم يخرج من إِلٍّ"، أي ربوبية والإِلُّ بالكسر هو الله تعالى، وقيل: الإِل: هو الأصل الجيد.
(٣) "إعجاز القرآن" (ص ١٥٦، ١٥٧).
[ ١ / ٣٧٥ ]
أُنزل عليه سورةٌ وجيزةٌ بليغة، فقال: وما هي؟ قال: أنزل عليه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾ [العصر:١ - ٢]، قال: ففكر مسيلِمة ساعة، ثم رفع رأسه، فقال: ولقد أُنزل على مثلُها، فقال له عمرو: وما هي؟ فقال مسيلمة: "يا وَبَر يا وبر، إنما أنت إيرادٌ وصَدَر، وسائرُك حُفَرٌ نُقَر".
ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: واللهِ، إنك لَتعلمُ أني أعلمُ أنك تكذب".
وذكر علماء التاريخ أنه كان يتشبَّه بالنبي - ﷺ -، فبَلَغه أن رسولَ الله - ﷺ - بصَق في بئرٍ فغَزَر ماؤه، فبَصَق في بئر، فغاض ماؤه بالكلية، وفي أخرى فصار ماؤه مِلْحًا أُجاجًا.
وتوضَّأ وسقى بوضوئه نخلًا، فَيبُست وهَلَكت.
وأُتي بوِلْدانٍ يُبرِّكُ عليهم، فجعل يمسحُ رؤوسهم، فمنهم من قَرعَ رأسه، ومنهم من لُثغ لسانه!!.