كان سَلاَّمُ بن أبي الحُقَيْق من يهود بني النَّضير ومِن أحبار اليهود الذي ناصَبوا رسول الله - ﷺ - العداوة من أول يوم، وهو من أحبارِ يهود الذين نزل فيهم القرآن لحِقدهم على رسول الله - ﷺ -، ولكونهم كانوا يتعنَّتونه (^٣)، ولكذبهم وزورهم وقولهم: "إنَّ دينَ قريشٍ خيرٌ من الإسلام" (^٤).
وحين حاصَرَ النبيُّ - ﷺ - بني النضير وأجلاهم عن المدينة، كان
_________________
(١) عبد الله بن سلام زعيم اليهود الذي أسلم - ﵁ -.
(٢) هذه منقبة لسعد بن معاذ - ﵁ - عند موته.
(٣) أي: يشقُّون عليه، ويحاولون إنزال العَنَت به.
(٤) انظر "سيرة ابن هشام" (٢/ ١٣٣، ١٣٤، ٢/ ١٩٠).
[ ١ / ٣٣٣ ]
سَلاَّمٌ يُهدِّدُ المسلمين قائلًا: "إنَّ حلفائي بِخَيْبرَ لَعشرةُ آلافِ مقاتِل"، فبَلَغ رسولَ الله - ﷺ - قولُه، فتبسَّم (^١)، ثم دارت الدائرةُ على بني النضِيْر، فاستسلموا للمسلمين.
وكان سلاَّمٌ من التُّجار الكبارِ الذين يتعاطَون الربا، وكان له على أُسَيْدِ ابن حُضَير عشرون ومئةُ دينارٍ إلى سَنَة، فلما أجلاهم النبيُّ - ﷺ - صالَحَه سَلاَّمٌ على أخذِ رأسِ مالِه ثمانين دينارًا، وأبطَلَ ما فَضَل (^٢)، وصَنَع يهودُ المرابون صَنيعَه مُكْرَهين.
وأعطى النبيُّ - ﷺ - سعدَ بنَ مُعَاذ سيفَ سلاَّمِ بنِ أبي الحُقَيْق، وكان سيفًا له ذِكرٌ عندهم (^٣)، وكان من جُملة غنائمِ بني النضِيْر.
وكان سلاَّمٌ وحييُّ بنُ أخطبَ على رأس مَن حَزَّبوا الأحزاب من قريش وغَطَفان لحرب رسول الله - ﷺ -.
° عن عروة: "أنه كان ممَّن أَعَان غَطَفانَ وغيرَهم من مشركي العرب بالمال الكثير على رسول الله - ﷺ -" (^٤).
وكانت غزوةُ الخندق ثمرةً من ثمرات حِقده وكيدِه الدائب للإِسلام هو وحُييُّ بن أخطب.
ولسلاَّمٍ أخَوانِ مشهورانِ من أهل خيبر: أحدهما كِنانةُ -وكان زوجَ صفيةَ بنتِ حييٌّ قبل النبي - ﷺ -، وأخوه الرَّبيع بن أبي الحُقيق، وقتلهما
_________________
(١) "مغازي الواقدي" (١/ ٣٧٣).
(٢) "مغازي الواقدي" (١/ ٣٧٤).
(٣) "مغازي الواقدي" (١/ ٣٧٩).
(٤) "فتح الباري" (٧/ ٣٩٨).
[ ١ / ٣٣٤ ]
النبي - ﷺ - جميعًا بعد فتح خيبر (^١).
لقد كان سلاَّمُ بنُ أبي الحُقَيْق من أخطرِ أعداءِ النبي - ﷺ - والإسلام والمسلمين، وكان لا بد من وضع حدٍّ لنشاطِه المخرِّب، فقد كان لا يُريحُ ولا يَسْتَريح، ولكنَّ القضاءَ عليه لم يكن سهلًا ميسورًا، وبخاصةٍ وهو في حِصْنه الحصين، بين أهله وذَوِيه الأقوياء، في وَسَطِ خَيْبرَ المُحصّنَةِ ذاتِ الحصون والقلاع، التي يحميها عشرةُ آلاف مقاتل (^٢)، والتي تستطيعُ إرسالَ ثلاثةِ آلافِ مقاتل فورًا (^٣)، فلابدَّ من أن يوكِّلَ أمرَه إلى بَطلٍ مقدام، وكان هذا البطل هو عبدُ الله بن عَتِيك.
° قال ابن إسحاق: "لما قَتلت الأوسُ كعبَ بنَ الأشرف استأذنت الخزرجُ رسولَ رسول الله - ﷺ - في قَتل سَلاَّم بنِ أبي الحُقيق وهو بخيبر، فأَذِن لهم، قال: فحدَّثني الزُّهريُّ عن عبد الله بن كعبِ بنِ مالك قال: كان ممَّا صَنَع اللهُ لرسوله أن الأوسَ والخزرجَ كانا يتصاوَلانِ تصاوُلَ الفَحْليْن، لا تَصنعُ الأوسُ شيئًا إلاَّ قالت الخزرَجُ: واللهِ لا تذهبون بهذه فضلًا علينا -وكذلك الأوس-، فلمَّا أصابت الأوسُ كعبَ بنَ الأشرف تذاكرت الخزرجُ: مَن رجلٌ له من العداوة لرسول الله - ﷺ - كما كان لكعب؟ فذكروا ابنَ أبي الحقيق وهو بخيبر" (^٤).
_________________
(١) "فتح الباري" (٧/ ٣٩٧).
(٢) "مغازي الواقدي" (١/ ٣٧٣).
(٣) "مغازي الواقدي" (١/ ٣٩٣).
(٤) "فتح الباري" (٧/ ٣٩٧).
[ ١ / ٣٣٥ ]