° قال ابنُ العربي: "العوراءُ أم قبيح، وكانت عوراءَ، مَن لها غيرُ أبي النار، أبي لهب؟! حَقَّق الله نَسَبه، لقد صَرَفهم اللهُ على أن يقولوا: "أبو النور، وأبو الضياء" -الذي هو المشترِك بين المحبوب والمكروه-، وأجرى على ألسنتهم أن يُضيفوه إلى لهب، الذي هو مخصوصٌ بالمكروه والمذموم -وهو النار-، ثم حَقَّق ذلك بأن يجعلها مَقَرَّه".
° قال ابنُ كثير عن أمِّ جميل: "كانت عَونًا لزوجها على كُفرِه وجُحودِه وعناده، فلهذا تكونُ يومَ القيامة عونًا عليه في عذابه في نار جهنم، ولهذا قال: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾، يعني: تحملُ الحطبَ فتُلقي على زوجِه، ليزدادَ على ما هو فيه، وهي مهيأةٌ لذلك، مستعدَّةٌ له" (^١) .. والجزاء من جنس العمل.
﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾: عن مجاهد وعكرمة، والحسن، والقتادة، والثوري، والسُّدِّي: "كانت تمشي بالنميمة".
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" (٨/ ٥٣٥).
[ ١ / ٢٥٧ ]
° وعن ابن عباس، وعطية الجَدَلي، والضحاك، وابن زيد: "كانت تضعُ الشوكَ في طريق رسول الله - ﷺ -" .. واختاره ابن جرير.
° قال الإِمام ابن جرير: "وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي هو قول من قال: كانت تحملُ الشوك، فتطرحُه في طريقِ رسول الله - ﷺ -، لأن ذلك أظهرُ".
° قال الربيع: "فكان النبي - ﷺ - يطؤُه كما يطأُ الحرير".
ومِثلما حَمَلت الشوكَ والعِضاةَ تطرحُه في طريقِ رسول الله - ﷺ -، فكذا تحملُ الحطبَ على زوجِها في النارِ جزاءً وفاقًا.
° قال قتادة وغيره: "كانت تُعيِّرُ رسولَ الله - ﷺ - بالفقر، ثم كانت مع كثرةِ مالها تحملُ الحطبَ لشدةِ بُخلها، فُعيِّرت بالبُخل" (^١).
° قال مُرَّة الهَمْداني: "كانت أم جميل تأتي كلَّ يوم بإبَّالةٍ (^٢)، من الحَسَكِ (^٣)، فتطرحُها في طريقِ المسلمين، فبينما هي حاملةٌ ذاتَ يوم حُزْمةً أعْيَت، فقَعَدت على حَجَرٍ لتستريح، فجَذَبها المَلَكُ من خلفها فأهلكها" (^٤). خَنَقها اللهُ بحَبلها.
° قال سعيد بن جبير: "حمالةَ الخطايا والذنوب، من قولهم: "فلان يحتطبُ على ظهره"، دليلُه قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١﴾، ولا يظلمُ ربك أحدًا".
_________________
(١) "تفسير القرطبي" (١٠/ ٧٣٣٠).
(٢) الإبالة: الحزمة الكبير.
(٣) الحسك: نبات له ثمرة ذات شوك، تعلق بأصواف الغنم، وهو السعدان.
(٤) "تفسير القرطبي" (١٠/ ٧٣٣٠).
[ ١ / ٢٥٨ ]
* ﴿فِي جِيدِهَا (^١) حَبْلٌ من مَّسَدٍ﴾:
° قال سعيد بن المسيِّب: "كانت لها قِلادةٌ فاخرة، فقالت: لأُنفِقَنَّها في عداوةِ محمدٍ، فأعقَبَها اللهُ بها حَبْلًا في جِيدِها من مَسدِ النار".
° وعن الثوري: "هي قلادةٌ من نارٍ طولُها سبعون ذراعًا" (^٢).
أبو لهب: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ ستَصلاها، وفي عُنقها حَبلٌ من مَسَد، تناسُقٌ في اللفظ، وتناسق في الصورة، فجهنم هي نار ذاتُ لهب، يَصلاها أبو لهب، وامرأتُه تحملُ الحطب، وتُلقِيه في طريقِ محمدٍ لإِيذائه والحطبُ مما يوقَدُ به اللهب، وهي تَحزِمُ الحطبَ بحبل، فعذابها في النار ذاتِ اللهب، أن تُغَل بحبلٍ من مَسد، ليتم الجزاءُ من جنس العمل" (^٣).
وانظر يا أخي، مثلما أرادا أن يُنغِّصَا عيشَ رسولِ الله - ﷺ -، بتطليق ابنتَيه، وتتُّبعِه في المجالس بتكذيبه، مثلما أثارا حَربًا شعواءَ على النبي - ﷺ -، وعلى الدَّعوة، لا هوادةَ فيها، ولا هُدنة، انظر إلى وقع السورة في نفسِ أمِّ جميل، التي ذُعرت لها، وجُنَّ جنونُها، وحَسِبت أن رسول الله - ﷺ - قد هجاها بشِعرٍ، وبخاصةٍ حين انتشرت هذه السورة، وما تحمله من تهديدٍ ومَذِمَّة، وتصوير زَرِيٍّ لأم جميل خاصةً، وتصوير يُثير السخرية، من امرأةٍ مُعجَبةٍ بنفسها، مُدِلَّةٍ بحَسَبها ونَسَبها، ثم ترتسِمُ لها هذه الصورة ﴿نَارًا
_________________
(١) الجيد: العنق.
(٢) "تفسير ابن كثير" (٨/ ٥٣٦).
(٣) "الظلال" (٦/ ٤٠٠٠).
[ ١ / ٢٥٩ ]
ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ في هذا الأسلوب القويِّ الذي يَشيعُ عند العرب.
• عن أسماء بنت أبي بكر قالت: "لما نزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبّ﴾ أقبلت العوراءُ أمُّ جَميلٍ بنتُ حرب، ولها وَلولة وفي يدها فِهْر (^١)، وهي تقول:
مُذَمَّمًا أَبَينَا … وَدِينَهُ قَلَينَا
وَأمْرَه عَصَينَا (^٢)
ورسولُ الله - ﷺ - جالس في المسجد، ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر، قال: يا رسول الله، قد أقبلَتْ، وأنا أخافُ عليك أن تراك، فقال رسولُ الله - ﷺ -: "إنها لن تراني"، وقرأ قُراَنًا اعتَصَم به، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ [الإِسراء: ٤٥]، فأقبَلَت حتى وقفَتْ على أبي بكر، ولم تَرَ رسولَ الله - ﷺ -، فقالت: يا أبا بكر، إني أُخبرتُ أن صاحبَك هجاني؟، قال: لا، وربِّ هذا البيت ما هجاكِ، فوتَت، وهي تقول: قد عَلِمَتْ قريشٌ إني ابنةُ سيِّدها".
قال: وقال الوليدُ في حديثه، أو غيره: "فعثُرت أمُّ جميل مِرْطَها وهي تطوف بالبيت، فقالت: تَعِس مُذَمَّم، فقالت أمُّ حكيم بنتُ عبد الطلب:
_________________
(١) أي بمقدار ملء الكف من الحجارة.
(٢) رواه أحمد (٢/ ٣٧٣، ٤١٧)، والبخاري في "المناقب في أسماء رسول الله - ﷺ -" (٧/ ٣٦٩) من "فتح الباري" عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ألا تعجبون كيف يصرت الله عني شتم قريش ولعنهم يشتمون مُذَمَّمًا ويلعنون مُذَمَّمًا وأنا محمد".
[ ١ / ٢٦٠ ]
إني لَحَصانٌ، فما أكلَّم، وثَقَافٌ (^١) فما أُعلَّم، وكلنا من بني العمِّ، وقريش بعد أعلم" (^٢).
° وروى الحافظُ عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَب وَتَبّ﴾ وجاءت امرأةُ أبي لهب، ورسولُ الله - ﷺ - جالس، ومعه أبو بكر، فقال له أبو بكر: لو تنحَّيتَ لا تؤذيكَ بشيء، فقال رسول الله - ﷺ -: "إنه سيُحال بيني وبينها"، فأقبلَتْ حتى وقفتْ على أبي بكر، فقالت: يا أبا بكر، هجانا صاحبُك، فقال أبو بكر: لا وربِّ هذه البِنْية، ما نَطق بالشِّعر ولا يتفوَّه به. فقالت: إنك لَمُصدَّق. فلمَّا ولَّت قال أبو بكر - ﵁ -: ما رأْتك؟ قال: "لا، ما زال مَلَلكٌ يسترُني حتى ولَّت" (^٣).
° "فهكذا بَلَغ منها الغيظُ والحَنَقُ من سَيرورةِ هذا القول الذي حَسِبَتْه شِعرًا، وكان الهجاءُ لا يكونُ إلاَّ شعرًا مما نفاه أبو بكر، وهو صادقٌ، ولكنَّ الصورةَ المُزرِيةَ المثيرةَ للسخرية، التي شاعت في آياتها قد سُجِّلت في الكتاب الخالد، وسجَّلَتْها صفحاتُ الوجود أيضًا، تنطقُ بغضبِ اللهِ وحَرْبه على أبي لهب وامرأته، جزاءَ الكيد لدعوةِ الله ورسولِه، والتبابُ والهلاكُ والسخريةُ والزِّراية جزاءُ الكائدين لدعوة الله في الدنيا، والنار في الآخرة جزاءً وفاقًا، والذلُّ الذي يُشير إليه الحَبلُ، في الدنيا والآخرة جميعًا" (^٤).
_________________
(١) أي: ذات فطنة ومعرفة.
(٢) "تفسير ابن كثير" (٨/ ٥٣٦ - ٥٣٧).
(٣) حسن الإسناد: رواه أبو يعلى والبزار بنحوه، وقال: إنه حسن الإسناد، وفيه عطاء بن السائب كان قد تغيّر كذا في "المجمع" (٧/ ٤٤)، وله شاهد عن أسماء بنت أبي بكر بنحوه رواه أبو يعلى.
(٤) "الظلال" (٦/ ٤٠٠١).
[ ١ / ٢٦١ ]