حين يَفيضُ النورُ الهادئُ الوضيءُ، فيَغمُرُ الكونَ كلَّه، ويَفيضُ على المشاعر والجوارح، وينسكبُ في الحنايا والجوانح، وحتى يَسْبَحَ الكونُ كلُّه في فيضِ النور الباهر، وحتى تُعانِقَه وتَرشُفَه العيونُ والبصائر، حين تنزاحُ الحُجُب، وتَشفُّ القلوب، وترفُّ الأرواح، ويَسْبَحُ كلُّ شيءٍ في الفيض الغامر، ويتطهَّرُ كلُّ شيءٍ في بحرِ النور، ويتجرَّدُ كلُّ شيءٍ من كثافته وثُقْله، فإذا هو انطلاقٌ ورَفرفة، ولقاءٌ ومعرفة، وامتزاجٌ وأُلفة، وفَرَحٌ
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (٦/ ٢٣٦).
[ ١ / ٣٤ ]
وحُبور، وإذا الكونُ كلُّه بما فيه ومَن فيه نورٌ طَليقٌ من القيود والحدود، تتَصلُ فيه السماواتُ بالأرضُ، والأحياءُ بالجماد، والبعيدُ بالقريب، وتلتقي فيه الشِّعابُ والدُّرُوب، والطوايا والظواهر والحواس والقلوب.
فَيضٌ غامر من النور .. وأُفُقٌ وضيءٌ يدركُه القلبُ كلما شَفَّ ورَفَّ، ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾.
مَثَلٌ يُقرِّبُ للإدراك المحدود صورةَ غيرِ المحدود، مَثَلٌ يُقرِّبُ للإِدراك طبيعةَ النورِ حين يَعجِزُ عن تتبُّع مَدَاه وآفاقِهِ المترامية وراءَ الإدراكِ البشريِّ الحسير.
وإن مَن حُجب عن معرفةِ ربِّه ونورِه يُحجَبُ عن معرفة رسوله الذي أرسله الله سراجًا منيرًا .. وضرب مثلًا لنوره بالنور في قلبِ رسوله - ﷺ - ..
وكيف يبلُغُ في دنياه غايَتَه … مَن تستوِي عنده الظَّلمَاءُ والنُّورُ!
• انظر إلى دعاءِ مَن أرسله الله سِراجًا منيرًا -وقد استجاب الله لدعائه-: "اللهم اجعَلْ في قلبي نورًا، وفي بَصَري نورًا، وفي سمعي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا، ومن فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، ومن أمامي نورًا، ومِن خَلفي نورًا، واجعلْ لي في نفسي نورًا، وأعظمْ لي نورًا" (^١).
• "اللهم اجعلْ في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، واجعلْ في سمعي نورًا، واجعلْ في بَصَري نورًا، واجعلْ مِن خَلفي نورًا، ومِن أمامي نورًا،
_________________
(١) رواه أحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي عن ابن عباس.
[ ١ / ٣٥ ]
واجعلْ من فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، اللهم أعطِنِي نورًا" (^١).
لا يفقهُ عِظَمَ هذا المَثَل وقَدْرَ هذا الدعاءِ النبويِّ الجميل إلاَّ مَن رَزَقه اللهُ نورًا وحياةً في قلبه، ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢].
° ولله درُّ القائل عن رسول الله - ﷺ -:
قَمَرٌ تفرد بالكمالِ كمالُه … وحَوَى المحاسِنَ حُسْنُه وجمالُهُ
وتناول الكَرَمَ العريضَ نَوَالُه … وَحَوَى المفاخِرَ فخرُه المتقدِّمُ
فبربِّه صَلُّوا عليه وسلِّمُوا
واللهِ ما ذَرَأ الإلهُ ولَا بَرَا … بَشَرًا ولا مَلَكًا كأحمدَ في الوَرَى
فعليه صلَّى اللهُ ما قلمٌ جَرَى … وجَلَا الدياجي نورُه المُتبَسِّمُ
فبربِّه صَلُّوا عليه وسلِّمُوا
° والقائل:
قمرٌ تشعشعَ مِن ذؤابةِ هاشمٍ … في الأرض نورُ هدايةٍ وصوابِ
العاقبُ الماحي الضَّلالةَ بالهدى … ومُدَمِّرُ الأزلامِ والأنصابِ
° ولله درُّ القائل فيه:
فهو الذي تمَّ معناهُ وصورتُه … ثم اصطفاه خليلًا بارئُ النَّسمِ
لكأنما خَرَجت هذه النَفْسُ مِن صِيغةٍ كصيغةِ الدُّرة في محارتها،
_________________
(١) رواه مسلم وأبو داود -واللفظ له- عن ابن عباس.
[ ١ / ٣٦ ]
أو تركيب كتركيب الماسِ في مَنْجَمِه، أوْ صفةٍ كصفةِ الذهب في عِرْقه.
* سبحان من رفع قَدْرَ رسولِ الله - ﷺ - فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]:
° "هو رحمةٌ للإنسان، إذ عَلَّمه الرحمن، وسَكَب في قلبه نورَ الإيمان، ودَلَّه على طريق الجِنان.
- هو رحمةٌ للشيخ الكبير، إذ سهَّل له العبادة، وأرشده لحُسنِ الخاتمة، وأيقظه لتدارُكِ العمرِ واغتنامِ بقية الأيام.
- هو رحمةٌ للشاب، إذ هداه إلى أجملِ أعمالِ الفُتُوَّة وأكملِ خِصال الصِّبا، فوجَّه طاقتَه لأنبلِ السجايا وأجلِّ الأخلاق.
- وهو رحمةٌ للطفل، إذ سقاه مع لَبَنِ أُمِّه دِينَ الفطرة، وأسمعه ساعةَ المَولِدِ أذانَ التوحيد، وألبَسَه في عهدِ الطفولة حُلَّةَ الإِيمان.
- وهو رحمةٌ للمرأة، إذْ أنصفَها في عالَم الظلم، وحَفِظ حقَّها في دنيا الجَوْر، وصان جانبَها في مهرجانِ الحياة، وحَفِقالها عفافَها وشَرَفها ومُستقبلها، فعاش أبًا للمرأة وزوجًا وأخًا ومُربيًا.
- وهو رحمةٌ للوُلاة والحُكَّام، إذْ وضع لهم ميزانَ العدالة، وحَذَّرهم من مَتَالِفِ الجَور والتعسُّف، وحَدَّ لهم حدودَ التبجيل والاحترام والطاعة في طاعةِ الله ورسوله.
- وهو رحمةٌ للرعِيَّة، إذْ وقف مدافعًا عن حقوقها، مُحرِّمًا الحيفَ، ناهيًا عن السَّلب والنَّهْب والسَّفك والابتزاز والاضطهاد والاستبداد" (^١).
_________________
(١) "محمد - ﷺ - كأنك تراه" لعائض القرني (ص ١٠٦ - ١٠٧) - طبع دار ابن حزم.
[ ١ / ٣٧ ]
* وزَكَّى الله خُلُقَه فقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾:
° "عظيمُ الأخلاق، كريمُ السجايا، مُهَذَّب الطِّباع، نقيُّ الفِطرَة، جَمُّ الحياء، حَيُّ العاطفة، جميلُ السِّيرة، طاهرُ السريرة، أُلبس إِهابَ الهَيبة، وتُوِّج تاجَ السِّيادة، وضُمِّخ بأذكى خَلوقٍ أذكى الأخلاق، وأُحِلَّ دارَ المُدَاراة، وأُعطِيَ لقطع مفازة الدنيا جَوادَ الجُودِ، فهو هلالُ شهرِ الكمال، وأميرُ جيشَ الجود، ورُوحُ جُثمانِ الكون، وحشاشةُ نفسِ الملكة" (^١).
° "أُجْلِس على صفحةِ الصَّفح، ولُقِمَ لُقَمَ لقمان الحكيم، ووُضِعت له أكوابُ التواضع، وأُديرت عليه كؤوسُ الكَيْس، مُتضمِّنةً حلاوةَ الحِلم، خِتامُها مِسْكُ النُّسك، نُووِلَ قلمَ العِزِّ، فوقَّع على صحائفِ الكَدِّ، "كلُّ عملٍ ليس عليه أمرُنا فهو رَد".
كان يعودُ المريض، ويُجيب دعوةَ المملوك، ويجلسُ على الأرض، ويَلبَسُ الخشِن، ويأكلُ البشع، ويَبيتُ اللياليَ طاويًا، يتقلبُ في قفرِ الفقر، ولسانُ الحال يناديه: يا محمد، نحن نَضِنُّ بك عن الدنيا، لا بها عنك" (^٢).
أُشرِبت نفسُه عِلمَ اليقين وعَينَه وحقَّه.
* ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾:
° "إنك قِمَّةُ الفضائل، ومَنبعُ الجُود، ومَطْلَعُ الخير، وغايةُ الإحسان.
يَظلِمونك فتَصْبِر، يُؤذونك فتَغفر، يَشتمونك فتحلُم، يَسبُّونك فتعفو، يجفونك فتصفح.
_________________
(١) "مقامات ابن الجوزي" لابن الجوزي (ص ٤٨) - دار فوزي للطباعة.
(٢) "المدهش" لابن الجوزي (ص ١١٧ - ١١٨) - دار مروان للطباعة.
[ ١ / ٣٨ ]
يُحبُّك المَلِكُ والمملوكِ، والصغيرُ والكبير، والرجلُ والمرأة، والغَنِيُّ والفقير، والقَريبُ والبعيد؛ لأنك مَلَكْتَ القلوب بعطفك، وأسَرْتَ الأرواح بفضلك، وطَوَّقتَ الأعناقَ بكرمك.
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .. هذبك الوحيُ، وعَلَّمك جبريل، وهداك ربُّك، وصاحَبَتْك العناية، ورافقتك الرعاية، وحالفك التوفيق.
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .. البسمةُ على مُحَيَّاك، البِشْرُ على طَلْعتك، النورُ على جَبينك، الحبُّ في قلبك، الجُودُ في يَدِك، البركةُ فيك، الفوزُ معك ..
مَن زار بابكَ لم تبرح جوارحُهُ … تروي أحاديثَ ما أَوْليتَ مِن مِنَنِ
فالعينُ عَن قُرَّةٍ والكَفُّ عَن صِلَةٍ … والقلبُ عن جابرٍ والسمعُ عن حسنِ
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .. لا تكذبُ ولو أن السيفَ على رأسك، ولا تخونُ ولو حُزْتَ الدنيا، ولا تَغْدِر ولوْ أُعطِيتَ المُلْك؛ لأنك نبيٌّ معصوم، وإمام قُدْوة، وأُسوة حسنة.
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .. صادقٌ ولو قابَلَتْك المنايا، شُجاع ولو قاتلتَ الأُسُود، وجَوَاد ولو سُئلت كل ما تملِك، فأنتَ المِثالُ الراقي والرمزُ السامي.
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .. سَبَقْتَ العالَمَ ديانةً وأمانة وصيانةً ورزانةً، وتفوَّقْتَ على الكُلِّ عِلمًا وحِلْمًا وكرمًا ونبلًا وشجاعةً وتضحيةً" (^١).
_________________
(١) "محمد كأنك تراه" (ص ٦٥ - ٦٧).
[ ١ / ٣٩ ]
إذا ذُكِرتَ ذُكِرَتْ معك الفضيلةُ في أجمل صورها، وذُكِر معك الطُّهْرُ في أرقى مشاهِدِه، وذُكِر معك العدلُ في أسمى معانيه.
كُتِب اسمُك بحروفٍ من نور في قلوبِ الموحِّدين .. فلو شَقَقْتَ كُل قلبٍ لرأيتَك محفورًا في النِّياط، مكتوبًا في السُّوَيداء، مرسومًا في العُروق ..
واللهِ لو شُقَّ قلبي في الهوَى قِطعًا … وأبصر اللَّحْظُ رسمًا في سُوَيْداهُ
لكنتَ أنت الذي في لوحه كُتبَتْ … ذكرَاه أو رُسمَتْ بالحُبِّ سيماهُ
أنت صاحبُ الغُرَّةَ والتبجيل، المذَكورُ في الَتوراةِ والإنجيل، المؤيد بجبريل .. بَشَّرَت بك الرُّسُل، وأخبَرَتْ بك الكُتُبُ، وحَفَلت باسمك التواريخُ، وتشَرَّفت بك النوادي، وعَمَّ ذِكرُك الحواضرَ والبوادي، وتضوَّعت بذِكرك المجامع، وصَدَحتْ بذكراك المنائر، ولَجْلَجَتْ بحديثك المنابر.
عُصمتَ من الضلالة والغواية، ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]، وحُفِظت من الهوى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣].
كلامُك شريعة، ولفظُك دِين، وسُنَّتك وَحْيٌ، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤].
سجاياك طاهرة، وطَبيعتُك فاضلة، وخِلالُك جميلة، وخِصالُك نبيلة، ومواقفُك جليلة، ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩].
ليِّن الجانب، سَهْلُ الخليقة، يسيرُ الطيع، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
ظاهرُ العِناية، ملحوظٌ بعينِ الرعاية، منصورُ الراية، مُوَفَقٌ محظوظ، مُظفَّرٌ مفتوحٌ عليه ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١].
[ ١ / ٤٠ ]
أصلح الله لك قلبَك، وأنار لك دَرْبَك، وغَفَر لك ذَنْبَك ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢].
° لا يقال لغيرك هذا الشِّعر:
الشمسُ من حُسَّادِه والنصرُ من … قرنائِهِ والحمدُ من أسمائِهِ
أين الثلاثةُ من ثلاثِ خِلالِه … مِن حُسنِهِ وإِبائِه ومَضائِه
مَضتِ الدُّهورُ وما أتَيْنَ بمثله … ولقد أتى فعَجِزْنَ عن نُظرائِهِ