جاء في سفر أشعيا في الإصحاح الثاني والأربعين:
٩- وأنا مخبر أيضا بأحداث قبل أن تحدث، وأسمعكم إياها.
١٠- سبحوا للرب تسبيحة جديدة، تسبيحة من أقاصي الأرض، راكبين في البحر وملوه، والجزائر وسكانها.
١١- لترفع البرية ومدنها صوتها في البيوت التي سنها قيدار، سبحوا يا سكان الكهف، من رؤوس الجبال يصيحون. وفي بعض النسخ: يا سكان سالع.
١٣- الرب كجبار، يخرج مثل رجل مقاتل، يهوش الغير، يصوت ويصيح على أعدائه، يتقوى.
ولنحلل الآن هذا النص:
بعد أن أخبر أشعيا ﵇ قومه عن أمور قد أتت، نبّههم إلى أنه سيخبرهم عن أمور تحدث في المستقبل. والمراد بالتسبيحة الجديدة. العبادة على النهج الجديد
الذي ستأتي بها الشريعة المحمدية، ليس غير. وتعميمها على سكان أقاصي الأرض وأهل الجزائر والمدن والبراري: إشارة
[ ٦٧ ]
إلى عموم رسالته ﷺ ولفظ"قيدار"أقوى إشارة إليه ﷺ لأنه ﵊ من أولاد قيدار بن إسماعيل، كما هو معروف. والبرية التي سكنها قيدار هي الجزيرة العربية، وكانت مساكن أولاد إسماعيل.
وقوله:"في رؤوس الجبال يصيحون"إشارة إلى العبادة المخصوصة التي تؤدى في الحج والعمرة، حيث يرفع الآلاف بل الملايين من الناس أصواتهم بالتلبية والتكبير والدعاء."لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك".
ومن المعلوم أنه تسن التلبية كلما صعدوا مرتفعا، أو هبطوا واديا، أو التقوا بركب آخر، أو انعطفوا في طريقهم. ويستحب رفع الصوت في ذلك من غير إفراط. ومن المعلوم أيضا أن الحجاج يقفون في عرفة، ويبيتون منى ليالي وأياما، ومنى كلها جبال ووديان.
وفي الجملة العاشرة:"من أقاصي الأرض راكبين في البحر وملؤه، والجزائر وسكانها"وهي إشارة إلى مجيء الحجاج والمعتمرين من كل مكان مهما بعد. كما هي الحال الآن حيث يأتي المسلمون من كل مكان لأداء الحج أو العمرة برا وبحرا وجوا.
[ ٦٨ ]
قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ سورة الحج ٢٧.
أما ما ورد في بعض النسخ"يا سكان سالع" فهي إشارة إلى الأنصار الذين هاجر إليهم رسول الله ﷺ في المدينة المنورة فاستقبلوه ونصروه. لأن سالع، هو جبل شفع فتح السين وسكون اللام الذي يقع قرب المسجد النبوي من الجانب الغربي للمدينة المنورة، يمر بأحد جانبيه شارع السيح، وبالآخر شارع سلطانة.
فهذه الصفات إنما تنطبق على محمد ﷺ وأمته، فهم الذين يكبرون الله بأصوات مرتفعة في آذانهم للصلوات الخمس وعلى الأماكن المرتفعة.
عن جابر بن عبد الله ﵁ قال:"كنا مع رسول الله ﷺ إذ علونا كبرنا، وإذا هبطنا سبحنا، فوضعت الصلاة على ذلك". وواه أبو داود وغيره.
وهم أيضا يكبرون الله بأصوات عالية مرتفعة في عيديهم الفطر والنحر في الصلاة والخطبة وفي أيام منى يكبر الحجاج وسائر أهل الأمصار عقيب الصلاة، كما يكبرون على هديهم وأضاحيهم، وليس هذا لأحد من الأمم عير المسلمين. وقوله: "كجبار يخرج مثل رجل مقاتل يصوت ويصيح على أعدائه يتقوى"، يشير إلى مضمون الجهاد إشارة
[ ٦٩ ]
حسنة، فجهاد هذا النبي المنتظر، وجهاد من تبعه يكون خالصا لله وبأمره لإعلاء كلمته خاليا من أي غرض دنيوي، ومن حظوظ النفس وهواها. كما يشير إلى التكبير عند بدء القتال وبعده. وهكذا كان الصحابة ﵃ يقاتلون لله، فهم جند الله، يقاتل الله بهم أعداءه ويؤيدهم بنصره. وكذلك من تبعهم بإحسان. ويكبرون عند لقاء عدوهم. وقد اشتهروا بذلك.
ولفظ:"الجبار"يشير إلى قوته وقهره للأعداء، ومحمد ﷺ نبي الرحمة ونبي الملحمة. كما قال سبحانه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّار﴾ ١.
وهذا قليل من كثير، وغيض من فيض مما في تلك الأسفار من البشارات بالنبي المنتظر الذي هو من ولد إسماعيل ﵇ بالرغم مما اعتورها من التحريف القصدي وغير القصدي.
_________________
(١) ١ قصص الأنبياء للنجار ص ٣٩٧-٣٩٨، إظهار الحق ٢/٢٦١-٢٦٢، محمد رسول الله لبشرى ص ٧٧، المسيح ابن مريم لعبد الحميد جودة السحار، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح.
[ ٧٠ ]
قال عبد الوهاب النجار في كتابه قصص الأنبياء:"وقد بشر اليهود بمحمد ﷺ أنبياءء كثيرون، منهم:
- داود في المزامير ٤٥-١١٠-١٤٩.
- أشعيا في الإصحاحات ٨-٩-٢٦-٣٥-٤٢-٤٣-٥٠-٥١-٥٢-٥٤-٥٥-٦٠-٦٥.
دانيال في الإصحاح ٢-٧
حبقوق في الإصحاح ٣.
زكريا في الإصحاح ٣.
ملاخي في الإصحاح ٣.
[ ٧١ ]