جاء في سفر التثنية في الإصحاح الثالث والثلاثين ما يلي:
جاء الرب من سيناء، وأشرق لنا من ساعير، واستعلن وفي بعض النسخ: واستعلى من جبل فاران، ومعه ألوف الأطهار.
فمجيئه من طور سيناء: إنزاله التوراة على موسى ﵇ وقد كلمه ربه في جبل الطور، حينما ناداه من واديه الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة، وهذا الأمر متفق عليه.
وإشراقه من ساعير: إنزاله الإنجيل على عيسى ﵇ وساعير جبل ببلاد الشام بجانب بيت لحم، وهي القرية التي ولد فيها السيد المسيح ﵇ وبعضهم يطلق على أرض الجليل التي فيها مدينة الناصرة، ساعير، ويسمى جبالها جبال ساعير١.
واستعلانه أو علوه من جبل فاران: إنزاله القرآن على محمد عياله ﷺ، وفاران أحد الجبال المحيطة بمكة، وهو الذي فيه
_________________
(١) ١ ورد في التوراة أن نسل العيص كانوا سكانا بساعير، وأمر الله موسى أن لا يؤذيهم.
[ ٤٩ ]
غار حراء، حيث نزل الوحي على رسول الله ﷺ أول مرة. وليس حول مكة جبل أعلى منه، وحوله جبال كثيرة.
وليس هناك خلاف بين المسلمين وبين أهل الكتاب في أن فاران هي مكة.
جاء في سفر التكوين في الباب الحادي والعشرين في حال إسماعيل ﵇ ما يلي:
٢٥- وكان الله معه، ونما وسكن في البرية، وصار شابا يرمي السهام.
٢١- وسكن برية فاران، وأخذت له أمه امرأة مصر.
ولا شك أن إسماعيل هو جد النبي ﷺ وأن سكناه كانت بمكة بواد غير ذي زرع. وذلك المكان يسمى برية فاران إلى اليوم.
وقد اعترف اليهود بأن الوحي هو المراد في طور سيناء، فلابد أن يكون الأمر كذلك في ساعير وفاران. ولم ينزل بعد المسيح ﵇ كتاب في برية فاران أو جبالها إلا على محمد بن عبد الله ﷺ فعلم أن المراد من استعلانه بفاران إرسال محمد ﷺ وظهوره.
فيكون الله سبحانه ذكر الجبال الثلاثة حقا، وذكر الكتب المنزلة على الترتيب الزماني، فذكر إنزال التوراة ثم الإنجيل ثم
[ ٥٠ ]
القرآن. كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ. مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ سورة اهـ عمران.
وتلك الأماكن الثلاثة أقسم الله بها في القرآن حيث قال تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، وَطُورِ سِينِينَ. وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ. لَقَدْ خَلَقْنَا الأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ سورة التين.
فأقسم سبحانه بالتين والزيتون، والمراد الأرض المقدسة التي نبت فيها ذلك، ومنها بعث المسيح وأنزل عليه الإنجيل. وأقسم بطور سينين وهو الجبل الذي كلم الله فيه موسى وناداه من شاطيء الوادي الأيمن.
وأقسم بالبلد الأمين، مكة، وهو البلد الذي أسكن فيه إبراهيم ابنه إسماعيل وأمة هاجر.
قال الشهرستاني في الملل والنحل:"ولما كانت الأسرار الإلهية والأنوار الربانية في الوحي والتنزيل على مراتب ثلاث: مبدأ ووسط وكمال، والمجيء أشبه بالمبدأ، والظهور أشبه بالوسط، والإعلان أشبه بالكمال، عبرت التوراة عن طلوع صبح الشريعة والتنزيل بالمجيء من طور سيناء، وعن طلوع
[ ٥١ ]
الشمس بالظهور على ساعير، وعن البلوغ إلى درجة الكمال بالاستواء والإعلان على فاران اهـ١.
واليهود بأسرهم مجمعون على أن في التوراة بشارة بواحد بعد موسى ﵊ وإنما يفترقون في تعيين ذلك الواحد أو في الزيادة عليه. ولذلك هاجر قسم كبير منهم من أوطانهم ببلاد الشام إلى تلك البقاع في الجزيرة العربية، وأقاموا القلاع والحصون في الأرض الواقعة بين حرتين، وفيها نخل، فإنها دار هجرة رسول الله المنتظر، نبي آخر الزمان، لنصرته إذا ظهر. فلما ظهر، وأعلن الحق بفاران، وهاجر إلى دار هجرته هجروه وتركوا نصرته.
قال ابن إسحاق:"وحدثني عاصم بن عمرو بن قتادة عن رجال من قومه: قال: إن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله وهداه لنا، لما كنا نسمع من رجال يهود، كنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس عندنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاب وإرم. فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم. فلما بعث الله رسوله
_________________
(١) ١ إظهار الحق ٢/٢٥٠، الملل والنحل ١/٢١٣، محمد رسول الله لبشرى، الجواب الصحيح لابن تيمية.
[ ٥٢ ]
ﷺ أجبناه حين دعانا إلى الله وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه، فآمنا به وكفروا به وكذبوه، ففينا وفيهم نزلت هولاء الآيات من سورة البقرة: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، ٨٩.
وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾،البقرة: ١٤٦.
[ ٥٣ ]