جاء في إنجيل متى الإصحاح الثالث:
١- وفي تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان أي يحي يكرز في برية اليهودية.
٢- قائلا: توبوا إلى الله، لأنه قد اقترب ملكوت السماوات.
وفي الإصحاح الرابع:
١٢- ولما علم يسوع أن يوحنا أسلم انصرف إلى الجليل.
١٧- ومن ذلك الزمان ابتدأ يسوع يكرز ويقول: توبوا إلى الله، لأنه قد اقترب ملكوت السماوات.
٢٣- وكان يسوع يطوف كل الجليل، ويعلم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت.
وفي الإصحاح السادس في بيان الصلاة التي علمها المسيح لتلاميذه وفيها:"ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك".
وفي الإصحاح العاشر: ولما أرسل الحواريين إلى البلاد الإسرائيلية للدعوة والوعظ وصاهم بوصايا، منها هذه الوصية: وفيما أنتم ذاهبون أكرزوا قائلين: إنه قد اقترب ملكوت السماوات.
[ ٩٢ ]
وجاء في إنجيل لوقا الإصحاح التاسع:
٢- وأرسلهم أي التلاميذ ليكرزوا بملكوت الله.
وفي الإصحاح العاشر:
٨- وأية مدينة دخلتموها وقبلوكم، فكلوا مما يقدم لكم.
٩- واشفوا المرضى الذين فيها، وقولوا لهم: قد اقترب منكم ملكوت الله.
فظهر أن كلا من يحي وعيسى والحواريين بشر باقتراب ملكوت الله أو ملكوت السماوات.
والنصارى يحملون ذلك على أنه طريقة النجاة التي ظهرت بشريعة عيسى، وشيوع الديانة النصرانية في جميع أنحاء العالم.
وهذا غير صحيح لأنه خلاف الظاهر من نصوصهم:
أ- فعيسى بشر بالألفاظ التي بشربها يحي. فعلم أن الملكوت كما لم يظهر في عهد يحي، كذلك لم يظهر في عهد عيسى ﵇ ولا في عهد الحواريين. بل كل منهم فبشربه مخبر عن فضله مترج لمجيئه. فلا يكون المراد بملكوت السماوات طريقة النجاة التي ظهرت بشريعة عيسى، وإلا لما قال عيسى والحواريون وخيرهم. إن ملكوت السماوات قد اقترب. بل كانوا يقولون: قد ظهر وابتدأ. ولما كان علم التلاميذ أن يقولوا في الصلاة: وليأت ملكوتك. ولا يزال النصارى حتى
[ ٩٣ ]
الآن يرددونها، وبخاصة قبل الطعام. ولو كان الأمر كما يقولون لعدلوا عن ذلك إلى الشكر.
ب- إن لفظ ملكوت السماوات يدل على أن هذا الملكوت يكون في صورة القوة والجهاد والحكم، لا في صورة المسكنة، وأن مبنى قوانينه لابد أن يكون كتابا سماويا، لا حكما علمانيا تبعد عنه الكنيسة.
فالصحيح أن ملكوت السماوات الذي بشربه يحي وعيسى والحواريون هو طريقة النجاة التي ظهرت بشريعة محمد ﷺ لأن كل هذه الأمور تصدق على الشريعة المحمدية، ولا تنطبق إلا عليها.
وليس المراد بذلك شيوع الديانة النصرانية في جميع أنحاء العالم كما يدعون، لأن ذلك ترده النصوص والتشبيهات التي وردت في أناجيلهم ومنها ما يلي:
جاء في إنجيل متى الإصحاح الثالث عشر:
- يشبه ملكوت السماوات إنسانا زرع زرعا جيدا في حقله.
٣١- ثم قدم لهم مثلا آخر قائلا: يشبه ملكوت السماوات حبة خردل أخذها إنسان وزرعها في حقله.
٣٢- وهي أصغر جميع البذور، ولكن متى نمت، فهي أكبر البقول، وتصير شجرة، حتى إن طيور السماء تأتي وتأوي إلى أغصانها.
[ ٩٤ ]
فشبه ملكوت السماوات بإنسان زارع زرع زرعا لا بنمو الزراعة وحصادها.
وجاء في الإصحاح الحادي والعشرين بعد بيان التمثيل:
لذلك أقول لكم: إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تحمل أثماره.
وهذا القول يدل على أن المراد بملكوت السماوات طريقة النجاة نفسها، لا شيوعها وانتشارها في جميع أنحاء العالم، وإلا لما كان هناك معنى لنزع شيوعها من قوم وإعطائها لآخرين. فهذا كله يرد تأويلهم، ويثبت البشارة بطريقة النجاة بشريعة محمد ﷺ.
قال سبحانه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ ١.
وعلى العموم فإن خير من قام بشرح معظم هذه البشارات، والاستدلال على صحة انطباقها على محمد بن
_________________
(١) ١ إظهار الحق ٢/٢٧١-٢٧٣.
[ ٩٥ ]
عبد الله صحة وخير من قام بالرد على التأويلات التعسفية والاعتراضات التي أثيرت حول انطباقها على مجيء رسول الله ﷺ هو العلامة الهندي رحمة الله بن خليل في كتابه إظهار الحق١.
وقد ذكر بشرى زخاري ميخائيل في كتابه"محمد رسول الله هكذا بشرت الأناجيل"أنه قد اكتشفت فوق هضبة بجوار البحر الميت منذ عدة سنوات مخطوطات قديمة، تصحح الفكرة السائدة عن ألوهية المسيح. وقد وجدت في أوان فخارية قديمة. وقد اتضح بعد الدراسات والتحاليل أنها جزء من مكتوبات الإبسينيين القدماء.
وقد أثارت هذه المخطوطات ثائرة العلماء ورجال الدين في جميع عواصم العالم.
ومما تقرره هذه المخطوطات أن المسيح ﵇ كان مسيّا المسيحيين، وأن هناك مسيّا آخر.
وقد يكون المقصود بالمسيّا الثاني هو نفسه أي المسيح عند عودته بالروح، أو أن يكون المقصود به ظهور محمد بن عبد الله ﷺ لأنه كان يتكلم للحق منصفا روح المسيح ومدافعا عنه وعن العقيدة الأصلية التي جاء بها اهـ
_________________
(١) ١ انظر إظهار الحق مطبعة الرسالة ٢/ ٢٣٩-٢٩٧، وانظر الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، لابن تيمية.
[ ٩٦ ]
هذا، وعلى فرض أن هناك فقرات ليس المقصود بها البشارة برسول الله صلى اله عليه وسلم فإنه مما لا يحتمل الشك أن هناك فقرات كثيرة واضحة لا تحتاج إلى تأويل في أن القادم من نسل إسماعيل هو النبي المنتظر الذي بشر به موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام بل لا تحتمل غير ذلك.
[ ٩٧ ]