بشارات عيسى بمحمد ﷺ:
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ سورة الصف ٦.
لم تزل الأنبياء تبشر برسول الله ﷺ وتصفه لأممها في الكتب، وتأمرهم باتباعه ونصره ومؤازرته إذا بعث.
قال ابن عباس ﵄ ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه العهد، لئن بعث محمد ﷺ وهو حي ليتبعنه، وأخذ عليه أن يأخذ على أمته، لئن بعث محمد ﷺ وهم أحياء ليتبعنه وينصرنه. وكان أول ما اشتهر الأمر في أهل الأرض على لسان إبراهيم الخليل والد الأنبياء بعده عليهم الصلاة والسلام حين دعا لأهل مكة أن يبعث الله فيهم رسولا منهم، ثم على لسان عيسى ابن مريم ﵊.
عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك. قال: "دعوة إبراهيم، وبشرى عيسي عليهما الصلاة والسلام ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصوربصرى من أرض
[ ٧٢ ]
الشام" رواه ابن إسحاق بسنده، قال ابن كثير: إسناده جيد وله شواهد اهـ وروى أحمد نحوه.
فمن الأغراض التي جاء عيسى ابن مريم لتقريرها البشارة باقتراب ملكوت السماوات والأرض، أي الشريعة الإلهية التي يرسل الله بها النبي الأمي كما سيأتي إن شاء الله ولذلك خاطب بني إسرائيل قائلا: إني رسول الله إليكم، وقد بشرت التوراة بي، وأنا مصداق ما أخبرت عنه، وأنا أبشركم بمن بعدي، ألا وهو الرسول النبي الأمي العربي المكي أحمد.."فعيسى خاتم أنبياءء بنى إسرائيل، وقد أقام في ملئهم
مبشرآ بمحمد، وهوأحمد خاتم الأنبياء والمرسلين الذي لا رسالة بعده ولا نبوة. فلما جاء أحمد المبشر به في الأعصار المتقادمة اتهموه بالسحر وغيره.
وكان المسيح عيسى ﵇ يعبر عن المبشر به بلفظ النبي، وبلفظ مسيا١، وبلفظ أحمد فارقليط كما سنرى ذلك في البشارات التالية:
_________________
(١) ١ مسيا: كلمة آرامية تعني رسول. والمسيح: كلمة عربية معناها الملك أو النبي، وهو لقب لابن مريم، أما عيسى فاسم العلم له، وبالعبرية يشوع أي المخلص، لتخليصه لكثير من الناس من آثامهم وضلالهم. انظر قصص الأنبياء للنجار ص ٣٧٦ و٣٩٧-٣٩٨.
[ ٧٣ ]
البشارة الأولى:
جاء في إنجيل يوحنا الإصحاح الرابع عشر قول المسيح ﵇ لأتباعه:
١٥- إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي.
١٦- وأنا أطلب من الأب أي الله فيعطيكم"فارقليط"آخر، ليثبت معكم إلى الأبد.
٢٦- وأما الفارقليط روح القدس الذي سيرسله الأب باسمي، فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم بكل ما قلته لكم.
٢٩- والآن قد قلت لكم قبل أن يكون، حتى إذا كان تؤمنون.
وفي الإصحاح الخامس عشر:
٢٦- ومتى جاء الفارقليط الذي أرسله إليكم من الأب، روح الحق الذي ينبثق من الأب، فهو يشهد لي.
٢٧- وأنتم أيضا تشهدون، لأنكم معي من الابتداء.
وفي الإصحاح السادس عشر:
٧- لكني أقول لكم الحق، إنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق، لا يأتيكم الفارقليط، فأما إن انطلقت، فإني أرسله إليكم.
٨- ومتى جاء، فهو يوبخ العالم وفي بعض النسخ
[ ٧٤ ]
يبكت العالم على خطيئته، وعلى بر وعلى دينونة.
١٢- وعندي أيضا أشياء كثيرة أقولها لكم، غير أنكم لا تطيقون حملها الآن.
١٣- ولكن متى جاء هو روح الحق فإنه يعلمكم الحق، لأنه لا يتكلم من عند نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به، بركم بأمور آتية.
١٤- إنه سيمجدني، لأنه يأخذ ممالي بركم.
إن المسيح ﵇ لفت انتباه السامعين إلى أن ما سيلقيه عليهم ضروري وهام واجب الحفظ والرعاية، فشوقهم إلى ذلك بقوله: إن كنتم (تحبونني) فاحفظوا (وصاياي) . وذلك لما علم بالتجربة وبنور النبوة أن الكثيرين من بني إسرائيل ينكرون النبي المبشر به، فأكد ذلك بتلك الفقرة، ثم أخبر بمجيئه:"وأنا أطلب من الله فيعطيكم فارقليط آخر. ولنبحث الآن عن معنى كلمة"فارقليط"ثم لنحلل النص:
تهرب النصارى من حقيقة هذه الكلمة:
في الأناجيل المترجمة إلى العربية المطبوعة في لندن في السنوات ١٨٢١- ١٨٣١ ١٨٤٤م ورد لفظ الفارقليط، كما أثبته في الأعلى.
وفي كتاب العهد الجديد الصادر عن جمعيات الكتاب المقدس في الشرق الأدنى عام ١٩٦٣ م ورد بدلا من فارقليط
[ ٧٥ ]
لفظ"المعزّي"وهو اسم فاعل مشتق من العزاء بمعنى الصبر وتخفيف المصاب ونحو ذلك.
وفي كتاب العهد الجديد الصادر عن المطبعة البولسية في حريصا بلبنان عام ١٩٦٤ م والذي يذكرون في مقدمته أنه نقله عن اليونانية وعلق عليه القس جورج فاخوري، وقدمه إلى البطريرك مكسيموس الرابع. وجدتُ فيه كلمة"المحامي"بدلا من الفارقليط، وبدلا من المعزّي. ويعلق القس على ذلك فيقول في الحاشية: وهذا المحامي المعزّي الذي يقيم في الكنيسة إلى الأبد، ويكون شبه روح لها، هو الروح القدس، الأقنوم الثالث من الثالوث الأقدس اهـ.
ولا نريد الآن أن نخوض في معنى الأقانيم وتكونها وتميزها عن بعضها. فإن ابن تيمية ﵀ يقول في كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح:"سألت أكثر من عشرين قسيسا عن معنى الأقانيم؟ فأجابوني بأكثر من عشرين جوابا"١.
_________________
(١) ١ مما تعلمه الكنيسة للطلاب النصارى في كتاب الديانة المسيحية الذي يدرس في المرحلة الثانوية في سورية، في السبعينيات من السنوات الميلادية ما يلي: نؤمن بإله واحد رب واحد، مكون من ثلاثة أقانيم، كل أقنوم إله مستقل له إرادة متميزة أهـ وهذا وربي في الحساب بديع. وسألت بعض من يتحرش بالمسلمين، ويتصدى للتبشير بينهم: كيف يكون المسيح ﵇ إلها أو ربا، وقد ولدته مريم؟؟ فأين كان قبل أن يولد؟ فأجاب: إنما ولدت الناسوت واتحد باللاهوت، فصار الأقنوتم الثاني. فعرجت على بعض صفات الله سبحانه ولكن من المعروف عند المحققين من المترجمين أن الكلمة قائلا: ألا تقر معي بأن الإله يجب أن يكون متصفا بكل كمال منزها عن كل نقصان؟ فقال: بلى. قلت: إذا كان المسيح إلها أو ربا، فكيف يخرج من مكان ضيق قذر، ونحن نعلم أن الناس تعظ المتكبر فتقول له. انظر مم خلقت، ومن أين خرجت. فالولادة انتقاص ينزه الإله عنها. فكرر قوله: إنما ولدت الناسوت دون اللاهوت. قلت: فهل تعني أن المسيح ولد ميتا بدون روحه"اللاهوت"، ثم جرى الاتحاد بينهما؟ فبهت الذي كفر. وعلى كل من شاء زيادة في هذا المضمار فليراجع كتاب الله واحد أم ثالوث لمحمد مجدي مرجان.
[ ٧٦ ]
ولكن من المعروف عند المحققين من المترجمين أن الكلمة في أي لسان من الألسن لها معنى حرفي ولها جو. وعلى المترجم أن ينتبه إلى كليهما عند الترجمة، وإلا وقع في خطأ جسيم. ولا أدري أي المعنيين راعى القس جورج، وهو يترجم أقدس كتاب عندهم، ثم أقره عليه البطريرك. وإذا كانوا يترجمون الأناجيل بلغة العصر، فإن كلمة محامي تعني في لبنان وسورية وسائر البلاد العربية ذلك الرجل الذي درس القانون في كلية الحقوق، ثم تمرن عند محام قديم، بعد أن سجل اسمه لدى النقابة، ثم أصبح يدافع عن أي شخص يدفع له أجرا سواء أكان على حق أم لا، إلا من رحم ربك، فإن تعجب فعجب قولهم إنه محامي.
وعلى كل حال يرى النصارى أن الفارقليط أو المعزي أو المحامي هو الروح القدس، الأقنوم الثالث الذي وعد المسيح ويقيم معهم في الكنيسة إلى الأبد
[ ٧٧ ]
ويكون شبهَ روح لها. ولنبحث الآن عن أصل الكلمة ومعناها:
يقول العلامة رحمة الله بن خليل الهندي: إن من عادة أهل الكتاب أن يترجموا الأسماء، ولا يبقوها على لفظها. وعيسى ﵇ كان يتكلم الآرامية المشتقة من العبرية، واللفظ العبري مفقود. إذا لم يبق شك في أن يوحنا ترجم اسم المبشر به إلى اليونانية، حسب عادتهم. ثم إن المترجمين إلى العربية عربوا اللفظ اليوناني بـ"فارقليط".
ثم يذكر ﵀ أنه قد وجد رسالة صغيرة باللغة الأردية لبعض القسس طبعت في كلكتا، يدعي مؤلفها أنه يحقق في لفظ فارقليط. وملخص كلامه: أن هذا معرب من اليوناني وأن الصحيح فيه"paraclete""باراكليمت"وهو بمعنى المعزي والمعين والوكيل والشافع. ويدعي بأن علماء المسلمين التبس الأمر عليهم، ففهموا أن اللفظ في الأصل،"paraclyte""بيراكلوت"ومعناه قريب من محمد أو أحمد. فقالوا: إن عيسى بشر بمحمد عليهما الصلاة والسلام.
ويرد الشيخ ﵀ على ذلك فيقول: إن التفاوت بين اللفظين يسير جدا، فإن الحروف اليونانية كانت متشابهة، فتبديل بيراكلوت بباراكليت قريب القياس، ثم رجح أهل
[ ٧٨ ]
التثليث هذه النسخة أي التي فيها"باراكليت"على النسخ الأخرى أي التي فيها"بيراكلوت"ومثل هذا الأمر منهم ليس ببعيد اهـ. وعلى كل إن كانت الكلمة في الأصل"بيراكلوت"بمعنى محمد أو أحمد أو محمود، فإن عيسى ﵇ قد بشر بمحمد ﷺ صراحة، كما هو الحال في إنجيل برنابا، وكما هو صريح الآية في القرآن ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ وإن سلمنا أنها كانت"باراكليت"بمعنى المعزي والمعين والوكيل والشافع، فإن عيسى ﵇ قد كنى عن رسول الله محمد ﷺ لأن هذه المعاني كلها تصدق عليه. ذكر الشيخ عبد الوهاب النجار في كتابه قصص الأنبياء
أنه كان في سنة ١٨٩٤م طالبا في دار العلوم، وكان يجلس بجانبه في درس اللغة العربية العلامة الكبير الدكتور كارلونلينو المستشرق الإيطالي، وكان يحضر اللغة العربية بتوصية من الحكومة الإيطالية، فانعقدت بينهما أواصر الصحبة المتينة. يقول: وفي ليلة السابع والعشرين من شهر رجب سنة ١٣١١هـ خرجنا بعد المحاضرة وسرنا ثم قلت له: ما معنى"بيراكلوتس"؟ فأجابني بقوله: القسس يقولون معناها المعزي. قلت: إني أسأل الدكتور كارلونلينو الحاصل على الدكتوراة في آداب اللغة اليونانية القديمة ولست أسأل قسا. فقال: إن معناها: الذي له حمد كثير. فقلت: هل يوافق ذلك أفعل التفضيل من فعل حمد؟ فقال: نعم. فقلت: إن
[ ٧٩ ]
رسول الله ﷺ من أسمائه أحمد. فقال: يا أخي أنت تحفظ كثيرا. ثم افترقنا. وقد ازددت بذلك تثبتا في معنى قوله تعالى، حكاية عن المسيح ﵇: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ .
وذكر عبد الحميد جودة السحار في كتابه المسيح ابن مريم أن"فارقليط"لفظة يونانية ترجمتها جمعية التوراة الأمريكية بالمعزي، وترجمها المسلمون بأحمد، ثم يقول: ووضح القسيس عبد الواحد داود الآشوري العراقي في كتابه الإنجيل والصلب الكلمات اليونانية التي في التوراة والإنجيل بمعنى أحمد وإسلام هذا.
وذكر الشيخ رحمة الله الهندي في"إظهار الحق"أن بعض النصارى ادعوا قبل ظهور محمد أنهم مصاديق لفظ"فارقليط"مثل"منتس"الذي ادعى أنه الفارقليط الذي وعد عيسى بمجيئه. وتبعه أناس كثيرون. فعُلم أن انتظار الفارقليط كان في القرون الأولى للنصارى، وكان بعضهم يدعي أنهم مصاديق ذلك، وكان بعض النصارى يقبلون دعاوهم اهـ.
ولاشك أن أهل الكتاب من يهود ونصارى كانوا ينتظرون خروج نبي قبل ظهور محمد ﷺ وسأذكر شواهد على ذلك في آخر الكتاب إن شاء الله. أما الآن فلنحلل النص لنرى انطباقه
[ ٨٠ ]
التام على رسول الله محمد ﷺ
(أ) جاء في الجملة السادسة عشرة: وأنا أطلب من الأب أي الله فيعطيكم فارقليط آخر.
يدعي النصارى أنه روح القدس كما سلف. ولا صحة لادعائهم، لأن هذا الروح كما يعتقدون متحد بالأب مطلقا، وبالابن من ناحية لاهوته، لا من ناحية ناسوته، اتحادا حقيقيا، فلا يصدق في حقه أنه فارقليط آخر، بخلاف النبي المبشر به. ثم إن كان معناه المعزي والوكيل والشفيع كما يقولون، فإن هذه الأمور من خواص النبوة، لا من خواص هذا الروح المتحد.
كما ورد في الجملة نفسها أنه يقيم إلى الأبد. وقد حفظ الله سبحانه القرآن صحيحا سليما دون غيره من الكتب. قال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . سورة الحجر ٩.
(ب) جاء في الجملة السادسة والعشرين: فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم بجميع ما قلته لكم.
وبالفعل، فإن رسالة محمد ﷺ تشمل جميع نواحي الحياة من علاقة الفرد بالفرد إلى علاقة الأمة بغيرها من الأمم سلما وحربا. قال سبحانه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ . سورة الأنعام ٣٨. وعن سلمان ﵁ وقال له
[ ٨١ ]
المشركون: إنه علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة قال: أجل،"لقد نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه، أو يستقبل القبلة بغائط أو بول، ونهى عن الروثة والعظام، وقال لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار"، أخرجه الخمسة إلا البخاري واللفظ لمسلم.
وقد ذكر النبي ﷺ النصارى بكل ما قاله عيسى بن مريم وما جاء به من التوحيد الخالص، ونهاهم عن التثليث والغلو في الدين. قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾، المائدة ١١٩.
وعن أبى هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أنا أولى الناس بابن مريم في الدنيا والآخرة ليس بيني وبينه نبي، والأنبياء إخوة، أبناء علات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد". رواه البخاري ومسلم وأبو داود.
ولم يثبت من رسائل العهد الجديد أن الحواريين كانوا قد نسوا ما قاله عيسى، ثم أتى هذا الروح النازل فذكرهم به.
(ج) جاء في الجملة التاسعة والعشرين: والآن قد قلت لكم قبل أن يكون، حتى إذا كان تؤمنون. وهذا يدل على أن المراد به غير الروح القدس كما يزعمون. كما أن عدم الإيمان ما
[ ٨٢ ]
كان مظنونا منهم وقت نزوله. أما إذا حملنا النص على النبي المبشر به، فإن الكلام يكون حسنا، وفي محله.
(د) جاء في الإصحاح الخامس عشر في الجملة السادسة والعشرين: فهو يشهد لي. وفي السابعة والعشرين: وأنتم تشهدون، لأنكم معي من الابتداء.
وبالفعل فقد شهد محمد ﷺ لعيسى بالنبوة، وأمر المسلمين بالإيمان به، وبرأه مما نسب إليه من الألوهية، وبرأ أمه من تهمة الزنى التي ألصقها بها يهود. قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ المائدة ٧٢.
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾،٧٣.
﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾،٧٤.
﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، ٧٥
[ ٨٣ ]
أما ما يزعمون أنه الروح، فلم يشهد بشيء بين يدي أحد، لأن تلاميذ المسيح الذين نزل عليهم الروح كما يدعون كانوا يعرفون المسيح، وما كانوا محتاجين إلى هذه الشهادة. بل هم يشهدون أن عيسى ﵇ ما أخبر عن نفسه إلا أنه رسول يبشر بنبي يأتي من بعده اسمه أحمد. أما من بعدهم فقد التبس عليهم الأمر.
(هـ) جاء في الإصحاح السادس عشر الفقرة السابعة:
إنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم انطلق لا يأتيكم الفارقليط
فعلق مجيء الفارقليط بذهابه، وهذا الروح بزعمهم نزل على الحواريين في حضوره لما أرسلهم إلى البلاد. وهو خلاف ما دل عليه النص من أن مجيء الفارقليط مشروط بذهاب عيسى. فلا يكون المراد بالفارقليط هذا الروح الذي عنه يتكلمون. بل إنما المراد به شخص لم يره أحد من الحواريين، ومجيئه يكون بعد ذهاب عيسى ورفعه إلى السماء، فهو محمد ﷺ بلا شك.
(و) وجاء في الفقرة الثامنة من الإصحاح نفسه: ومتى جاء، فهو يوبخ الحالم على خطيئته
وهذا القول بمنزلة النص الواضح الصريح في محمد ﷺ لأنه هو الذي وبخ العالم على خطيئته، فقد وبخ اليهود
[ ٨٤ ]
لعدم إيمانهم بعيسى ﵇ واتهامهم أمه بالزنى. وبكت النصارى على تثليثهم وقولهم إن الله هو المسيح ابن مريم كما سلف. بعكس الروح، فإن توبيخه لا يصح. وما كان التوبيخ هدف التلاميذ بعد نزوله، لأنهم كانوا يدعون إلى المسيحية بالوعظ والترغيب.
(ز) جاء في الفقرة الثانية عشرة من الإصحاح السادس عشر: وعندي أيضا أشياء كثيرة أقولها لكم، غير أنكم لا تطيقون حملها الآن.
وبنو إسرائيل لا يحتملون تلقي الشريعة الأبدية من عيسى ﵇ لأن التطور البشري لا يسمح لهم أن يتلقوها، فإنهم يحتاجون إلى إعداد وتربية تمتد زمنا ليكونوا متهيئين لتلقي آخر الشرائع. أما عندما تصل البشرية إلى النضوج العقلي، والتفتح الديني المناسب، فإن الله سبحانه يرسل لهم خاتم الرسل بخاتمة الشرائع إلى جميع الناس. وهذا ما كان.
أما الروح النازل كما يقولون فلم يزد أي حكم من الأحكام على ما جاء به عيسى ﵇.
(ح) جاء في الفقرة الثالثة عشرة: ومتى جاء روح الحق، فإنه يعلمكم جميع الحق لأنه لا يتكلم من عند نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به.
[ ٨٥ ]
ومحمد ﷺ ما كان يتكلم من عند نفسه، بل يجعل الله كلامه فما فمه، ويكلم الناس بما يوحيه الله إليه من أمر أو نهي كما سلف في البشارة الأولى من بشارات العهد القديم. قال سبحانه: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ سورة الأحقاف ٩.
وقال سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ١ سورة النجم ٤.
(ط) وجاء في الفقرة نفسها: ويخبركم بأمور آتية:
وما الذي أخبر به الروح للحواريين أو لغيرهم من الأمور الغيبية الآتية؟ لم يحدث هذا. أما محمد ﷺ فقد أخبر عن أمور كثيرة ستقع في المستقبل، منها ما وقع، فأتت كما قال. ومنها ما لم يقع حتى الآن، والمسلمون ينتظرون وقوعها، والأحاديث التالية فيها مصداقية ذلك:
١- عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: قام فينا رسول الله ﷺ مقاما، فما ترك شيئا يكون من مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدثه، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هولاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته،
_________________
(١) ١ إظهار الحق ٢٧٨-٢٩٧، محمد رسول الله لبشرى ص ٨٦-١٠٦، محمد في الكتب المقدسة ص١٣-٢٠، قصص الأنبياء للنجار ص ٣٩٧-٣٩٨، المسيح ابن مريم لعبد الحميد جودة السحار.
[ ٨٦ ]
فأراه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه"، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود.
٢- وعن عمرو بن أخطب ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ يوما الفجر وصعد على المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان، وبما هو كائن إلى يوم القيامة". قال: فأعلمنا أحفظنا، أخرجه مسلم.
٣ عن جابر بن سمرة وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ: " إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده، لتنفقن كنوزهما في سبيل الله"، رواه البخاري ومسلم.
وقد أنفقت كنوزهما في سبيل الله بعد موت النبي ﷺ ووزعت على أصحابه ﵃ فاجتمدت أكوام من المال أمام عمر ﵁ في مسجد رسول الله ﷺ فجعل يقلبها ويبكي، ثم وزعها.
٤ وعن عدي بن حاتم ﵁ قال: بينا أنا عند النبي ﷺ إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل. فقال: "يا عدي هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها. قال: إن طالت بك حياة
[ ٨٧ ]
لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدا إلا الله تعالى قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعار طيء الذين سعروا البلاد؟ ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى. قلت: كسرى ابن هرمز؟ قال: كسرى بن هرمز. ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة، يطلب من يقبله منه، فلا يجد أحدا يقبله منه، وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه، وليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له، فيقولن: ألم أبعث إليك رسولا فيبلغك؟ فيقول: بلى يا رب. فيقول: ألم أعطك مالا وأفضل عليك؟ فيقول: بلى. فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم. قال عدي: فسمعت النبي ﷺ يقول: اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد شق تمرة، فبكلمة طيبة. قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى ابن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم ﷺ يخرج ملء كفه"، أخرجه البخاري.
وقد حدث هذا، فكان الرجل في عهد عثمان ﵁ وفي عهد عمر بن عبد العزيز يخرج زكاة ماله، فلا يجد من يقبلها منه، لغناهم عن ذلك وورعهم الذي يمنعهم من الطمع.
[ ٨٨ ]
٥- وعن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمي فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحما" أخرجه مسلم.
٦- وعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم يكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت" أخرجه أحمد في المسند وصححه العراقي من طريقه، وأخرجه البزار والطيالسي بأتم منه، وروى الطبراني في الأوسط بعضه، قال الهيثمي: ورجاله ثقات.
٧-وعن أبى قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وسئل أي المدينتين تفتح أولا، القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق، قال: فأخرج منه كتابا. قال؟ فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب إذ سئل رسول الله ﷺ، أي المدينتين تفتح أولا، أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول ﷺ: "مدينة هرقل تفتح أولا. يعنى قسطنطينية"، أخرجه أحمد في المسند وابن أبي
[ ٨٩ ]
شيبة والدا رمى والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، والمقدسي وحسنه.
ولقد فتحت القسطنطينية على يد السلطان العثماني محمد الثاني المعروف بالفاتح، ولنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش جيشها، وسماها"إسلام بول"أي مدينة الإسلام. أما رومية، فهي روما عاصمة إيطاليا اليوم مقر بابا النصارى الكبير"الفاتيكان"فلتفتحن بإذن الله، كما أن الشمس تشرق كل يوم، بيد أنه لا يعلم ذلك الوقت إلا الله.
٨- وعن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبيء اليهودي وراء الحجر والشجر. فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي، تعال فاقتله. إلا الغرقد، فإنه من شجر اليهود"،رواه البخاري ومسلم.
٩- وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لتقاتلن اليهود، فلتقتلنهم، حتى يقول الحجر: يا مسلم هذا يهودي، فتعال فاقتله"،أخرجه البخاري ومسلم والترمذي.
ومن تقدير الله سبحانه أن الأوربيين عرضوا على اليهود أن يقيموا دولتهم في استراليا، فرضي بعضهم وأبى أكثرهم، ثم
[ ٩٠ ]
عرضوا عليهم أن يقيموا دولة في إفريقية، فرضي بعضهم وأبى أكثرهم. وأصروا على فلسطين، فاجتمعوا من شتى بقاع الدنيا فيها، ولا يزالون يتوافدون ويجتمعون. ولا يعلم إلا الله متى يُخلص المسلمون في جهادهم حتى يكون لله وبأمره خالصا من أية شائبة ليتحقق وعد الله. وإن ذلك لكائن بإذن الله كما أن الشمس تشرق كل يوم، ولن تقف دونه قوة.
ومن الطريف ما حدثني به فلسطيني أنهم يكثرون من زراعة شجر الغرقد للزينة. والله غالب على أمره.
[ ٩١ ]