بشارات موسى بمحمد ﷺ:
قال الله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ سورة الأعراف ١٥٥، ١٥٦،١٥٧.
أمر الله سبحانه موسى علية الصلاة والسلام أن يختار من قومه بني إسرائيل سبعين رجلا، ويأتي بهم إلى الميقات الزماني والمكاني الذي عينه الله سبحانه ليتوبوا إلى الله ويعتذروا من عبادة العجل
[ ٢٦ ]
فلما أتوا إلى المكان طلب ناس منهم أن يروا ربهم وعلى أثر هذا الطلب أخذتهم الرجفة، فتهافتوا إلى أديم الأرض، وهم ينظرون إلى بعضهم.
طلب موسى ﵊ العفو عما صدر فأخبره الله سبحانه بأن رحمته سيجعلها للذين يتصفون بهذه الصفات، وهم أمة محمد ﷺ الذين يتقون الإشراك بالله، وكبائر الذنوب، ويؤتون الزكاة، ويؤمنون بآيات الله، ولا يعارضون فيها، ولا يتعنتون في الاقتراح بعد إيمانهم.
وهم الذين يتبعون النبي الأمي محمدا ﷺ لأنه لا يعرف الكتابة، ومن أمة أمية هي العرب، ومن أم القرى وهي مكة المكرمة. والذي لم تزل صفته في كتبهم في التوراة والإنجيل يعرفها علماؤهم وأحبارهم ومنها ما يلي:
١- يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر في كل شيء.
٢- يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، من مأكل ومشرب وملبس وغير ذلك.
٣- يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، من العهد الذي كان الله أخذه على بني إسرائيل، والتشديد الذي كان في دينهم، من تحريم السبت، وتحريم الشحوم والعروق وغير ذلك من الأمور الشاقة، لأنه جاء بالتيسير والسماحة.
[ ٢٧ ]
فمن آمن به وعظمه ومنعه من أعدائه وجاهد معه، واتبع القرآن الذي أنزل عليه، فهو فائز في الدنيا والآخرة.
وكأن الله سبحانه يباهي بمحمد عن وأتباعه أتباع موسى ﵊ ويوبخهم على ما فعلوه وطلبوه، قبل وجود محمد ﷺ بأكثر من (١٥٠٠) عام ويصفهم بأنهم ليسوا على شاكلتهم، بل يقولون: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.
هذا. وفي الغالب أن الأنبياء يبشر بعضهم ببعض.
والنبي المتقدم إذا أخبر عن النبي المتأخر لا يشترط التفصيل في أخباره وصفاته، بل يكون على الغالب بشكل مجمل، ولاسيما عند العوام.
أما الخواص فقد يصير جليا عندهم بوساطة القرائن، وقد يبقى خفيا عليهم أيضا لا يعرفون مصداقه إلا بعد مجيئه وإخباره أن المتقدم قد بشر به، وبعد ظهور صدقه بالمعجزات وعلامات النبوة. وآنئذ يصير جليا بلا ريب لكل منصف. والنصوص الواردة في التوراة والإنجيل معظمها إشارات تحتاج إلى تأمل. وكان علماؤهم يجادلون ويشوشون وجه الدلالة فيها بإلقاء الشبهات، ثم ازداد الأمر غموضا بنقل هذه الكتب
[ ٢٨ ]
من لغة إلى لغة١. ونحن سنحلل بعض النصوص لنرى وجه الدلالة فيها إن شاء الله.
هذا، وإن استشهادنا بنصوص من أسفار العهد القديم أو أناجيل العهد الجديد ليس إقرارا بصحة الكتاب، أو اعترافا بأنه الوحي الصحيح الذي أنزله الله سبحانه على موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام والذي فيه هدى ونور. بل إنما هو من قبيل إقامة الحجة، ليزداد الذين آمنوا إيمانا مع إيمانهم.
البشارات الموجودة في العهد القديم:
اشتملت التوراة بأسرها على دلالات وآيات تدل على أن شريعة محمد ﷺ حق قد وصدق. ولكنهم حرفوا وغيروا، إما تحريفا من حيث الكتابة والصورة، وإما من حيث التفسير والتأويل.
ومع ذلك لا يخلو الكتاب الذي بين أيديهم من بشارات بالرغم مما اعتوره من التحريف والتشذيب. وهذه بعض البشارات:
_________________
(١) ١ إظهار الحق ٢/٢١٦-٢٢٠، قصص الأنبياء ص ٢٩٣، الملل والنحل ١/٢١٢.
[ ٢٩ ]
البشارة الأولى:
جاء في سفر التثنية الإصحاح الثامن عشر قول موسى لبني إسرائيل:
١٥- يقيم لك الرب إلهك نبيا من وسطك، من إخوتك، مثلي، له تسمعون.
١٧- قال لي الرب: نِعم ما قالوا وفي بعض النسخ المترجمة: قد أحسنوا فيما تكلموا.
١٨- وسوف أقيم لهم نبيا مثلك، من بين إخوتهم، وأجعل كلامي في فمه، ويكلمهم بكل شيء آمره به وفي بعض النسخ بكل ما أوصيه به.
١٩- ومن لم يطع كلامه الذي يتكلم فيه باسمي، فأنا أكون المنتقم من ذلك.
٢٠- أما النبي الذي يجتريء بالكبرياء، ويتكلم في اسمي ما لم آمره به، بأن يقوله، أم باسم آلهة أخرى فليقتل. يزعم اليهود أن هذه البشارة ليوشع بن نون ﵇.
ويزعم النصارى أنها للسيد المسيح ﵇.
فلنحلل هذا النص لنرى هل تنطبق البشارة على يوشع
[ ٣٠ ]
أو على المسيح أو على محمد ﷺ:
١- جاء في الجملة الثامنة عشرة:"سوف أقيم"بصيغة الاستقبال. ويوشع بن نون كان حاضرا عند موسى، وهو فتاه. ولما مات هارون ﵊ في حياة موسى، أصبح يوشع وصي موسى والقائم بالأمر من بعده، فهو من أنبياء بني إسرائيل في ذلك الوقت، فكيف يصدق عليه هذا اللفظ؟
ب- وجاء فيها لفظ"نبيا"ويزعم النصارى أن المسيح إله، أو ابن إله، وهو مؤلف في زعمهم من ناسوت ولاهوت، وقد اتحد اللاهوت بالناسوت فصار إلها له إرادة مستقلة، وهو بنفس الوقت الأقنوم الثاني من الأقانيم الثلاثة، التي تشكل بمجموعها إلها واحدا تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
إذا، فالمسيح في زعمهم إله، وليس نبيا، فلا تتحقق فيه البشارة. إلا أن يكابروا ويتعنتوا فيقولوا: هو نبي بناسوته، إله بلاهوته. وهذا تعسف. وآنئذ نسألهم: هل له إرادتان أو إرادة واحدة؟ فإن قالوا: له إرادتان فقد ناقضوا أنفسهم، وإن قالوا: إرادة واحدة فقد أوجبوا الحجة عليهم.
جاء في الجملة الخامسة عشرة من قول موسى:"مثلي".
[ ٣١ ]
وفي الجملة الثامنة عشرة من قول الرب:"مثلك"في خطابه لموسى.
أي إن هذا النبي المنتظر يشابه موسى في أوصافه ويماثله.
ولا توجد مماثلة أومشابهة بين يوشع وموسى عليهما الصلاة والسلام لأن موسى صاحب كتاب وشريعة جديدة، مشتملة على أوامر ونواه. ويوشع لم يكن كذلك، بل هو تابع لشريعة موسى.
وكذلك لا توجد مماثلة بين موسى والمسيح عليهما الصلاة والسلام لأن شريعة موسى كاملة مشتملة على الحدود والتعزيرات، وأحكام الطهارة والمحرمات وغير ذلك. بخلاف المسيح، فإنه لم يكن صاحب شريعة كاملة مستقلة. وما جاء به خال من كل هذه الأمور، كما تشهد بذلك الأناجيل الأربعة التي يعترفون بها، ففي إنجيل متى على سبيل المثال الإصحاح ١٥/ الفقرة ١٧: لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض، بل جئت لأكمل.
والنصارى يأخذون معظم أحكامهم من العهد القديم كما هو معروف.
ولأن موسى كان رئيسا مطاعا في قومه، أمرهم بالجهاد وجاهد معهم، وحارب أعداءه وانتصر عليهم. ولم يكن المسيح كذلك. بل إن من تعاليمه كما يزعمون: من ضربك على خدك
[ ٣٢ ]
الأيمن، فأدر له خدك الأيسر. من استلب منك الرداء فاترك له القميص. صلوا من أجل لاعنيكم١.
ولأن موسى ﵊ تزوج وله أولاد، ومات على الفراش، ودفن في القبر، ولم يصلب. والمسيح ﵊ لم يتزوج، وبالتالي ليس له أولاد، وفي زعمهم أنه مات مصلوبا، ثم قام من قبره.
أما محمد ﷺ فإنه يماثل موسى ﵊ في أمور كثيرة أهمها ما يلي:
١- كونه عبد الله ورسوله، فهو نبي، وهو من أب وأم، وقد تزوج وله أولاد، ومات على الفراش، ودفن في القبر.
٢- كونه صاحب شريعة، وشريعته كاملة، فهي مشتملة على نظام متكامل للحياة دينيا ودنيويا.
٣- كونه مطاعا في قومه مأمورا بالجهاد، جاهد مع أصحابه، وحارب أعداءه وانتصر عليهم.
فالبشارة إذا تصدق على محمد ﷺ أكمل صدق، وتنطبق عليه أتم انطباق. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا
_________________
(١) ١ أين هذه التعاليم من فعل النصارى الذين استعمروا البلدان وظلموا أهلها، بل أين هي من محاكم التفتيش التي أحرقت البشر وهم أحياء باسم المسيح. وكل من جاور النصارى وخالطهم يعرف حقدهم وتعصبهم. أما المبشرون فوجه مبتسم وقلب مخادع حاقد. راجع في ذلك"التبشير والاستعمار"للدكتورين عمر فروخ ومصطفى الخالدي.
[ ٣٣ ]
شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ . سورة المزمل ١٥.
هذا. ولا يصح أن يكون يوشع أو المسيح ﵉ هو المبشر به ويماثل موسى ﵊ بدليل أن الجملة العاشرة من الإصحاح الرابع والثلاثين في سفر التثنية تنص على ما يلي:"ولم يقم بعد ذلك نبي في بني إسرائيل مثل موسى يعرف الرب وجها لوجه، أي كلمه وأوحى إليه بشرع.
فمن هو إذا النبي المنتظر الذي يكلمه الله، ولم يظهر حتى الآن؟ علما بأن المسيح آخر الأنبياء في بني إسرائيل، وقد مضى على القوم أكثر من ١٩٨٥ سنة لم يقم فيها نبي سواه وسوى يحي بن زكريا عليهم الصلاة والسلام فلم قاطعهم الله هذه المقاطعة، وهجرهم هجرا غير جميل؟
ومحمد ﷺ أسرى به الله ليلا من المسجد الحراءم بمكة إلى المسجد الأقصى بالقدس، ثم عرج إلى السماوات العلى حيث تنقطع علوم الخلائق، وهناك كلمه ربه وفرض عليه وعلى أمته الصلاة.
ومن ناحية أخرى، فقد كان اليهود الذين عاصروا المسيح ﵇ ينتظرون نبيا آخر مبشرا به. وكان هذا المبشر به المنتظر غير المسيح، بدليل أنهم سألوا يحي يوحنا: أأنت
[ ٣٤ ]
المسيح؟ ولما أنكر سألوه: أأنت إيلياء؟ ولما أنكر سألوه: لأ أنت النبي المنتظر الذي أخبر به موسى؟
وجاء في الإصحاح السابع من إنجيل يوحنا ٤٠-٤١:
وإن قوما من الجمع لما سمعوا كلامه قالوا: هذا في الحقيقة هو النبي. وقال آخرون: هذا هو المسيح.
وفي الإصحاح الأول منه: فسألوه وقالوا له: ما بالك تُعمَّد إن كنت لست المسيح ولا إيلياء ولا النبي؟
والألف واللام في لفظ"النبي"للعهد الذهني، والمراد به النبي المعهود الذي أخبر عنه موسى ﵊. وجاء في الجملة الخامسة عشرة:"نبيا من وسطك من إخوتك، مثلي له تسمعون".
وفي الجملة الثامنة عشرة"من بين إخوتهم".
ولا شك أن الأسباط الاثني عشر كانوا حاضرين في ذلك الوقت مع موسى ﵊ ولو كان المقصود أن النبي المبشمر به منهم، لقيل في الكلام:"منهم"ولم يقل"من إخوتك"ولا"من بين إخوتهم"ويوشع والمسيح ﵉ كانا من بني إسرائيل، فلا تصدق هذه البشارة عليهما. لأن الاستعمال الحقيقي لهذا اللفظ يقتضي ألا يكون المبشر به له علاقة الصلبية أو البطنية بالمبشرين، وهم بنو إسرائيل. بل من قرع آخر غير فرعهم، وهو ما لا يمكن أن يكون إلا من إسماعيل ﵊.
[ ٣٥ ]
هـ- ورد أيضا في الجملة الثامنة عشرة:"وأجعل كلامي في فمه".
وهذا التعبير يشير إلى أن ذلك النبي ينزل عليه الكتاب، وأنه لا يتكلم من تلقاء نفسه أو هواها، بل بوحي من الله، وأنه يكون أميا حافظا للكلام.
ومحمد ﷺ كان كذلك. قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ سورة النجم ٤، وكان أميا حافظا. قال ﷾: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ سورة الأعلى ٦.
هذا، ولم يذع أحد من أبناء إسماعيل ذلك سوى محمد ﷺ ولم يقم نبي أمي سواه منذ خلق الله الدنيا إلى اليوم. ووجاء فيها أيضا:"ويكلمهم بكل شيء آمره به". ومحمد كان يبلغهم كل شيء أمره الله به، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ سورة المائدة ٦٧،. وقال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أسورة النحل ٤٤،.
وجاء في الجملة التاسعة عشرة:"ومن لم يطع كلامه الذي يتكلم فيه باسمي، فأنا أكون المنتقم من ذلك".
[ ٣٦ ]
فقد دل النص على أن من يعصي ذلك النبي المبشر به، ولا يطيع كلامه الذي هو وحي من عند الله، فإن الله سبحانه سيكون هو المنتقم منه. وهذا يدل على تعظيم ذلك النبي وتأييده، لأن الله سبحانه أضاف الانتقام إلى نفسه، وعقبه بالفاء التي تفيد الترتيب من غير تراخ زمني، فلابد أن يتميز هذا النبي بصفات لا توجد في غيره من الأنبياء.
ولا يمكن أن يراد بالانتقام هنا محض العذاب في الآخرة، لأنه عام يشمل من خالف أي نبي من الأنبياء، كما أنه متأخر إلى وقت يعلمه الله. بل يظهر والله أعلم أن المراد بالانتقام هنا الانتقام التشريعي الذي يشمل الجهاد الذي تكون فيه العاقبة لذلك النبي وللمتقين الذين معه، كما يشمل إقامة حدود الله على من تعداها.
وأما إهلاك الأمم السابقة بعذاب الاستئصال في الدنيا فلم يكن انتقاما منهم لمجرد كفرهم بالله وتكذيبهم أنبياءءه، بل لأنهم سألوا الآيات وتحدوا بها، ولما جاءتهم لم يؤمنوا وأصروا واستكبروا استكبارا. فكان من الاعتبار أن الذين لا يهتدون إذا جاءتهم الآيات المقترحة أن يغلظ الأمر عليهم، وينزل بهم عذاب الاستئصال.
ومما تقدم يكون النبي المبشر به موحىّ إليه بكلام من عند الله فيه تشريع تفصيلي، ومأمورا بالجهاد مؤيدا بنصر الله، ومأمورا بإقامة الحدود والقصاص. ومحمد ﷺ كان كذلك:
[ ٣٧ ]
- فقد أنزل الله عليه القران تبيانا لكل شيء، وهو بدوره قد بين للناس ما نزل إليهم، وما كان ينطق عن الهوى، بل يتبع ما يوحى إليه، ويتكلم باسم الله.
- وأمر بالجهاد في المدينة المنورة، فإن المسلمين كانوا بمكة مستضعفين مضطهدين، فلما أسلم الأنصار أمر رسول الله ﷺ من كان بمكة من المسلمين أن يهاجروا إلى المدينة. فهاجروا وأعزهم الله بعد تلك الذلة، وفي ذلك يقول سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِه﴾ ِ الآية ٨ا/٢٦، اجتمع المهاجرون والأنصار في المدينة شرع الله لهم الجهاد. وكانوا قبل ذلك قد نهوا عنه وقيل لهم كما في الآية: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ ٤/٧٧،، وأنزل الله سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٢/٢١٦،. فبذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله، فشكر الله لهم ذلك، ورضي عنهم، ونصرهم على من عاداهم، مع قلتهم وضعفهم، وكثرة عدوهم وقوته.
- وأيده الله بنصره وبالمؤمنين، وألقى الرعب في قلب عدوه
عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي،
[ ٣٨ ]
نصرت بالرعب مسيرة شهر وفي رواية: نصرت بالرعب على العدو بين يدي مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل. وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي. وأعطيت الشفاعة. وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة" أخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
وفي رواية لمسلم: "وختم بي النبيون".
وعن عبد الله بن عمر ﵄: "بعثت بين يدي الساعة مع السيف، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم"، أخرجه أحمد في المسند وحسنه الحافظ ابن حجر، وأخرج البخاري بعضه تعليقا، وله شاهد عند ابن أبي شيبة.
وحيث يظهر الكفار ويغلبون، فإنما ذلك لذنوب المؤمنين التي أوجبت نقص إيمانهم، فإذا تابوا نصرهم الله، كما قال سبحانه: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ الآية ٣/١٣٩، بيد أن العاقبة تكون للمؤمنين.
[ ٣٩ ]
عن سلمة بن نفيل الكندي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ولا تزال من أمتي أمة يقاتلون على الحق، ويُزيغ الله لهم قلوب أقوام، ويرزقهم منهم حتى تقوم الساعة، وحتى يأتي وعد الله" أخرجه أحمد والنسائي.
ويتجلى ذلك عندما ينزل عيسى ﵊ إلى الأرض، فيحكم بشريعة محمد ﷺ ويجاهد المشركين ويقيم الحدود.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير وليضعن الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد". ثم يقول أبو هريرة ﵁: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآية، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي.
وفي رواية لمسلم:"والله لينزلن ابن مريم حكما عادلا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركن القِلاص١، فلا يسعى عليها ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد".
وفي رواية أبي داود أن رسول الله ﷺ قال: "ليس بيني وبينه يعني عيسى نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه،
_________________
(١) ١ القلاص: جمع قلوص، وهي الناقة.
[ ٤٠ ]
فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، ينزل بين ممصرتين١، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيقاتل الناس على الإسلام، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك المسيح الدجال، ثم يمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفي ويصلي عليه المسلمون".
- وقد أقام الحدود والقصاص ونهى عن تعطيلها، وحض صاحب الحق على العفو.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " حد يقام في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا ثلاثين صباحا" أخرجه النسائي وابن ماجة وأحمد٢
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب" أخرجه أبوداود والنسائي.
وكان من حكمة الله تعالى ورحمته أن لا يهلك قوم خاتم الأنبياء بعذاب الاستئصال، مع أن المشركين من أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ عن آيات كثيرة. وقد بين سبحانه أنه إنما منعه أن يرسل بها أن كذب بها الأولون، فيستحقون عذاب
_________________
(١) ١ ممصرتين: يقال: ثوب ممصر: إذا كان فيه صفرة خفيفة يسيرة. ٢ وفي سنده في الروايتين جرير بن يزيد بن جرير بن عبد الله البجلي وهو ضعيف. وفي الرواية الأولى أيضا عيسى بن يزيد الأزرق لم يوثقه غير ابن حبان، انظر جامع الأصول مع التعليق ٣/٥٩٦. ألا فلينظر أهل الكتاب إلى هذه الدقة في التوثيق، وليأتوا بمثلها وإلا
[ ٤١ ]
الاستئصال كما استحق من قبلهم. فإن الآيات توجب إقامة الحجة عليهم، والحجة قائمة بغيرها، فإن ما أتى به النبي ﷺ حصل به كمال الهدى والحجة. فقد أظهر الله سبحانه على يدي رسوله من الآيات ما هو أعظم من آيات من قبله من الأنبياء. روى المفسرون وأهل الحديث عن ابن عباس ﵄ أنه قال: سأل أهل مكة رسول الله ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحي عنهم الجبال حتى يزرعوا. فقيل له: إن شئتم نستأني بهم، وإن شئت نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا هلكوا كما هلك من قبلهم. فقال: بل أستأني بهم. فأنزل الله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ الآية١٧/٥٩.
وأكتفي ﷾ بتعذيب بعضهم بأنواع من العذاب كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ ٩/٥٢، فأخبر ﷻ أنه يعذب الكفار تارة بأيدي المؤمنين بالجهاد والحدود كما سلف، قال سبحانه: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾، وهو وتارة بغير ذلك، كالمستهزئين الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ﴾ ٥/٩٥، وكالذي دعا عليه النبي ﷺ أن يسلط الله عليه كلبا من كلابه، فافترسه الأسد.
[ ٤٢ ]
وكان في ذلك الاستيناء إيمان كثير منهم كأبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل. ولو أهلكهم لبادوا ولم يبق لهم ذرية تؤمن. فكان في إرسال خاتم النبيين ﷺ من الحكمة البالغة والمنن السابغة ما لم يكن في رسالة غيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
ج- جاء في الجملة العشرين:"أما النبي الذي يجتريء بالكبرياء، ويتكلم في اسمي ما لم آمره به، بأن يقوله، أم باسم آلهة غيري فليقتل".
وعليه، فالنبي الذي ينسب إلى الله ما يأمره به يقتل، أي نهايته القتل.
ولو لم يكن محمد ﷺ نبيا حقا لكان قد قتل. ولكن لم يستطع أحد قتله، رغم المحاولات الكثيرة من قريش ومن يهود ومن المنافقين وسائر المشركين في مكة والمدينة.
ومصداق هذا المعنى قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ سورة الحاقة ٤٤.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ سورة المائدة ٦٧.
واليهود يعلمون ذلك حق العلم.
[ ٤٣ ]
عن أبي هريرة ﵁ قال:"لما فتحت خيبر، أهديت لرسول الله شاة فيها سم، فقال رسول الله ﷺ: اجمعوا لي من كان هاهنا من اليهود، فجمعوا له. فقال رسول الله ﷺ: إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقي عنه قالوا: نعم يا أبا القاسم. فقال لهم رسول الله ﷺ: من أبوكم؟ قالوا: فلان. قال: كذبتم، بل أبوكم فلان. قالوا: صدقت وبرزت. فقالت: هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت، كما عرفته في أبينا. قال لهم: من أهل النار؟ قالوا: نكون فيها يسيرا ثم تخلفونا فيها. قال رسول الله ﷺ: اخسؤوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبدا. قال: هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم. قال: هل جعلتم في هذه الشاة سما؟ قالوا: نعم. قال: فما حملكم على هذا؟ قالوا: أردنا إن كنت كاذبا نستريح منك، وإن كنت صادقا لم يضرك". أخرجه البخاري بالسند المتصل.
وعن أنس بن مالك ﵁ أن امرأة يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة، فجيء بها إلى رسول الله ﷺ فسألها عن ذلك فقالت؟ أردت لأقتلك. فقال: ما كان الله ليسلطك على ذلك". أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود.
[ ٤٤ ]
وفي رواية أبي داود عن جابر ﵁ قالت:"قلت إن كان نبيا فلان تضره، وإن يكن نبيا استرحنا منه، فعفا عنها"١.
وقد ادعى النبوة في زمنه وبعده ناس كثيرون، وكان نهايتهم القتل، مثل مسيلمة الكذاب وغيره.
_________________
(١) ١ انظر هذه البشارة في إظهار الحق ٢/٢٣٩-٢٤٥، محمد رسول الله لبشرى ص ٦٥-٧٠، الملل والنحل للشهرستاني ١/٢١١، قصص الأنبياء للنجار ص ٢٩٣-٢٩٤و٢٩٧، محمد في الكتب المقدسة لمحمد رواس قلعه جي ص ٢٨.
[ ٤٥ ]