عن عياض ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب"، أخرجه مسلم.
وذلك لابتعادهم عن الحق وإمعانهم في الضلال، أما بعض أهل الكتاب فقد كانوا ينتظرون خاتم النبيين. ومنهم:
الراهب بحيرا:
عن علي بن أبي طالب ﵁ أن أباه حدثه قال: خرجنا إلى الشام في أشياخ من قريش، وكان معي محمد ﷺ فأشرفنا على راهب في الطريق، فنزلنا وحللنا رواحلنا، فخرج إلينا الراهب، وكان قبل ذلك لا يخرج إلينا، فجعل يتخللنا، حتى جاء فأخذ بيد محمد ﷺ وقال: هذا سيد العالمين. قال: فقال له أشياخ من قريش: وما علمك بما تقول؟ قال: أجد صفته ونعته في الكتاب المنزل، وإنكم حين أشرفتم يبق شجر ولا حجر إلا خر له ساجدا، ولا تسجد الجمادات إلا لنبي، وأعرفه بخاتم النبوة، أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة.
ثم رجع فصنع طعاما فأتانا به، وكان محمد ﷺ في رعية الإبل، فجاء وعليه غمامة تظله، فلما دنا وجد القوم قد
[ ١٠٥ ]
سبقوه إلى شجرة، فجلس في الشمس، فمال فيء الشجرة عليه، وضحوا في الشمس وجعل يناشدهم الله أن لا يذهبوا به إلى الروم، ويقول: إن رأوه عرفوه بالصفة وآذوه. ثم قال: أنشدكم أيكم وليه؟ قالوا: هذا يعنوني فما زال يناشدني حتى رددته مع رجال، وزوده الراهب كعكا وزيتا أخرجه رزين"، وأخرجه الترمذي عن أبي موسى الأشعري ﵁ وقال: هذا حديث حسن غريب. وليس بين الألفاظ كبير اختلاف.
وعند ابن أبي شيبة: ولما بلغ رسول الله اثنتي عشرة سنة خرج مع عمه أبي طالب حتى بلغ بُصرى فرآه بحيرا الراهب واسمه جرجس فعرفه بصفته، فقال: وهو آخذ بيده: هذا سيد العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين. فقال: وما علمك بذلك فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا وخر ساجدا، ولا تسجد إلا لنبي، وأقبل وعليه غمامة تظله. وإني أعرفه بخاتم النبوة في أسفل غضروف كتفه مثل التفاحة، وإنا نجده في كتبنا. وسأل أبا طالب أن يرده خوفا عليه من اليهود"، ورواه ابن اسحاق.
خاتم النبوة:
عن عبد الله بن سرجس ﵁ قال: درت خلف النبي ﷺ فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند
[ ١٠٦ ]
ناغض كتفه اليسرى جُمعا عليه خيلان كأمثال الثآليل"١ أخرجه مسلم.
وعن جابر بن سمرة ﵁ قال:"ورأيت الخاتم عند كتفيه مثل بيضة الحمام، يشبه جسده"، رواه مسلم.
وعند الترمذي عنه ﵁:"كان خاتم رسول الله الذي بين كتفيه غدة حمراء مثل بيضة الحمام". وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
ورقة بن نوفل وبدء الوحي:
عن عائشة ﵂ قالت: أول ما بديء به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراءء، فيتحنث فيه وهو التعبد٢ الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى
_________________
(١) ١ ناغض الكتف: طرف العظم العريض، الذي في أعلى طرفه. الخيلان: جمع خال، وهو الشامة. ٢ التحنث: التعبد، وهو أن يفعل فعلا يخرج من الحنث، وهو الإثم. غطه: إذا حطه بشدة كما يغطه في الماء، إذا بالغ في حطه فيه. الجهد: بفتح الجيم المشقة، وبضمها الطاقة. وقيل هما لغتان. الكل: الأثقال والحوائج المهمة. الناموس: المراد به الوحي وهو جبريل ﵇ وأصل اللفظ: صاحب سر الملك الذي لا يحضر إلا بخير، بعكس الجاسوس. ل الجذع: الشاب.
[ ١٠٧ ]
خديجة ﵂ فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وفي رواية: حتى فجاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ قال: قلت: ما أنا بقاريء. قال: فأخذني فغطني، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقاريء. قال: فغطني الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقاريء؟ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زملوني زملوني. فزملوه حتى ذهب عنه الروع. فقال لخديجة ﵂ وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة، حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي وهو ابن عم خديجة أخي أبيها وكان امرءا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي. فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك. فقال له
[ ١٠٨ ]
ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله لصلى الله عليه وسلم خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا. ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله ﷺ: أو مخرجي هم؟ قال: نعم لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي"، رواه البخاري ومسلم.
سلمان الفارسي:
قال ابن اسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري عن محمد بن لبيد عن عبد الله بن العباس قال: حدثني سلمان الفارسي من فيه قال: كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان من أهل قرية يقال لها"جي"وكان أبي دهقان أهل قريته، وكنت أحب خلق الله إليه. واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة. قال: وكان لأبي ضيعة عظيمة، فخرجت أريد ضيعته التي بعثني إليها، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم وهم يصلون، فدخلت عليهم أنظر ما يصنعون. فلما رأيتهم أعجبتني صفتهم في صلاتهم، ورغبت في أمرهم، وقلت: هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه. ثم قلت لهم: من أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام. فرجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته عن عمله كله. فلما جئته قال: أين كنت؟ قال: قلت
[ ١٠٩ ]
له: يا أبت مررت بنصارى يصلون بكنيسة فأعجبني ما رأيت من دينهم، فوالله مازلت عندهم حتى غربت الشمس. قال: أي بنى ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه. قال: قلت له: كلا والله إنه لخير من ديننا. فخافني فجعل في رجلي قيدا، ثم احتبسني في بيته. قال: وبعثت إلى النصارى وقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام فأخبروني بهم. قال: فقدم ركب من الشام تجا رمن النصارى فأخبروني بهم، فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف في الكنيسة. قال: فجئت فقلت له: إني قد رغبت في هذا الدين وأحببت أن أكون معك وأخدمك في كنيستك وأتعلم منك وأصلي معك. قال: ادخل، فدخلت معه. ثم مات. وجاءوا برجل فجعلوه مكانه، فما رأيت رجلا أفضل ولا أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ولا أدأب ليلا ونهارا منه. قال فأحببته خبآ شديدا، فأقمت معه زمانا، ثم حضرته الوفاة. فقلت له: إني قد كنت معك فأحببتك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله، فإلى من توصي بي وتأمرني؟ قال: أي بني والله ما أعلم اليوم أحدا على ما كنت عليه، لقد هلك الناس، وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه، إلا رجلا بالموصل وهو فلان، وهو على ما كنت عليه فالحق به. فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل،
[ ١١٠ ]
فأقمت عنده، فوجدته خير رجل على أمر صاحبه، فلم يلبث أن حضرته الوفاة، فسألته إلى من توصي بي وبم تأمرني؟ قال: يا بني والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه إلا رجلا بنصيبين وهو فلان. فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين فأخبرته خبري. فقال: أقم عندي، فأقمت عنده، فوجدته على أمر صاحبيه، فأقمت مع خير رجل، فوالله ما لبث أن نزل به الموت، فلما حضر قلت له: إلى من توصي بي وبم تأمرني؟ قال: يا بني والله ما أعلم بقي أحد على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجل بعمورية من أرض الروم، فإنه على مثل ما نحن عليه، فلما مات غيب لحقت بصاحب عمورية فأخبرته خبري فقال: أقم عندي. فأقمت عند خير رجل على هدي أصحابه وأمرهم. قال: فاكتسبت حتى صار لي بقرات وغنيمة. قال: ثم نزل به أمر الله، فلما حضر قلت له: يا فلان إلى من توصي بي وبم تأمرني؟ قال: أي بني والله ما أعلم أصبح اليوم أحد من الناس على مثل ما كان عليه هولاء آمرك أن تأتيه. ولكنه قد أظل زمان نبي هو مبعوث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب، مهاجره إلى أرض بين حرتين بينهما نخل به علامات لا تخفي، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة. فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل. ثم مات وغيب، قال: ومكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث، ثم مر بي نفر من
[ ١١١ ]
"كلب"تجار، فقلت لهم: احملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه. قالوا: نعم. حتى إذا بلغوا وادي القرى ظلموني، فباعوني على رجل يهودي عبدا. فكنت عنده ورأيت النخل، فرجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي. فبينما أنا عنده، إذ قدم عليه ابن عم له من قريظة فابتاعني منه فاحتملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي، فأقمت بها وبعث رسول الله ﷺ وأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكر مما أنا فيه من شغل الرق. ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إني لفي رأس عذق لسيدي أعمل له بعض العمل، وسيدي جالس، إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال: يا فلان قاتل الله بني قيلة أي الأوس والخزرج وهم أهل المدينة والله إنهم لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعم أنه نبي. فلما سمعتها أخذتني العُرَواء أي الحمى فنزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه: ماذا تقول؟ فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة ثم قال: مالك ولهذا؟ أقبل على عملك. وقد كان عندي شيء قد جمعته، فلما أمسيت أخذته وذهبت به إلى رسول الله ﷺ وهو بقباء. فدخلت عليه فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا كان عندي للصدقة، فقربته إليه. فقال عظيم كلوا وأمسك يده، فلم يأكل. فقلت
[ ١١٢ ]
في نفسي: هذه واحدة. ثم انصرفت عنه فجمعت شيئآ، وتحول رسول الله عباله إلى المدينة، فجئته، فقلت: إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها، فأكل وأمر أصحابه فأكلوا معه منها. فقلت في نفسي: هاتان ثنتان. ثم جئت رسول الله ﷺ وهو ببقيع الغرقد، قد تبع جنازة أحد أصحابه، وهو جالس في أصحابه، فسلمت عليه، ثم استدرت أنظر إلى ظهره، هل أرى الذي وصف لي صاحبي. فلما رآني استدبرته، عرف أني أتتثبت في شيء وصف لي، فألقى رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فأكببت عليه أقبل، فبكى وأبكى. فقال لي لصلى الله عليه وسلم تحول، فتحولت فجلست بين يديه، فقصصت عليه حديثي.
أبو سفيان وهرقل:
عن ابن عباس ﵄ قال: حدثني أبو سفيان بن حرب من فيه إلى فيّ. قال: انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله ﷺ قال: فبينا أنا بالشام، إذ جيء بكتاب من النبي ﷺ إلى هرقل. قال: وكان دحية الكلبي جاء به فدفعه إلى عظيم بُصرى، فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل. فقال هرقل: هل ها هنا أحد من قوم هذا الرجل
[ ١١٣ ]
الذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفيان: فقلت: أنا، فأجلسوني بين يديه، وأجلسوا أصحابي خلفي، ثم دعا بترجمانه وقال: قل لهولاء: إني سائل عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، فإن كذبني فكذبوه. قال أبو سفيان: وأيم الله، لولا أن يؤثر علي الكذب لكذبته. ثم قال لترجمانه: سله كيف حسبه فيكم؟ قال قلت: هـ وفينا ذو حسب، قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، قال: فهل يتبعه أشراف الناس أو ضعفاوهم؟ قال: قلت: لا بل ضعفاوهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: لا بل يزيدون. قال: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ قال: قلت: لا. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قال: قلت: يكون الحرب بيننا وبينه سجالا، يصيب منا ونصيب منه، قال: فهل يغدر؟ قال: قلت: لا، ونحن منه في هذه المدة، لا ندري ما هو صانع فيها قال: والله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه قال: فهل قال هذا القول أحد قبله؟ قلت: لا. ثم قال لترجمانه: قل له: إني سألتك عن حسبه فيكم فزعمت أنه فيكم ذو حسب، وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها. وسألتك: هل كان من آبائه ملك؟ فزعمت أن لا، فقلت: لو كان من آبائه ملك، قلت: رجل يطلب ملك آبائه، وسألتك عن أتباعه:
[ ١١٤ ]
أضعفاؤهم أم أشرافهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم، وهم أتباع الرسل. وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا، فعرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب على الله. وسألتك: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ فزعمت أن لا، وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب، وسألتك: هل يزيدون أو ينقصون؟ فزعمت: أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم، وسألتك: هل قاتلتموه؟ فزعمت أنكم قاتلتموه، فتكون الحرب بينكم وبينه سجالا، ينال منكم وتنالون منه، وكذلك الرسل، تبتلى ثم تكون العاقبة لها. وسألتك: هل يغدر؟ فزعمت أنه لا يغدر، وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك هل قال هذا القول أحد قبله؟ فزعمت أن لا، فقلت: لو كان قال هذا القول أحد قبله، قلت رجل ائتم بقول قيل قبله. قال: ثم قال: بم يأمركم؟ قلنا بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف. قال: إن يك ما تقول حقا فإنه نبي. وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أك أظنه منكم، ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، وليبلغن ملكه ما تحت قدمي، ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين،
[ ١١٥ ]
فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين. ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده، وكثر اللغط، وأمر بنا فأخرجنا. قال: فقلت لأصحابى حين خرجنا لقد أمِر أمر ابن أبي كبشة، إنه ليخافه ملك بني الأصفر، فما زلت موقنا بأمر سول الله ﷺ أنه سيظهر، حتى أدخل الله علي الإسلام"، رواه البخاري ومسلم.
وزاد مسلم في رواية: وكان قيصر لما كشف الله عنه جنود فارس مشى من حمص إلى إيلياء، شكرا لما أبلاه الله فأدخلنا عليه، فإذا هو جالس في مجلس ملكه عليه التاج، وإذا حوله عظماء الروم.
وفي رواية للبخاري: ثم كتب هرقل إلى صاحب به برومية وكان نظيره في العلم وسار هرقل إلى حمص، فلم يِرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي وأنه نبي. فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له قصر بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم قال. يامعشر الروم هل لكم في الصلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت.
[ ١١٦ ]
فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من الإيمان قال: ردوهم علي. وقال: إني قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم فقد رأيت منكم الذي أحببت، فسجدوا له ورضوا عنه.
عبد الله بن سلام:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: بلغ عبد الله بن سلام مقدم رسول الله ﷺ المدينة، فأتاه وقال:"إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه؟ ومن أي شيء ينزع إلى أخواله؟ فقال رسول الله ﷺ: خبرني بهن آنفا جبريل، أما أول أشراط الساعة: فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب. وأما أول طعام يأكله أهل الجنة: فزيادة كبد حوت. وأما الشبه في الولد: فإن الرجل إذا غشي المرأة، فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبقت كان الشبه لها". قال: أشهد أنك رسول الله ﷺ ثم قال: يا رسول الله إن اليهود قوم بُهت، فإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك. فجاءت اليهود، ودخل عبد الله البيت. فقال رسول الله ﷺ: أي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا: أعلمنا وابن أعلمنا، وأخيرنا وابن أخيرنا. فقال رسول الله ﷺ: أفرأيتم إن أسلم عبد الله؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك زاد في رواية: فأعاد عليهم، فقالوا مثل ذلك قال: فخرج عبد الله إليهم
[ ١١٧ ]
فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، فقالوا: شرنا وابن شرنا. ووقعوا فيه زاد في رواية: قال ابن سلام: هذا الذي كنت أخافه يا رسول الله"، أخرجه البخاري.
قال تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ .
وهذا غيض من فيض، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ والحمد لله رب العالمين.
[ ١١٨ ]