قال الشيخ رحمة الله بن خليل الهندي في كتابه إظهار الحق١: اعلم أرشدك الله تعالى أنه لابد لكون الكتاب سماويا واجب التسليم:
- أن يثبت أولا بدليل تام أن هذا الكتاب كتب بوساطة النبي الفلاني.
- ووصل بعد ذلك إلينا بالسند المتصل، بلا تغيير ولا تبديل.
والاستناد إلى شخص ذي إلهام بمجرد الظن والوهم، لا يكفي لا إثبات أنه من تصنيف ذلك الشخص اهـ.
ونحن على ضوء هذه القاعدة سنرى مدى صحة الكتب المقدسة لدى أهل الكتاب. ولكن قبل ذلك أحب أن أذكر لمحة موجزة عن توثيق المسلمين لنصوصهم:
قسم علماء مصطلح الحديث يأتيهم عن رسول الله ﷺ إلى ثلاثة أقسام:
_________________
(١) ١ إظهار الحق طبعة المغرب ١/٥٦.
[ ٩ ]
١- الحديث الصحيح: وهو ما يرويه شخص من رجل أو امرأة عدل أي مسلم معروف بالثقة والأمانة ضابط لما يسمعه حفظا وفهما، أو كتابة وفهما عن مثله ممن عاصره وسمع منه. وسلم الحديث وسنده أي رجاله من شذوذ أو علة.
٢- الحديث الحسن: وهو ما اجتمعت فيه شروط الحديث الصحيح، بيد أن رواته أدنى ضبطا وحفظا من رواة الحديث الصحيح.
وكلاهما يؤخذ منه ويحتج به، غير أن الصحيح أقوى وأثبت.
٣- الحديث الضعيف: وهو ما اختل فيه شرط من الشروط السابقة، كأن يوجد فيه راو مجهول، أو كان فيه انقطاع في السند أو غير ذلك.
وهو غير صالح للاحتجاج به، ولا يؤخذ منه حكم.
وهذه المعلومات يحفظها صغار طلاب العلم.
والحديث الصحيح درجات في القوة بم فهناك أصح الأسانيد، وما اتفق عليه البخاري ومسلم، وغير ذلك. وأقوى الأحاديث هو المتواتر، وهو الذي يرويه ويتناقله جمع عظيم من الناس عن جمع عظيم آخر في كل جيل من الأجيال، بحيث يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب.
[ ١٠ ]
توثيق النص القرآني:
لقد انفرد القرآن الكريم من بين الكتب المقدسة التي سبقته بتوثيقه توثيقا مكينا وصل إلى الذروة. وهذا هو سر خلوده وأحد مفاتيح إعجازه.
كان النبي ﷺ دقيقا كل الدقة، وحريصا كل الحرص على كتابة القرآن، فكان له كتاب وحي يتلقفون ما ينزل عليه، فيكتبونه في وعي وإدراك، ودقة وإتقان.
وكان الصحابة ﵃ يتلقون هذا القرآن من فم النبي ﷺ ويتسابقون إلى حفظه، ويتبارزون في تلاوته، والنبي ﷺ بينهم يعرضون عليه ما حفظوا، ويسمعون منه تلاوة القرآن في الصلوات الجهرية وغيرها مع بيان أحكامه وكشف معانيه. وقد شارك النساء الرجال في هذه المنافسة والشرف العظيم.
وكان حفظ القرآن وكتابته يسيران جنبا إلى جنب، ليلتقي المكتوب بالمحفوظ، فكلاهما توثيق للآخر.
لقد كان الحفظة كثيرين جدا، قتل منهم في"بئر معونة"قرابة سبعين، وكتاب الوحي بلغ عددهم تسعة وعشرين كاتبا، منهم الخلفاء الخمسة الأوائل.
[ ١١ ]
وهكذا تواتر نقل القرآن حفظا وكتابة من جيل إلى جيل في مشارق الأرض ومغاربها حتى وصل إلينا مصونا من أي تحريف، منزها عن أي تغيير، سالما من أي نقص.
وما خوف أبي بكر وعمر ﵄ حين استحر القتل بالقراء يوم اليمامة، إلا من زيادة الحرص على القرآن وحفظه، لأن طريقة أدائه لا تتأتى إلا عن طريق التلقين والرواية.
ولا يشك أحد في أن محمدا ﷺ أتى به، وأخبر أن الله أوحى به إليه، وأن من اتبعه أخذه عنه حفظا وكتابة بشكل متواتر، ثم أخذ عنهم، حتى وصل إلينا.
[ ١٢ ]