الحمد لله الذي كرمنا بالإسلام، وأعزنا بالإيمان، وأنعم علينا بنبيه محمد ﷺ فهدانا من الضلال، وجمعنا من الشتات، وألف بين قلوبنا، فاهتدينا بهديه وسعدنا باتباعه، وأصبحنا بفضل الله إخوة متحابين متعاضدين
نحمد الله على هذه النعمة، ونسأله المزيد منها، والتوفيق فيها، والشكر عليها.
أما بعد فإن الله سبحانه خلق الخلق لعبادته، وهو غني عنهم. وحصر التكليف في الإنس والجن من مخلوقاته، لما ركبه فيهم من العقول. وجعل العقل بعد بلوغ الإنسان سن الرشد مناط التكليف. قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ سورة الذاريات ٥٦. ٥٧، ٥٨.
والعقل وحده كاف في الاستدلال على وجود الخالق ومعرفة بعض صفاته. بيد أنه قد يزيغ أو يغلب عليه الهوى، أو ما أشبه ذلك. لذا أرسل الله سبحانه الرسل إلى الناس، لئلا يكون لهم حجة على الله. أضف إلى ذلك أن الإنسان لا يمكن أن يصل بالعقل وحده إلى معرفة الأمور الغيبية، من وجود البعث بعد لموت والحشر والحساب والجنة والنار وغير ذلك. كما لا يمكنه أيضا أن يصل إلى الطريقة المثلي لعبادة الله. فاقتضت حكمة الله ورحمته أن يصطفي من البشر أناسا
[ ٣ ]
طيبين صالحين، عرفوا بالصدق والأخلاق ورجاحة العقل، وغير ذلك من الصفات الكريمة، ويجعلهم رسلا بينه وبين سائر خلقه. قال سبحانه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ سورة النساءء١٦٠، وجعل لكل أمة رسولا منهم خاصا بهم، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ وسورة الطور ٢٤، وقال ﷻ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ سورة النحل ٣٦.
والأنبياء جميعا يدعون إلى أصول مشتركة، لا تختلف في حقيقتها وجوهرها، ويبنون أحكامهم على أسس متناسقة. قال سبحانه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ سورة الشورى ١٣.
فالأصل والهدف واحد، أما تفاصيل الشرائع والأحكام وفروعها، فتختلف من أمة إلى أمة، بحسب اختلاف زمان الناس وأحوالهم واستعداداتهم، وما يحيط بهم من عوامل وملابسات. قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجا﴾ وسورة المائدة ٤٨. وقال سبحانه: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ سورة الحج ٣٤،. وقد استهدفت جميع الشرائع السماوية في عباداتها وتشريعاتها وأحكامها ما يحقق مصالح الناس في الدنيا، ويهيئهم للظفر بسعادة الآخرة، ويجلب لهم المصالح ويدفع عنهم المضار.
[ ٤ ]
وقد أخذ الله سبحانه عهدا على كل نبي أرسله أن يؤمن بمحمد خير خاتم الأنبياء، والرسل إلى الناس كافة، وأن يشر قومه به، وينعته لهم ببعض صفاته، وأن يأخذ عليهم العهد، لإن جاء وهم أحياء ليتبعنه وينصرنه. قال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشاهِدِينَ﴾ سورة اهـ عمران ٨١،. وهكذا توالت البشارات والعهود من نبي إلى نبي، ومن جيل إلى جيل بالنبي المنتظر خاتم الأنبياء والرسل، المرسل رحمة للعالمين. حتى إذا أظل زمانه تاقت قلوب الطيبين ونفوسهم للقائه والإيمان به ونصرته، فضربوا في الأرض يستقصون الأخبار.
وجاء النبي المنتظر مشتهى كل الأمم رحمة مهداة للعالمين. جاء أحمد ﷺ فسعد به أناس، وتنكب له متعنتون، فأظهره الله عليهم، ثم أظهر أمته من بعده على سائر الأ مم، وامتد دينه شرقا وغربا، تماما كما وصفه الله سبحانه في الكتب التي أنزلها على أنبياءئه السابقين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بيد أن التاريخ ما عرف فاتحا أرحم من المسلمين كما قال"غوستاف لوبون".
وقدر الله سبحانه لي أن أعيش في مدينة فيها نسبة من النصارى، وأن أعمل مدرسا في ثانوية تقع في حي كذلك. وكنت أظن أن الاحترام المتبادل هو السائد بيننا وبينهم، كما توحي بذلك ابتساماتهم وحلاوة الألفاظ التي يعطونها من طرف ألسنتهم. بيد أن الحقيقة بعكس ذلك تماما عند أكثرهم،.. وهالني ما رأيت من تصديهم للصغار في مواضيع
[ ٥ ]
حساسة للغاية تتعلق برسالة محمد ﷺ وصدقه، بقصد تشكيكهم في دينهم ولو أن قسا منهم اتصل بعالم من المسلمين بهدف البحث عن الحق كله لأكبرنا ذلك. ولكنهم قصروا دعوتهم للنصرانية على الصغار والحيارى، فركزوا عليهم، ووزعوا كتبهم المقدسة جهارا في الشوارع. وكنت ممن وزع عليهم الكتاب المقدس عندهم، والصادر عن المطبعة البولسية في فريحا بلبنان.
وبسبب الأسئلة التي كانت تنهال علي من طيبين وحائرين بدأت أطالع الكتب التي تبحث في مناظرة النصارى والرد عليهم مثل الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لا بن تيمية، وهداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى لابن القيم، وإظهار الحق للشيخ رحمة الله الهندي، وقصص الأنبياء لعبد الوهاب النجار، ومحاضرات في النصرانية لمحمد أبو زهرة إلى غيرما هنالك من الكتب القديمة والحديثة. كنت أقرأ وألخص وأضع عنوانا جزئيا لكل فكرة.
وشاء الله أن أرى نسخة من كتاب إنجيل برنابا في إحدى المكتبات، فاشتريته وفرحت به، وطالعته بدقة وشغف وأحصيت أماكن البشارات برسول الله ﷺ الموجودة فيه.
ثم شرعت أقرأ في كتبهم المقدسة، حتى التي تحتوي على الأحكام الشرعية لديهم مثل شرح التلمود. وعجبت لمن بيته من زجاج رقيق لا يكاد يحتمل الريح اللطيفة، كيف يرمي بالأحجار على القلاع والحصون؟ كان ذلك في أوائل السبعينيات من التاريخ الميلادي. وفي عام١٤٠٤ هـ ١٩٨٤ م كانت أسئلة كثير من طلاب الجامعة الإسلامية
[ ٦ ]
تحوم حول هذا الموضوع، فتذكرت عمل دعاة النصرانية في آسيا وأفريقية، ورأيت حاجة الطلاب إلى تلك المعلومات، فراجعت من الملخصات ما يقتصر على البشارات بالنبي المنتظر ﷺ وأعدت النظر فيها، وأضفت إليها شواهد إيضاحية. كم كنت أتمنى أن تكون تلك المصادر بجانبي لأزيد في بعض النصوص والشواهد من كتبهم ذاتها. ولكن قدر الله وما شاء فعل، فالحمد لله على كل حال.
وإني إذ أنشر هذه البشارات بالنبي محمد ﷺ، أعلم حق العلم أن نبوته ﷺ ليست مفتقرة إلى تلك الإثباتات أو الشهادات، ولكن ردا للحجر من حيث جاء، وإظهارا للحق، وليزداد الذين آمنوا إيمانا مع إيمانهم، والله ولي التوفيق. وصلى الله وسلم وبارك على خاتم الأنبياء محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين.
عبد الوهاب عبد السلام طويلة
المدينة المنورة ٢٥ من شهر ذي القعدة عام ١٤٠٤ هـ
[ ٧ ]