عن ابن عباس - ﵁ - قال: <يوم الخميس، وما يوم الخميس (١)، اشتدّ برسول اللَّه - ﷺ - وجعه، فقال: «ائتوني أكتب لكم كتابًا لن تضلّوا بعده أبدًا»، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي التنازع، [فقال بعضهم: إن رسول اللَّه - ﷺ - قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن حسبنا كتاب اللَّه،] [فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قرِّبوا يكتب لكم كتابًا لا تضلّوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك، فلما أكثروا
اللغو والاختلاف، قال رسول اللَّه - ﷺ -:» [قوموا]، وفي رواية: «دعوني، فالذي أنا فيه خير (٢) مما تدعونني إليه]، أوصيكم
بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد
بنحو ما كنت أجيزهم به» (٣)، وسكت عن الثالثة، أو قال
_________________
(١) يوم الخميس وما يوم الخميس؛ معناه: تفخيم أمره في الشدة والمكروه، والتعجب منه، وفي رواية في أواخر كتاب الجهاد عند البخاري: «ثم بكى حتى خضب دمعه الحصى»، وفي رواية لمسلم: «ثم جعلت تسيل دموعه حتى رأيتها على خديه » انظر: فتح الباري، ٨/ ١٣٢، وشرح النووي على صحيح مسلم.
(٢) المعنى: دعوني من النزاع والاختلاف الذي شرعتم فيه، فالذي أنا فيه من مراقبة اللَّه تعالى والتأهب للقائه، والفكر في ذلك خير مما أنتم فيه، أو فالذي أعانيه من كرامة اللَّه تعالى التي أعدها لي بعد فراق الدنيا، خير مما أنا فيه من الحياة .. وقيل غير ذلك. انظر: فتح الباري، ٨/ ١٣٤، وشرح النووي.
(٣) وأجيزوا الوفد: أي أعطوهم، والجائزة العطية، وهذا أمر منه - ﷺ - بإجازة الوفود، وضيافتهم، وإكرامهم، تطييبًا لنفوسهم، وترغيبًا لغيرهم من المؤلفة قلوبهم ونحوهم، وإعانة لهم على سفرهم. انظر: فتح الباري، ٧/ ١٣٥، وشرح النووي.
[ ٥٨ ]
فأنسيتها» (١)، قال ابن حجر - ﵀ -: «وأوصاهم بثلاث» أي في تلك الحالة، وهذا يدل على أن الذي أراد أن يكتبه - ﷺ - لم يكن أمرًا متحتمًا؛ لأنه لو كان مما أُمر بتبليغه لم يتركه لوقوع اختلافهم، ولعاقب اللَّه من حال بينه وبين تبليغه، ولبلَّغه لهم لفظًا، كما أوصاهم بإخراج المشركين وغير ذلك، وقد عاش بعد هذه المقالة أيامًا، وحفظوا عنه أشياء لفظًا، فيحتمل أن يكون مجموعها ما أراد أن يكتبه، واللَّه أعلم (٢).
والوصية الثالثة في هذا الحديث يحتمل أن تكون الوصية بالقرآن، أو الوصية بتنفيذ جيش أسامة - ﵁ -، أو الوصية بالصلاة وما ملكت الأيمان، أو الوصية بأن لا يتخذ قبره - ﷺ - وثنًا يُعبد من دون اللَّه، وقد ثبتت هذه الوصايا عنه - ﷺ - (٣).
وعن عبد اللَّه بن أبي أوْفَى - ﵁ - أنه سئل: هل أوصى رسول اللَّه - ﷺ -؟ قال: «أوصى بكتاب اللَّه - ﷿ -» (٤)، والمراد بالوصية بكتاب اللَّه: حفظه حسًّا ومعنى، فيُكرم ويُصان، ويُتّبع ما فيه: فيُعمل بأوامره،
_________________
(١) البخاري، برقم ٤٤٣١، و٤٤٣٢، ومسلم، برقم ١٦٣٧.
(٢) فتح الباري، ٨/ ١٣٤.
(٣) المرجع السابق، ٨/ ١٣٥.
(٤) مسلم، برقم ١٦٣٤، البخاري، برقم ٢٧٤٠، و٤٤٦٠، و٥٠٢٢.
[ ٥٩ ]
ويجتنب نواهيه، ويداوم على تلاوته وتعلمه وتعليمه ونحو
ذلك (١).
وقد أوصى - ﷺ - بكتاب اللَّه تعالى في مناسبات كثيرة، منها: أنه - ﷺ - أوصى به في خطبتيه في عرفات (٢)، وفي خطبته في منى (٣)، وعندما رجع من مكة في غدير خم، قال: < وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله في الهدى والنور، [هو حبل اللَّه، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة]، فخذوا بكتاب اللَّه، واستمسكوا به"، فحث على كتاب اللَّه، ورغب فيه، ثم قال: <وأهل بيتي، أذكركم اللَّه في أهل بيتي < ثلاث مرات (٤)، وأوصى بكتاب اللَّه تعالى عند موته - ﷺ - (٥).
وأمر ﵊ وأوصى بإنفاذ جيش أسامة - ﵁ -، وقد ذكر ابن حجر رحمه اللَّه تعالى: أن تجهيز جيش أسامة كان يوم
_________________
(١) الفتح، ٩/ ٦٧.
(٢) انظر: صحيح مسلم، الحديث رقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه.
(٣) انظر: صحيح مسلم، الحديث رقم ١٢٩٨، وتقدم تخريجه، ومستدرك الحاكم ١/ ٩٣ بلفظ: «إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا: كتاب اللَّه وسنة نبيه »، وتقدم تخريجه.
(٤) صحيح مسلم، برقم ٢٤٠٨.
(٥) انظر: صحيح البخاري، برقم ٢٧٤٠، و٤٤٦٠، و٥٠٢٢، وصحيح مسلم، برقم ١٦٣٤، ورقم ٢٤٠٨.
[ ٦٠ ]
السبت قبل موت النبي - ﷺ - بيومين، وكان ابتداء ذلك قبل مرض
النبي - ﷺ -، فندب الناس لغزو الروم في آخر صفر، ودعا أسامة وقال: «سر إلى موضع مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش »، فبدأ برسول اللَّه - ﷺ - وجعه في اليوم الثالث، فعقد لأسامة لواء بيده، فأخذه أسامة، وكان ممن انتدب مع أسامة كبار المهاجرين والأنصار، ثم اشتدّ برسول اللَّه - ﷺ - وجعه، فقال: «أنفذوا جيش أسامة»، فجهزه أبو بكر بعد أن استخلف، فسار عشرين ليلة إلى الجهة التي أمر بها، وقتل قاتل أبيه، ورجع الجيش سالمًا، وقد غنموا » (١).
وعن عبد اللَّه بن عمر - ﵁ - قال: بعث النبي - ﷺ - بعثًا، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد، فطعن بعض الناس في إمارته، فقال النبي - ﷺ -: «إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم اللَّه إن كان لخليقًا للإمارة (٢)، وإن كان لمن أحبِّ الناس إليَّ، وإنَّ هذا لمن أحبّ الناس إليَّ بعده» (٣)، وقد كان عُمْرُ أسامة - ﵁ - حين توفي النبي - ﷺ - ثمان عشرة سنة (٤).
_________________
(١) انظر: فتح الباري، ٨/ ١٥٢، وسيرة ابن هشام، ٤/ ٣٢٨.
(٢) خليقًا: حقيقًا بها. النووي، ١٥/ ٢٠٥.
(٣) البخاري، ٧/ ٨٦، برقم ٣٧٣٠، و٤٢٥٠، و٤٤٦٨، و٤٤٦٩، و٦٦٢٧، و٧١٨٧، ومسلم، برقم ٢٤٢٦.
(٤) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٥/ ٢٠٥.
[ ٦١ ]