عن عائشة - ﵂ - "أن رسول اللَّه - ﷺ - كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات (١)، وينفث، فلمّا اشتدّ وجعه [الذي توفي فيه] كنت أقرأ، [وفي رواية أنفث] عليه بهن، وأمسح بيده نفسه رجاء بركتها"، قال ابن شهاب: «ينفث على يديه ثم يمسح بهما وجهه» (٢). وفي صحيح مسلم قالت: «كان رسول اللَّه - ﷺ - إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات، فلما مرض مرضه الذي مات فيه، جَعلْتُ أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه؛ لأنها كانت أعظم بركة من يدي» (٣)، وعن عائشة - ﵂ - قالت: اجتمع نساء النبي - ﷺ - فلم يغادر منهن امرأة، فجاءت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشية رسول اللَّه - ﷺ -، فقال: «مرحبًا بابنتي»، فأجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم إنه أسرَّ إليها حديثًا فبكت فاطمة، ثم إنه سارّها فضحكت أيضًا، فقلتُ لها: ما يبكيك؟ فقالت: ما كنتُ لأفشي سرَّ رسول اللَّه - ﷺ -، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحًا أقرب من حُزْنٍ، فقلت حين بكت: أخصَّك
رسول اللَّه - ﷺ - بحديثه
_________________
(١) المراد بالمعوذات: قل هو اللَّه أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس. انظر: الفتح، ٨/ ١٣١، و٩/ ٦٢.
(٢) البخاري، برقم ٤٤٣٩، و٥٠١٦، و٥٧٣٥، و٥٧٥١، ومسلم، برقم ٢١٩٢، وكان يفعل ذلك - ﷺ - أيضًا إذا أوى إلى فراشه "فيقرأ بقل هو اللَّه أحد، وبالمعوذتين جميعًا ثم يمسح يهما وجهه وما بلغت من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات"، البخاري، برقم ٥٧٤٨.
(٣) مسلم، برقم ٢١٩٢.
[ ٥٠ ]
دوننا ثم تبكين؟ وسألتها عما قال: فقالت: ما كنت لأفشي سرَّ رسول اللَّه - ﷺ -، فلما توفي رسول اللَّه - ﷺ - قلت: عزمتُ عليك بما لي عليك من الحق لما حدثتيني ما قال لك رسول اللَّه - ﷺ -؟ فقالت: أما الآن فنعم: أما حين سارَّني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل كان يعارضه القرآن كل عام مرة، وإنه عارضه به في العام مرتين ولا أُراني (١) إلا قد حضر أجلي، فاتقي اللَّه واصبري، فإنه نعم السلف أنا لك، قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت، فلما رأى جزعي سارني الثانية فقال: «يا فاطمة، أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة»؟ قالت: فضحكت ضحكي الذي رأيت» (٢)، وفي رواية: «فأخبرني أني أول من يتبعه من أهله فضحكت» (٣).
وسبب ضحكها - ﵂ - أنها سيدة نساء المؤمنين، وأول من يلحق به من أهله، وسبب الكباء أنه أخبرها بموته - ﷺ -، قال ابن حجر رحمه اللَّه تعالى: «وروى النسائي في سبب الضحك الأمرين» (٤)، أي بشارتها بأنها سيدة نساء هذه الأمة، وكونها أول من يلحق به من أهله. وقد اتفقوا على أن فاطمة - ﵂ - أول من مات من أهل بيت
_________________
(١) أي لا أظن.
(٢) البخاري، برقم ٤٤٣٣، و٤٤٣٤، ومسلم، برقم ٢٤٥٠، واللفظ لمسلم.
(٣) البخاري، برقم ٤٤٣٣، و٤٤٣٤، ومسلم، برقم ٢٤٥٠.
(٤) انظر: فتح الباري، ٨/ ١٣٨.
[ ٥١ ]
النبي - ﷺ - بعده، حتى من أزواجه (١).
وعن عائشة - ﵂ - قالت: «ما رأيتُ أحدًا أشدَّ عليه الوجع (٢) من رسول اللَّه - ﷺ -» (٣).
وعن عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ - قال: دخلت على رسول اللَّه - ﷺ - وهو يوعك (٤)، فمسسته بيدي فقلت: يا رسول اللَّه إنك توعك وعكًا شديدًا، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «أجلْ، إني أُوعك كما يوعك رَجُلان منكم»، قال: فقلت: ذلك أن لك أجرين؟ فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «أجل ذلك كذلك ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه [شوكة فما فوقها] إلا حطَّ اللَّه بها سيئاته كما تحطُّ الشجرة ورقها» (٥).
وعن عائشة، وعبد اللَّه بن عباس - ﵃ - قالا: لمَّا نُزِلَ (٦) برسول
اللَّه
_________________
(١) انظر: فتح الباري، ٨/ ١٣٦.
(٢) المراد بالوجع: المرض، والعرب تسمي كل مرض وجعًا. انظر: الفتح، ١٠/ ١١١، وشرح النووي، ١٦/ ٣٦٣.
(٣) البخاري، برقم ٥٦٤٦، ومسلم، برقم ٢٥٧٠.
(٤) يوعك: قيل: الحمى، وقيل: ألمها، وقيل: إرعادها الموعوك، وتحريكها إياه. الفتح، ١٠/ ١١١.
(٥) البخاري مع الفتح، ١٠/ ١١١ برقم ٥٦٤٧، و٥٦٤٨، و٥٦٦٠، و٥٦٦١، و٥٦٦٧، ومسلم، ٤/ ١٩٩١، برقم ٢٥٧١، واللفظ له إلا ما بين المعقوفين.
(٦) نُزِل: أي لما حضرت المنية والوفاة. انظر: شرح السنوسي على صحيح مسلم بهامش الأبي، ٢/ ٤٢٥، وفتح الباري، ١/ ٥٣٢.
[ ٥٢ ]
- ﷺ - طفق (١) يطرح خميصة (٢) له على وجهه، فإذا اغتم (٣) كشفها عن وجهه، وهو كذلك يقول: «لعنة اللَّه على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يُحذِّرُ ما صنعوا (٤).
وعن عائشة - ﵂ - أنهم تذاكروا عند رسول اللَّه - ﷺ - في مرضه، فذكرت أمُّ سلمة، وأمُّ حبيبة كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا، وصوَّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند اللَّه يوم القيامة» (٥).
وعن عائشة - ﵂ - أيضًا قالت: «قال رسول اللَّه - ﷺ - في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن اللَّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» قالت: فلولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أني أخشى أن يُتخذ مسجدًا» (٦).
_________________
(١) طفق: أي شرع، وجعل، انظر: شرح النووي، ٥/ ١٦، وشرح الأبي، ٢/ ٤٢٥، حاشية السنوسي، وفتح الباري، ١/ ٥٣٢.
(٢) خميصة: كساء له أعلام.
(٣) اغتم: تسخن بالخميصة، وأخذ بنفسه من شدة الحرارة.
(٤) البخاري مع الفتح، ٨/ ١٤٠، برقم ٤٤٤٣، و٤٤٤٤، ومسلم، برقم ٥٣١.
(٥) البخاري، برقم ٤٢٧، و٤٣٤، و١٣٤١، و٣٨٧٨، ومسلم، برقم ٥٢٨.
(٦) البخاري، برقم ٤٣٥، و١٣٣٠، و١٣٩٠، و٣٤٥٣، و٤٤٤١، و٤٤٤٣، ٥٨١٥، ومسلم، برقم ٥٢٩، ولفظ مسلم: «غير أنه خُشِيَ»، وعند البخاري، برقم ١٣٩٠: «غير أنه خَشِيَ أو خُشِيَ».
[ ٥٣ ]