عن عائشة - ﵂ - قالت: كان رسول اللَّه - ﷺ - كلما كان ليلتها من رسول اللَّه - ﷺ - يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: «السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين، وآتاكم ما توعدون، غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون، اللَّهم اغفر لأهل بقيع الغرقد» (١)، وفي رواية أنه قال - ﷺ -: «فإن جبريل أتاني .. فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع، فتستغفر لهم»، قالت عائشة: يا رسول اللَّه، كيف أقول لهم؟ قال: «قولي: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم اللَّه المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون» (٢).
وقد ذكر الإمام الأبي رحمه اللَّه تعالى أن خروجه هذا كان في آخر عمره - ﷺ - (٣)، وهذا -واللَّه أعلم- يدل على توديعه للأموات، كما فعل مع شهداء أحد؛ ولهذا -واللَّه أعلم- كان يخرج في الليل، ويقف في البقيع يدعو لهم، كما قالت عائشة - ﵂ -: «ثم انطلقت على إثره، حتى جاء البقيع فقام، فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات
_________________
(١) البقيع: هو مدفن أهل المدينة، وسمي بقيع الغرقد، لغرقد كان فيه، وهو ما عظم من العوسج. انظر: شرح النووي، ٧/ ٤٦، وشرح الأبي على مسلم، ٣/ ٣٩٠.
(٢) أخرجه مسلم، برقم ٩٧٤.
(٣) انظر: شرح الأبي على صحيح مسلم، ٣/ ٣٨٨، وفتح الباري، ٧/ ٣٤٩.
[ ٣٥ ]
ثم انحرف » (١).
وعن عقبة بن عامر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - خرج يومًا فصلى على قتلى أُحد صلاة الميت (٢) بعد ثماني سنين، كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع على المنبر، فقال: «إني بين أيديكم فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإن موعدكم الحوض، وإني واللَّه لأنظر إلى حوضي الآن مقامي هذا، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض، وإني واللَّه ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي (٣)، ولكني أخاف عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها، [وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم]، قال عقبة: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول اللَّه - ﷺ -[على المنبر]» (٤).
فتوديعه - ﷺ - للأحياء ظاهر؛ لأن سياق الأحاديث يُشعر أن ذلك كان آخر حياته - ﷺ -، وأما توديعه للأموات، فباستغفاره لأهل البقيع،
_________________
(١) مسلم، برقم ٩٧٤.
(٢) الأحاديث الصحيحة، دلت أن شهداء المعركة لا يصلى عليهم، أما هذا الحديث فكأنه - ﷺ - دعا لهم واستغفر لهم حين علم قرب أجله مودعًا لهم بذلك، كما ودع أهل البقيع بالاستغفار لهم، انظر: فتح الباري، ٣/ ٢١٠، و٧/ ٣٤٩، ورجح ذلك العلامة ابن باز في تعليقه على فتح الباري، ٦/ ٦١١.
(٣) أي: لا أخاف على مجموعكم؛ لأن الشرك قد وقع من بعض أمته بعده - ﷺ -. فتح الباري، ٣/ ٢١١.
(٤) البخاري، والألفاظ مجموعة من جميع المواضع، برقم ١٣٤٤، و٣٥٩٦، و٤٠٤٢، و٤٠٨٥، و٦٤٢٦، و٦٥٩٠، ومسلم، برقم ٢٢٩٦، وما بين المعقوفين من صحيح مسلم.
[ ٣٦ ]