رجع - ﷺ - من حجة الوداع في ذي الحجة، فأقام بالمدينة بقية الشهر، والمحرم، وصفرًا، وجهز جيش أسامة بن زيد - ﵁ -، فبينما الناس على ذلك ابتدأ رسول اللَّه - ﷺ - بشكواه في ليال بقين من صفر: قيل في الثاني والعشرين منه، وقيل: في التاسع والعشرين، وقيل: بل في أول شهر ربيع الأول، وقد صلى على شهداء أحد، فدعا لهم كما تقدم، وذهب إلى أهل البقيع، وسلّم عليهم، ودعا لهم مودعًا لهم، ثم رجع مرة من البقيع، فوجد عائشة وهي تشتكي من صداع برأسها، وهي تقول: وارأساه. فقال: «بل أنا واللَّه يا عائشة وارأساه»، قالت عائشة - ﵂ -: ثم قال: «وما ضرَّكِ لو متِّ قبلي، فقمت عليك وكفنتك، وصلّيت عليك، ودفنتك» قالت: قلت: واللَّه لكأني بك لو قد فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي، فأعرست ببعض نسائك، قالت: «فتبسَّم رسول اللَّه - ﷺ -» (١)، وتتامّ به وجعه حتى استعزبه (٢)، وهو في بيت ميمونة، فدعا نساءه فاستأذنهنّ أن يمرض في بيتي (٣).
_________________
(١) ابن هشام بسند ابن إسحاق، انظر: سيرة ابن هشام، ٤/ ٣٢٠، وانظر: البداية والنهاية لابن كثير، ٥/ ٢٢٤، وفتح الباري، ٨/ ١٢٩ - ١٣٠، وأخرجه أحمد، ٦/ ١٤٤، و٢٢٨، وابن ماجه، والبيهقي، وقال الألباني: إن ابن إسحاق قد صرح بالتحديث في رواية ابن هشام فثبت الحديث والحمد للَّه. أحكام الجنائز، ص ٥٠.
(٢) استعزبه: اشتد عليه، وغلبه على نفسه.
(٣) انظر: سيرة ابن هشام، ٤/ ٣٢٠، والبداية والنهاية لا بن كثير، ٥/ ٢٢٣ - ٢٣١، وقيل: كان ذلك في التاسع والعشرين من شهر صفر يوم الأربعاء، فبقي في مرضه ثلاثة عشر يومًا وهذا قول الأكثر. انظر: الفتح، ٨/ ١٢٩.
[ ٣٨ ]
وأول ما اشتدَّ برسول اللَّه - ﷺ - وجعه في بيت ميمونة - ﵂ -، فاستأذن أزواجه أن يمرض في بيت عائشة - ﵂ - (١)، فعن عائشة - ﵂ - قالت: لما ثقل رسول اللَّه - ﷺ -، واشتدَّ به وجعه، استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي، فأذنَّ له، فخرج وهو بين رجلين تخطُّ رجلاه في الأرض بين عباس بن عبد المطلب وبين رجل آخر (٢)، وكانت عائشة - ﵂ - تحدث أن رسول اللَّه - ﷺ - لما دخل بيتي واشتدّ به وجعه، قال: «هَرِيقوا (٣) عليَّ من سبع قرب (٤) لم تُحْلَلْ أوكيتهن لعلي أعهد (٥) إلى الناس، فأجلسناه في مِخضَب (٦) لحفصة زوج النبي
- ﷺ -، ثم طفقنا (٧) نصبُّ عليه من تلك القرب، حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن، ثم
_________________
(١) صحيح مسلم، برقم ٤١٨، وانظر: فتح الباري ٨/ ١٢٩.
(٢) هو علي بن أبي طالب - ﵁ - كما قال ابن عباس في آخر حديث البخاري، برقم ٦٨٧، ومسلم، برقم ٤١٨.
(٣) وفي رواية: أهريقوا: أي أريقوا وصبوا. الفتح، ١/ ٣٠٣.
(٤) هذا من باب التداوي؛ لأن لعدد السبع دخولًا في كثير من أمور الشريعة، وأصل الخلقة، وفي رواية لهذا الحديث عند الطبراني: « من آبار شتى» ١/ ٣٠٣ و٨/ ١٤١.
(٥) أعهد: أي أوصي. الفتح، ١/ ٣٠٣.
(٦) المخضب: هو إناء نحو المركن الذي يغسل فيه، وتغسل فيه الثياب من أي جنس كان. النووي، ٤/ ٣٧٩، والفتح، ١/ ٣٠١، و٣٠٣.
(٧) طفقنا: أي شرعنا: يقال: طفق يفعل كذا إذا شرع في فعل واستمر فيه. الفتح، ٣/ ٣٠٣.
[ ٣٩ ]
خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم» (١).
وعنها - ﵂ - قالت: «ثقل رسول اللَّه - ﷺ - فقال: «أصلى الناس؟» قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول اللَّه! قال: «ضعوا لي ماء في المخضب»، قالت: ففعلنا، فاغتسل فذهب لينوءَ (٢) فأُغمي عليه، ثم أفاق فقال - ﷺ -: «أصلى الناس؟» قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول اللَّه! فقال: «ضعوا لي ماء في المخضب» قالت: ففعلنا [فقعد] فاغتسل. ثم ذهب لينوء فأُغمي عليه، ثم أفاق فقال: «أصلى الناس»؟ فقلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول اللَّه! فقال: «ضعوا لي ماء في المخضب»، ففعلنا [فقعد] فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأُغمي عليه، ثم أفاق فقال: «أصلى الناس؟» فقلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول اللَّه! قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون النبي - ﷺ - لصلاة العشاء الآخرة، قالت: فأرسل رسول اللَّه - ﷺ - إلى أبي بكر؛ ليصلي بالناس، فأتاه الرسول (٣) فقال: إن رسول اللَّه - ﷺ - يأمرك أن تصلي بالناس، فقال أبو بكر - وكان رجلًا رقيقًا - يا عمر! صلِّ بالناس، فقال له عمر: أنت أحقُّ بذلك، قالت: فصلَّى بهم أبو بكر تلك الأيام، ثم إن رسول اللَّه - ﷺ -
_________________
(١) البخاري، برقم ١٩٨ وذكر هنا له ستة عشر موضعًا، وقد جمع بين هذه المواضع الألباني في مختصر البخاري، ١/ ١٧٠، ومسلم، برقم ٤١٨.
(٢) لينوء: أي لينهض بجهد. الفتح، ٢/ ١٧٤.
(٣) أي الذي أرسله إليه النبي - ﷺ - ليصلي بالناس.
[ ٤٠ ]
وجد من نفسه خِفَّة فخرج بين رجلين - أحدهما العباس (١) - لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه النبي - ﷺ - بأن لا يتأخر، وقال لهما: «أجلساني إلى جنبه»، فأجلساه إلى جنب أبي بكر، فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم يأتم بصلاة النبي - ﷺ -، والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي - ﷺ - قاعد» (٢)، وهذا صريح في أن هذه الصلاة هي صلاة الظهر (٣)، وقد كان - ﷺ - حريصًا على أن يكون أبو بكر هو الإمام، وردد الأمر بذلك مرارًا، فعن عائشة - ﵂ - قالت: لما ثَقُل
رسول اللَّه - ﷺ - جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: «مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس»، فقلت: يا رسول اللَّه
_________________
(١) والآخر علي - ﵁ - كما تقدم.
(٢) البخاري، برقم ٦٨٧، ومسلم، برقم ٤١٨ وقد اخترت بعض الألفاظ من البخاري، وبعضها من مسلم.
(٣) وزعم بعضهم أنها الصبح، واستدل برواية أرقم بن شرحبيل عن ابن عباس: «وأخذ رسول اللَّه - ﷺ - القراءة من حيث بلغ أبو بكر، وهذا لفظ ابن ماجه، وإسناده حسن؛ لكن في الاستدلال به نظر؛ لاحتمال أن يكون - ﷺ - سمع لما قرب من أبي بكر الآية التي انتهى إليها أبو بكر خاصة، وقد كان هو يسمع الآية أحيانًا في الصلاة السرية، كما في حديث أبي قتادة، ثم لو سلم لم يكن فيه دليل على أنها الصبح، بل يحتمل أن تكون المغرب، فقد ثبت في الصحيحين من حديث أم الفضل قالت: <سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفًا، ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه اللَّه"، البخاري، برقم ٧٦٣، و٤٤٢٩، ومسلم، برقم ٤٦٢، قال ابن حجر: لكن وجدت في النسائي أن هذه الصلاة التي ذكرتها أم الفضل كانت في بيته، وقد صرح الشافعي أنه - ﷺ - لم يصلِّ بالناس في مرض موته في المسجد إلا مرة واحدة، وهي هذه التي صلى فيها قاعدًا، وكان أبو بكر فيها أولًا إمامًا، ثم صار مأمومًا، يسمع الناس التكبير. انظر: الفتح، ٢/ ١٧٥.
[ ٤١ ]
إن أبا بكر رجل أسيف (١)، وإنه متى يقم مقامك لا يُسمع الناس، فلو أمرت عمر؟ فقال: «مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس»، قالت: فقلت لحفصة: قولي له إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقم مقامك لا يُسمع الناس، فلو أمرت عمر، فقالت له: فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «إنكنَّ لأنتنَّ صواحبُ يوسف، مُروا أبا بكر فليصلِّ بالناس»، فقالت حفصة لعائشة: [ما كنت لأصيب منك خيرًا]، قالت عائشة: فأمروا أبا بكر يصلي بالناس، فلما دخل في الصلاة وجد رسول اللَّه - ﷺ - من نفسه خِفَّة، فقام يهادى بين رجلين، ورجلاه تخطّان في الأرض، حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حسّه ذهب يتأخر، فأومأ إليه رسول اللَّه - ﷺ -: «قم مكانك»، فجاء رسول اللَّه - ﷺ - حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان رسول اللَّه - ﷺ - يصلي بالناس جالسًا، وأبو بكر قائمًا يقتدي أبو بكر بصلاة النبي - ﷺ - ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر» (٢).
والسبب الذي جعل عائشة - ﵂ - تراجع النبي - ﷺ - في إمامة أبي بكر بالصلاة هو ما بيَّنَتْه في رواية أخرى، قالت - ﵂ -: «لقد راجعت رسول
اللَّه - ﷺ - في ذلك، وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في
_________________
(١) أسيف: شديد الحزن: والمراد أنه رقيق القلب إذا قرأ غلبه البكاء، فلا يقدر على القراءة. فتح، ٢/ ١٥٢، و١٦٥، و٢٠٣.
(٢) البخاري، برقم ٧١٣، ٢/ ٢٠٤ ومسلم، برقم ٤١٨، وقول حفصة - ﵂ -: ما كنت لأصيب منك خيرًا. البخاري، برقم ٦٧٩.
[ ٤٢ ]
قلبي أن يحب الناس بعده رجلًا قام مقامه أبدًا، ولا كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به، فأردت أن يعدل ذلك رسول اللَّه - ﷺ - عن أبي بكر» (١)؛ ولهذا قال - ﷺ - لها ولحفصة: «إنكن لأنتن صواحب يوسف» (٢).
قال ابن كثير رحمه اللَّه تعالى: «وتقديمه - ﷺ - لأبي بكر معلوم بالضرورة من دين الإسلام، وتقديمه له دليل على أنه أعلم الصحابة، وأقرؤهم لما ثبت في الصحيح: «يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب اللَّه ..» (٣) الحديث. نعم قد اجتمعت في أبي بكر هذه الصفات - ﵁ - (٤).
وخلاصة القول: إن الدروس والفوائد والعبر في هذا المبحث كثيرة، ومنها: