الأمور؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١).
٢ - أن النبي - ﷺ - أحسن الناس خَلْقًا، وخُلُقًا، وألينهم كفًّا، وأطيبهم ريحًا، وأكملهم عقلًا، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم باللَّه، وأشدهم له خشية (٢)، وأشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسنهم قضاء، وأسمحهم معاملة، وأكثرهم اجتهادًا في طاعة ربه، وأصبرهم وأقواهم تحمّلًا، وأشدّهم حياءً، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها، ولكنه إذا انتُهِكت حرمات اللَّه، فإنه ينتقم للَّه تعالى، وإذا غضب للَّه لم يقم لغضبه أحد، والقوي، والضعيف، والقريب، والبعيد، والشريف، وغيره عنده في الحق سواء، وما عاب طعامًا قطُّ إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ويأكل من الطعام المباح ما تيسَّر، ولا يتكلَّف في ذلك، ويقبل الهدية، ويكافئ عليها، ويخصف نعليه، ويرقّع ثوبه، ويخدم في مهنة أهله، ويحلِبُ شاته، ويخدِمُ نفسه، وكان أشدَّ الناس تواضعًا، ويجيب الداعي: من غني أو فقير، أو دنيء أو شريف، وكان يحب المساكين، ويشهد جنائزهم، ويعود مرضاهم، ولا
يحقر
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٢١.
(٢) ولهذا قال عبد اللَّه بن الشَّخِّير: أتيت رسول اللَّه - ﷺ - وهو يصلي ولجوفه أزيزٌ كأزيز المِرجل من البكاء، أبو داود،، برقم ٩٠٤، وصححه الألباني في مختصر الشمائل، برقم ٢٧٦، ومعنى: أزير المرجل: أي غليان القدر.
[ ١٦ ]
فقير لفقره، ولا يهاب مَلكًا لملكه، وكان يركب الفرس، والبعير، والحمار، والبغلة، ويُردف خلفه، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه (١)، وخاتمه فضة، وفصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن، وربما يلبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه اللَّه مفاتيح خزائن الأرض، ولكنه اختار الآخرة، وكان يُكثر الذكر، دائم الفكر، ويُقلّ اللغو، ويُطيل الصلاة، ويُقصر الخطبة، ويُحبّ الطيب، ولا يردّه، ويكره الروائح الكريهة، وكان أكثر الناس تبسمًا، وضحك في أوقات حتى بدت نواجذه (٢)، ويمزح ولا يقول إلا حقًّا، ولا يجفو أحدًا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشرب ثلاثًا خارج الإناء، ويتكلّم بجوامع الكلم، وإذا تكلّم تكلَّم بكلام بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثًا إذا لم تفهم حتى تُفهم عنه، ولا يتكلم من غير حاجة، وقد جمع اللَّه له مكارم الأخلاق، ومحاسن الأفعال، فكانت معاتبته تعريضًا، وكان يأمر بالرفق، ويحثّ عليه، وينهى عن العنف، ويحثّ على العفو والصّفح، والحلم، والأناة، وحسن الخلق، ومكارم الأخلاق، وكان يحب
_________________
(١) أحمد ٣/ ٣٩٨، وابن ماجه، برقم ٢٤٦، والحاكم، ٤/ ٤٨١، وابن حبان (موارد)، ٢٠٩٩، وانظر: الأحاديث الصحيحة، برقم ١٥٥٧.
(٢) النواجذ: الأنياب، وقيل: [هي الضواحك، وهي التي تبدو عند الضحك] النهاية، ٥/ ٢٠ ..
[ ١٧ ]
التيمّن في طهوره، وتنعُّله، وترجُّله، وفي شأنه كله، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وإذا اضطجع اضطجع على جنبه الأيمن، ووضع كفه اليمنى تحته خده الأيمن، وإذا عرَّس (١) قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، وكان مجلسه: مجلس علم، وحلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرمات، يتفاضلون في مجلسه بالتقوى، ويتواضعون، ويُوقِّرون الكبار، ويرحَمُون الصغار، ويُؤثرون المحتاج، ويخرجون دعاة إلى الخير، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته. ومر على الصبيان يلعبون، فسلَّم عليهم، وكان لا يصافح النساء غير المحارم، وكان يتألّف أصحابه، ويتفقدهم، ويُكرم كريم كلّ قومٍ، ويُقبل بوجهه وحديثه على من يُحدثه، حتى على أشرِّ القوم يتألّفهم بذلك، ولم يكن فاحشًا، ولا متفحشًا، ولا صخَّابًا (٢)، ولا يجزي بالسيئة
السيئة؛ بل يعفو، ويصفح، ويحلم، ولم يضرب خادمًا، ولا امرأة، ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد
_________________
(١) التعريس: نزول المسافر آخر الليل نزلةً للنوم والاستراحة. انظر: النهاية في غريب الحديث، ٣/ ٢٠٦.
(٢) الصّخَّاب: الصخب والسخب: الضجة، واضطراب الأصوات للخصام، فهو - ﷺ - لم يكن صخَّابًا في الأسواق، ولا في غيرها. النهاية، ٣/ ١٤.
[ ١٨ ]
في سبيل اللَّه تعالى، وما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا، كان أبعد الناس عنه.
وقد جمع اللَّه له كمال الأخلاق، ومحاسن الشيم، وآتاه من العلم والفضل، وما فيه النجاة، والفوز، والسعادة في الدنيا والآخرة، ما لم يُؤتِ أحدًا من العالمين، وهو أمّيٌّ لا يقرأ، ولا يكتب، ولا معلِّمَ له من البشر، واختاره اللَّه على جميع الأولين والآخرين، وجعل دينه للجن والناس أجمعين إلى يوم الدين، فصلوات اللَّه، وسلامه عليه، صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين؛ فإن خلقه كان القرآن.
فينبغي الاقتداء به - ﷺ -، والتأسّي به في جميع أعماله، وأقواله، وجدِّه واجتهاده، وجهاده، وزهده، وورعه، وصدقه وإخلاصه، إلا في ما كان خاصًّا به، أو ما لا يُقدر على فعله؛ لقوله - ﷺ -: «خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإنّ اللَّه لا يملّ حتى تملّوا (١» (٢)؛ ولقوله - ﷺ -: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» (٣).
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) انظر: تهذيب السيرة النبوية للإمام النووي، ص ٥٦، ومختصر السيرة النبوية للحافظ عبد الغني المقدسي، ص ٧٧، وحقوق المصطفى للقاضي عياض، ١/ ٧٧ - ٢١٥، ومختصر الشمائل المحمدية للترمذي، ص ١١٢ - ١٨٨.
(٣) البخاري، برقم ٧٢٨٨، ومسلم، برقم ٢٦١٩.
[ ١٩ ]