ليس المقصود من جمع شمائله ﷺ مجرّد معرفة علم تاريخيّ تميل إليه النّفوس، وتجنح إليه القلوب، ويتحدّث به في المجالس، ويستشهد به على المقاصد، ونحو ذلك من الفوائد.
وإنّما المقصود من جمع شمائله ﷺ فوائد أخرى مهمّة في الدّين.
منها: التّلذّذ بصفاته العليّة وشمائله الرّضيّة ﷺ.
ومنها: التّقرّب إليه ﷺ، واستجلاب محبّته ورضاه بذكر أوصافه الكاملة وأخلاقه الفاضلة، كما يتقرّب الشّاعر إلى الكريم بذكر أوصافه الجميلة، وخصاله النّبيلة.
ولا شكّ أنّ جمع شمائله ﷺ ونشرها.. هو أفضل وأكمل من مدحه بالقصائد، وقد رضي عمّن مدحه بها ك: حسّان، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن زهير رضي الله تعالى عنهم، وكافأهم على ذلك.
[ ٤١ ]
فلا شكّ أنّه يرضى عمّن يعتني بجمع شمائله ونشرها ﷺ.
ومنها: تعرّضنا لمكافأته ﷺ على إحسانه إلينا، وإنقاذه إيّانا من ظلمات الضّلال إلى أنوار الهدى، ومن الشّقاوة الأبديّة إلى السّعادة السّرمديّة، وهذه نعمة كبرى لا تمكن مقابلتها بشيء، ولا يقدر على مكافأته عليها إلّا الله تعالى.
فجزاه الله تعالى عنّا أفضل ما جزى به مرسلا عمّن أرسل إليه، فإنّه أنقذنا به من الهلكة «١»، وجعلنا من خير أمّة أخرجت للنّاس، دائنين بدينه الّذي ارتضى واصطفى به ملائكته، ومن أنعم عليه من خلقه، فلم تمس بنا نعمة ظهرت ولا بطنت نلنا بها حظّا في دين ودنيا، أو رفع بها عنّا مكروه فيهما، أو في أحد منهما.. إلّا ومحمّد ﷺ سببها القائد إلى خيرها، والهادي إلى رشدها.
وهذه العبارة من قوله: (.. فجزاه الله إلى اخرها) عبارة إمامنا الشّافعيّ رضي الله تعالى عنه نقلتها من «رسالته» «٢» الّتي رواها عنه صاحبه الرّبيع بن سليمان رحمه الله تعالى.
ومنها: أنّ معرفة شمائله الشّريفة تستدعي محبّته ﷺ؛ لأنّ الإنسان مجبول على حبّ الصّفات الجميلة ومن اتّصف بها، ولا أجمل ولا أكمل من صفاته ﷺ.
_________________
(١) أي: الهلاك، وهو ظلمة الكفر.
(٢) المسماة ب «الرسالة» وهي في أصول الفقه.
[ ٤٢ ]
فلا شكّ أنّ من يطّلع عليها ولم يكن مطبوعا على قلبه بطابع الضّلال.. يحبّ صاحبها ﷺ بيقين، وبمقدار زيادة محبّته ونقصها تكون زيادة الإيمان ونقصه، بل رضا الله تعالى والسّعادة الأبديّة، ونعيم أهل الجنّة ودرجاتهم فيها، جميع ذلك يكون بمقدار محبّة العبد له ﷺ زيادة ونقصا، كما أنّ سخط الله تعالى، والشّقاوة الأبديّة وعذاب أهل النّار ودركاتهم فيها.. يكون بمقدار بغضه ﷺ، زيادة ونقصا.
ومنها: اتّباعه والاقتداء به لمن وفّقه الله تعالى فيما يمكن به الاقتداء؛ كسخائه وحلمه، وتواضعه، وزهده، وعبادته، وغيرها من مكارم أخلاقه، وشرائف أحواله ﷺ، وذلك مستوجب لمحبّة الله تعالى الّتي فيها سعادة الدّارين.
قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ال عمران: ٣١] .
جعلنا الله تعالى من المتّبعين له ﷺ في شرعه القويم، وصراطه المستقيم، وحشرنا تحت لوائه، في زمرة أهل محبّته، عليه وعليهم الصّلاة والتّسليم.
[ ٤٣ ]
الباب الأوّل
في نسب رسول الله ﷺ وأسمائه الشّريفة وفيه فصلان
[ ٤٥ ]