قال في «المواهب»: (اعلم أنّ من تمام الإيمان به ﷺ.. الإيمان بأنّ الله تعالى جعل خلق بدنه الشّريف على وجه لم يظهر قبله ولا بعده خلق ادميّ مثله.
ولله درّ الأبو صيريّ «١» حيث قال:
فهو الّذي تمّ معناه وصورته ثمّ اصطفاه حبيبا بارئ النّسم
منزّه عن شريك في محاسنه فجوهر الحسن فيه غير منقسم
وقد حكى القرطبيّ رحمه الله تعالى في (كتاب الصّلاة)، أنّه قال:
لم يظهر لنا تمام حسنه ﷺ؛ لأنّه لو ظهر لنا تمام حسنه.. لما طاقت أعيننا رؤيته ﷺ) اهـ
كان رسول الله ﷺ حسن الجسم. رواه غير واحد.
وروى التّرمذيّ عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: كان رسول الله
_________________
(١) هو محمد بن سعيد الصنهاجي صاحب نظم «البردة» المشهور نشأ في قرية «البوصير» وإليها ينسب فيقال: (البوصيري)؛ ولذا فإنّ قوله: (الأبوصيري) منتقد. والله أعلم.
[ ٥٩ ]
ﷺ ليس بالطّويل البائن، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق، ولا بالادم، ولا بالجعد القطط ولا بالسّبط.
ومعنى (البائن): الظّاهر طوله.
و(الأمهق): الشّديد البياض، الخالي عن الحمرة.
و(الادم): الأسمر.
و(الجعد): من في شعره التواء.
و(القطط): شديد الجعودة.
و(السّبط): مسترسل الشّعر.
وكان رسول الله ﷺ رجلا مربوعا «١»، بعيد ما بين المنكبين، عظيم الجمّة إلى شحمة أذنيه.
ومعنى (الرّجل) «٢»: من في شعره تكسّر قليل.
و(الجمّة): مجتمع شعر الرّأس؛ وهي أكثر من الوفرة واللّمّة «٣» .
وكان رسول الله ﷺ شثن الكفّين والقدمين، ضخم الرّأس، ضخم الكراديس، طويل المسربة، إذا مشى تكفّأ تكفّؤا؛ كأنّما ينحطّ من صبب.
ومعنى (شثن): غليظ.
_________________
(١) وهو المتوسط بين الطويل والقصير.
(٢) الرّجل بفتح الراء وكسر الجيم، وقد يضم، وقد يفتح، وقد يسكّن.
(٣) الوفرة: ما بلغت شحمة الأذن، والجمّة: ما وصلت المنكب، واللّمة: ما بينهما.
[ ٦٠ ]
و(الكراديس) - جمع كردوس- وهو: مجمع العظام كالرّكبة والمنكب.
و(المسربة): الشّعر الدّقيق الّذي كأنّه قضيب من الصّدر إلى السّرّة.
و(التّكفّؤ): الميل إلى سنن «١» المشي، وهو: ما بين يديه كالسّفينة في جريها.
و(الصّبب): المكان المنحدر من الأرض.
وكان رسول الله ﷺ جعدا رجلا «٢»، ولم يكن بالمطهّم؛ ولا بالمكلثم، وكان في وجهه تدوير، أبيض مشرّب «٣»، أدعج العينين، أهدب الأشفار، جليل المشاش والكتد، أجرد، ذا مسربة، شثن الكفّين والقدمين، إذا مشى.. تقلّع كأنّما ينحطّ من صبب، وإذا التفت.. التفت معا، بين كتفيه خاتم النّبوّة.
وهو خاتم النّبيّين، أجود النّاس صدرا، وأصدق النّاس لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من راه بديهة.. هابه، ومن خالطه معرفة.. أحبّه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله.
_________________
(١) مثلث السين وبضمتين؛ سنن وسنن وسنن وسنن.
(٢) الجعد: هو الشعر المتجعد والمتثني..
(٣) مشرب بتخفيف الراء من الإشراب، وهو خلط لون بلون كأنه سقي به، أو (مشرّب) بالتشديد من التشريب، وهو مبالغة في الإشراب.
[ ٦١ ]
ومعنى (المطهّم): البادن الكثير اللّحم «١» .
و(المكلثم): المدوّر الوجه.
و(أدعج العينين): شديد سوادهما.
و(أهدب الأشفار): طويل شعر الأجفان.
و(المشاش): رؤوس العظام.
و(الكتد): مجتمع الكتفين.
و(أجرد): غير أشعر.
و(تقلّع): مشى بقوّة.
و(اللهجة): الكلام.
و(العريكة): الطّبيعة.
و(البديهة): المفاجأة.
وكان رسول الله ﷺ سهل الخدّين «٢»، ضليع الفم، سواء البطن والصّدر، أشعر المنكبين والذّراعين وأعالي الصّدر، طويل الزّندين، رحب الرّاحة، أشكل العينين، أحمر الماقي، منهوس العقبين.
ومعنى (ضليع الفم): واسعه، وهو ممدوح لدلالته على الفصاحة.
و(أشكل العينين): في بياضهما حمرة.
_________________
(١) أي: عظيم البدن بكثرة لحمه.
(٢) أي: غير مرتفع الوجنتين.
[ ٦٢ ]
و(منهوس العقبين): قليل لحمهما.
وكان رسول الله ﷺ عظيم العينين، أهدب الأشفار، مشرّب العين بحمرة.
وكان ﷺ أبلج الحاجبين «١»، كأنّ ما بينهما الفضّة المخلّصة. وكانت عيناه نجلاوين «٢»، أدعجهما «٣»، وكان في عينيه تمزّج من حمرة، وكان أهدب الأشفار حتّى تكاد تلتبس من كثرتها.
وكان ﷺ ضخم الرّأس واليدين والقدمين.
وكان ﷺ سهل الخدّين صلتهما «٤»، ليس بالطّويل الوجه، ولا المكلثم.
وكان ﷺ أحسن النّاس صفة وأجملها، كان ربعة إلى الطّول ما هو «٥»، بعيد ما بين المنكبين، أسيل الخدّين، شديد سواد الشّعر، أكحل العينين، أهدب الأشفار، إذا وطىء بقدمه.. وطىء بكلّها، ليس له أخمص «٦»، إذا وضع رداءه عن منكبيه.. فكأنّه سبيكة فضّة، وإذا ضحك.. يتلألأ.
_________________
(١) أي: كان بين حاجبيه فرجة بيضاء دقيقة لا تتبيّن إلا لمتأمّل.
(٢) أي: واسعتين.
(٣) أي: شديد سواد حدقتهما.
(٤) أي: سائلهما من غير ارتفاع وجنتيه.
(٥) أي: هو يميل إلى الطول ميلا قليلا.
(٦) الأخمص: ما يتجافى من باطن القدم عن الأرض.
[ ٦٣ ]
ومعنى (أسيل الخدّين): ليس فيهما ارتفاع.
و(الأكحل): أسود أجفان العين خلقة.
وكان ﷺ شبح الذّراعين، بعيد ما بين المنكبين، أهدب أشفار العينين.
ومعنى (شبح الذّراعين): عريضهما ممتدّهما.
وكان رسول الله ﷺ عبل العضدين والذّراعين «١»، وما تحت الإزار من الفخذين والسّاق، طويل الزّندين، رحب الرّاحتين، سائل الأطراف، كأنّ أصابعه قضبان الفضّة.
وكان ﷺ معتدل الخلق في السّمن، فبدن في اخر عمره، وكان مع ذلك لحمه متماسكا، يكاد يكون على الخلق الأوّل، لم يضرّه السّنّ.
وكان ﷺ أحسن النّاس وجها، وأحسنهم خلقا، ليس بالطّويل البائن، ولا بالقصير، بل كان ينسب إلى الرّبعة «٢» إذا مشى واحده، ومع ذلك فلم يكن يماشيه أحد من النّاس وهو ينسب إلى الطّول.. إلّا طاله رسول الله ﷺ، ولربّما اكتنفه الرّجلان الطّويلان فيطولهما، فإذا فارقاه.. نسبا إلى الطّول؛ ونسب هو ﷺ إلى الرّبعة.
_________________
(١) أي: ضخمهما.
(٢) الرّبعة: توسط القامة واعتدالها.
[ ٦٤ ]
ويقول ﷺ: «جعل الخير كلّه في الرّبعة» .
وزاد ابن سبع في «الخصائص»: أنّه كان ﷺ إذا جلس.. يكون كتفه أعلى من جميع الجالسين.
وكان ﷺ فخما مفخّما، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذّب، عظيم الهامة «١»، رجل الشّعر، إن انفرقت عقيقته.. فرقها، وإلّا.. فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره.
أزهر اللّون، واسع الجبين، أزجّ الحواجب؛ سوابغ في غير قرن «٢»، بينهما عرق يدرّه الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمّله أشمّ، كثّ اللّحية، سهل الخدّين، ضليع الفم، أشنب، مفلّج الأسنان، دقيق المسربة، كأنّ عنقه جيد دمية في صفاء الفضّة، معتدل الخلق.
بادن متماسك، سواء البطن والصّدر «٣»، عريض الصّدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، أنور المتجرّد «٤»، موصول ما بين اللّبّة والسّرّة بشعر يجري كالخطّ، عاري الثّديين والبطن ما سوى ذلك «٥»،
_________________
(١) أي: عظيم الرأس.
(٢) والمراد: أن حاجبيه قد سبغا حتى كادا يلتقيان ولم يلتقيا. والقرن غير محمود عند العرب ويستحبون البلج وهو الصحيح في صفته ﷺ.
(٣) في بعض النسخ: سواء البطن والصدر.
(٤) والمعنى: أنه نير العضو المتجرّد عن الشعر أو عن الثوب.
(٥) وفي رواية: (ممّا سوى ذلك)، وهي أنسب وأقرب؛ أي: سوى محل الشعر-
[ ٦٥ ]
أشعر الذّراعين والمنكبين وأعالي الصّدر، طويل الزّندين.
رحب الرّاحة، شثن الكفّين والقدمين، سائل الأطراف، خمصان «١» الأخمصين، مسيح القدمين ينبو عنهما الماء؛ إذا زال.. زال قلعا «٢»، يخطو تكفّيا ويمشي هونا، ذريع المشية، إذا مشى.. كأنّما ينحطّ من صبب، وإذا التفت.. التفت جميعا، خافض الطّرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السّماء، جلّ نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، ويبدر من لقيه بالسّلام.
ومعنى (الفخم): العظيم في نفسه.
و(المفخّم): المعظّم عند غيره.
و(المشذّب): الظّاهر الطّول مع نحافة.
و(رجل الشّعر): مسترسله.
و(العقيقة): شعر الرّأس.
و(وفره): جعله وفرة، وهي الشّعر النّازل عن شحمة الأذن إذا لم يصل إلى المنكبين.
و(أزهر): مشرق اللّون، نيّره.
و(أزجّ الحواجب): مقوّسها مع طول.
_________________
(١) - المذكور، أما هو: ففيه الشعر الذي هو المسربة. والمعنى: لم يكن على ثدييه وبطنه ﷺ شعر غير مسربته.
(٢) بضم الخاء وسكون الميم كعثمان، وبضمتين، فسكون.
(٣) بفتح أوله مع تثليث ثانيه، وضم أوله مع سكون ثانيه وفتحه.
[ ٦٦ ]
و(السّوابغ): الكاملات.
و(أقنى العرنين): طويل الأنف مع دقّة أرنبته «١»، في وسطه بعض ارتفاع.
و(الأشمّ): مرتفع قصبة الأنف.
و(الأشنب): أبيض الأسنان مع بريق وتحديد فيها.
و(المفلّج): منفرج الثّنايا.
و(الدّمية): صورة من رخام ونحوه.
و(البادن): السّمين سمنا معتدلا.
و(المتجرّد): العضو العاري عن الشّعر.
و(اللّبّة): النّقرة الّتي فوق الصّدر.
و(الرّحب): الواسع.
و(سائل الأطراف): طويلها طولا معتدلا.
و(خمصان الأخمصين): متجافيهما عن الأرض.
و(الأخمص): الموضع الّذي لا يمسّ الأرض عند الوطء من وسط القدم.
و(المسيح): الأملس.
و(ينبو): يتباعد.
_________________
(١) أي: طرف الأنف.
[ ٦٧ ]
و(إذا زال.. زال قلعا): إذا مشى.. رفع رجليه بقوّة.
و(ذريع المشية): واسع الخطو خلقة لا تكلّفا.
و(الملاحظة): النّظر باللّحاظ؛ وهو: شقّ العين ممّا يلي الصّدغ.
و(يسوق أصحابه): يقدّمهم بين يديه.
و(يبدر): يبتدئ.
وكان رسول الله ﷺ أفلج الثّنيّتين، إذا تكلّم ريء «١» كالنّور يخرج من بين ثناياه. وكان ﷺ أحسن البشر قدما.
وعن ميمونة بنت كردم؛ قالت: رأيت رسول الله ﷺ فما نسيت طول إصبع قدمه السّبّابة على سائر أصابعه. رواه الإمام أحمد وغيره.
وكان ﷺ في ساقيه حموشة.
ومعنى (الحموشة): الدّقّة، وهي محمودة في السّاقين.
وكان رسول الله ﷺ يمشي كأنّما يتقلّع من صخر، وينحدر من صبب، يخطو تكفّيا، ويمشي الهوينا بغير تبختر.
ومعنى (الهوينا): تقارب الخطا.
_________________
(١) على الأفصح، ويقال أيضا: رئي.
[ ٦٨ ]
وكان ﷺ إذا مشى.. مشى مجتمعا؛ أي: قويّ الأعضاء، غير مسترخ في المشي.
وكان رسول الله ﷺ إذا مشى.. مشى أصحابه أمامه، وتركوا ظهره للملائكة.
وكان ﷺ إذا مشى.. لم يلتفت.
وكان ﷺ لا يلتفت وراءه إذا مشى، وكان ربّما تعلّق رداؤه بالشّجر فلا يلتفت حتّى يرفعوه عليه.
وكان ﷺ إذا مشى.. كأنّما يتوكّأ «١» .
وكان ﷺ يمشي مشيا يعرف فيه أنّه ليس بعاجز ولا كسلان.
وكان ﷺ لا يطأ عقبه رجلان قطّ، إن كانوا ثلاثة..
مشى بينهم، وإن كانوا جماعة.. قدّم بعضهم.
وكان ﷺ إذا لبس نعليه.. بدأ باليمنى، وإذا خلع..
خلع اليسرى.
وكان إذا دخل المسجد.. أدخل رجله اليمنى.
وكان يحبّ التّيمّن في كلّ شيء أخذا وعطاء.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله ﷺ، كأنّ الشّمس تجري في وجهه،
_________________
(١) والمراد: سعى سعيا شديدا.
[ ٦٩ ]
ولا رأيت أحدا أسرع في مشيته من رسول الله ﷺ، كأنّما الأرض تطوى له، إنّا لنجهد أنفسنا، وإنّه لغير مكترث.
وكان رسول الله ﷺ نورا، فكان إذا مشى في الشّمس والقمر.. لا يظهر له ظلّ.
وكان وجهه ﷺ مثل الشّمس «١» والقمر، وكان مستديرا.
وعن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما قال: ما رأيت من ذي لمّة في حلّة حمراء.. أحسن من رسول الله ﷺ.
وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله ﷺ، كأنّ الشّمس تجري في وجهه، وإذا ضحك.. يتلألأ في الجدر.
وقالت أمّ معبد في بعض ما وصفته به رضي الله تعالى عنها: أجمل النّاس من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب.
وعن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنهما قال: رأيت رسول الله ﷺ في ليلة إضحيان؛ وعليه حلّة حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلهو عندي أحسن من القمر.
ومعنى (إضحيان): مقمرة.
_________________
(١) في مزيد الإضاءة والإشراق، لكنه ليس مثلها في كونه لا يستطاع النظر إليه.
[ ٧٠ ]
وسأل رجل البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما: أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر.
وكان لونه ﷺ أزهر، ولم يكن بالأسمر، ولا بالشّديد البياض.
ونعته عمّه أبو طالب فقال:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
وكان ﷺ أزهر اللّون، كأنّ عرقه اللّؤلؤ، إذا مشى.. تكفّأ.
وكان رسول الله ﷺ أحسن النّاس وجها وأنورهم، لم يصفه واصف إلّا شبّهه بالقمر ليلة البدر.
وكانوا يقولون: هو كما وصفه صاحبه أبو بكر الصّدّيق رضي الله تعالى عنه حيث يقول:
أمين مصطفى للخير يدعو كضوء البدر زايله الغمام
وكان ﷺ أبيض كأنّما صيغ من فضّة، رجل الشّعر.
وكان ﷺ أبيض مليحا مقصّدا.
ومعنى (المقصّد): المتوسّط بين الطّول والقصر.
وكان رسول الله ﷺ أبيض مشربا بياضه بحمرة، وكان أسود الحدقة، أهدب الأشفار.
[ ٧١ ]
وكان ﷺ أبيض مشربا بحمرة، ضخم الهامة، أغرّ أبلج، أهدب الأشفار.
ومعنى (الأغرّ): الصّبيح.
و(الأبلج): الحسن المشرق المضيء.
وكان رسول الله ﷺ أحسن عباد الله عنقا، لا ينسب إلى الطّول ولا إلى القصر، ما ظهر من عنقه للشّمس والرّياح فكأنّه إبريق فضّة مشرّب ذهبا، يتلألأ في بياض الفضّة وفي حمرة الذّهب.
وكان ﷺ من أحسن عباد الله شفتين وألطفهم ختم فم.
وكان ﷺ عريض الصّدر لا يعدو لحم بعض بدنه بعضا؛ كالمراة في استوائها، وكالقمر في بياضه.
وكان له ﷺ ثلاث عكن يغطّي الإزار منها واحدة.
وعن أمّ هانىء رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت بطن رسول الله ﷺ إلّا ذكرت القراطيس المثنيّة بعضها على بعض.
وعن محرّش الكعبيّ رضي الله تعالى عنه قال: اعتمر النّبيّ ﷺ من الجعرانة ليلا فنظرت إلى ظهره كأنّه سبيكة فضّة.
وفي «المواهب»: عن مقاتل بن حيّان: قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى ﵇: «اسمع وأطع، يا ابن الطّاهرة البكر البتول، إنّي خلقتك من غير فحل فجعلتك اية للعالمين، فإيّاي فاعبد، وعليّ
[ ٧٢ ]
فتوكّل، فسّر لأهل سوران «١» إنّي أنا الله الحيّ القيّوم الّذي لا أزول، صدّقوا النّبيّ الأمّيّ صاحب الجمل والمدرعة، والعمامة والنّعلين والهراوة، الجعد الرأس، الصّلت الجبين، المقرون الحاجبين، الأهدب الأشفار، الأدعج العينين، الأقنى الأنف، الواضح الخدّين، الكثّ اللّحية، عرقه في وجهه كاللّؤلؤ، وريح المسك ينفح منه، كأنّ عنقه إبريق فضّة» .
قوله: (صلت الجبين): واضحه.
و(أدعج العينين): شديد سواد العين.
و(أقنى الأنف): طويله مع دقّة أرنبته، في وسطه بعض ارتفاع.
قال ابن الأثير: والصّحيح في صفة حواجبه ﷺ أنّها سوابغ من غير قرن.
وكان رسول الله ﷺ إذا نظر وجهه في المراة.. قال:
«الحمد لله الّذي سوّى خلقي فعدّله، وكرّم صورة وجهي فحسّنها، وجعلني من المسلمين» .
وكان ﷺ إذا نظر في المراة.. قال: «الحمد لله الّذي حسّن خلقي وخلقي، وزان منّي ما شان من غيري» .
وكان ﷺ يقول: «أنا أشبه النّاس بادم صلّى الله عليه
_________________
(١) بالسريانية: بلّغ من بين يديك.
[ ٧٣ ]
وسلّم، وكان أبي إبراهيم ﷺ أشبه النّاس بي خلقا وخلقا» .
وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما: أنّ رسول الله ﷺ قال: «عرض عليّ الأنبياء، فإذا موسى ﵇ ضرب من الرّجال كأنّه من رجال شنوءة.
ورأيت عيسى ابن مريم [﵇]، فإذا أقرب من رأيت به شبها عروة بن مسعود.
ورأيت إبراهيم ﵇، فإذا أقرب من رأيت به شبها صاحبكم؛ يعني نفسه.
ورأيت جبريل ﵇، فإذا أقرب من رأيت به شبها دحية» .
ومعنى (ضرب): نوع.
و(شنوءة): قبيلة من اليمن رجالها متوسّطون.
وكان رسول الله ﷺ واسع الظّهر، ما بين كتفيه خاتم النّبوّة، وهو ممّا يلي منكبه الأيمن، فيه شامة سوداء تضرب إلى الصّفرة، حولها شعرات متواليات كأنّها من عرف فرس.
وكان خاتمه ﷺ غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة.
وعن بريدة بن الحصيب رضي الله تعالى عنه قال: جاء سلمان الفارسيّ رضي الله تعالى عنه إلى رسول الله ﷺ حين قدم المدينة بمائدة عليها رطب، فوضعت بين يدي رسول الله صلّى الله عليه
[ ٧٤ ]
وسلّم؛ فقال: «يا سلمان.. ما هذا؟» . فقال: صدقة عليك وعلى أصحابك. فقال: «ارفعها؛ فإنّا لا نأكل الصّدقة» . قال: فرفعها.
فجاء الغد بمثله فوضعه بين يدي رسول الله ﷺ. فقال:
«ما هذا يا سلمان؟» . فقال: هديّة لك. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أبسطوا» «١» . ثمّ نظر إلى الخاتم على ظهر رسول الله ﷺ؛ فامن به.
وكان لليهود «٢»، فاشتراه رسول الله ﷺ بكذا وكذا درهما على أن يغرس لهم نخلا فيعمل سلمان فيه حتّى يطعم، فغرس رسول الله ﷺ النّخيل إلّا نخلة واحدة غرسها عمر، فحملت النّخل من عامها، ولم تحمل النّخلة، فقال رسول الله ﷺ: «ما شأن هذه النّخلة؟» . فقال عمر: يا رسول الله؛ أنا غرستها، فنزعها رسول الله ﷺ، فغرسها، فحملت من عامها.
_________________
(١) وفي رواية: انشطوا، أي: ميلوا للأكل معي، وفي أخرى: انشقّوا، أي: انفرجوا ليتسع المجلس.
(٢) يعني: أن سيدنا سلمان رضي الله تعالى عنه كان رقيقا لليهود.
[ ٧٥ ]