قال رسول الله ﷺ: «أنا أتقاكم لله تعالى، وأشدّكم له خشية» .
وفي «صحيح البخاريّ»: «إنّي لأعلمكم بالله، وأشدّكم له خشية» .
وفيه: عن أبي هريرة رضي الله [تعالى] عنه: «لو تعلمون ما أعلم..
لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» .
وفي «صحيح مسلم»: عن أنس رضي الله [تعالى] عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: «والّذي نفس محمّد بيده، لو رأيتم ما رأيت.. لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» . قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: «رأيت الجنّة والنّار» .
وعن المغيرة بن شعبة وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما قالا: صلّى رسول الله ﷺ حتّى انتفخت قدماه، فقيل له: أتتكلّف هذا وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟! قال: «أفلا أكون عبدا شكورا؟!» .
[ ٢٥٥ ]
قال الباجوريّ: (واستشكل هذا قديما وحديثا.. بأنّه ﷺ لا ذنب عليه؛ لكونه معصوما.
وأحسن ما قيل فيه: أنّه من باب (حسنات الأبرار.. سيّئات المقرّبين)، إذ الإنسان لا يخلو عن تقصير، من حيث ضعف العبوديّة مع عظمة الرّبوبيّة، وإن كان ﷺ في أعلى المقامات وأرفع الدّرجات في عباداته وطاعاته.
وقد قال ﷺ: «سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» .
ولذلك قيل: المغفرة قسمان:
مغفرة للعوامّ، وهي: مسامحتهم من الذّنوب.
ومغفرة للخواصّ، وهي: مسامحتهم من التّقصير) اهـ
وعن الأسود بن يزيد [رحمه الله تعالى] قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن صلاة رسول الله ﷺ باللّيل فقالت: كان ينام أوّل اللّيل، ثمّ يقوم، فإذا كان من السّحر.. أوتر، ثمّ أتى فراشه، فإذا كان له حاجة.. ألمّ بأهله، فإذا سمع الأذان.. وثب، فإن كان جنبا.. أفاض عليه من الماء، وإلّا.. توضّأ وخرج إلى الصّلاة.
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: أنّه بات عند ميمونة أمّ المؤمنين وهي خالته رضي الله تعالى عنها قال: فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله ﷺ في طولها، فنام رسول الله ﷺ، حتّى إذا انتصف اللّيل، أو قبله بقليل،
[ ٢٥٦ ]
أو بعده بقليل.. فاستيقظ رسول الله ﷺ، فجعل يمسح النّوم عن وجهه، ثمّ قرأ العشر الايات الخواتيم من سورة (ال عمران)؛ أي: الّتي أوّلها: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى اخر السّورة ثمّ قام إلى شنّ معلّق فتوضّأ منها، فأحسن الوضوء، ثمّ قام يصلّي.
قال عبد الله بن عبّاس: فقمت إلى جنبه، فوضع رسول الله ﷺ يده اليمنى على رأسي، ثمّ أخذ بأذني اليمنى ففتلها- وفي رواية: فأخذ بأذني؛ فأدارني عن يمينه- فصلّى ركعتين، ثمّ ركعتين، ثمّ ركعتين، ثمّ ركعتين، ثمّ ركعتين، ثمّ ركعتين (ستّ مرّات)، ثمّ أوتر، ثمّ اضطجع حتّى جاءه المؤذّن، فقام فصلّى ركعتين خفيفتين، ثمّ خرج فصلّى الصّبح.
وفي «الصحيح»: عن أنس [رضي الله تعالى عنه]: أنّ رسول الله ﷺ كان يتوضّأ عند كلّ صلاة.
وعن ابن عبّاس أيضا «١» [رضي الله تعالى عنه]؛ قال: كان النّبيّ ﷺ يصلّي من اللّيل ثلاث عشرة ركعة.
وعن عائشة ﵂: أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا لم يصلّ باللّيل؛ منعه من ذلك النّوم، أو غلبته عيناه.. صلّى من النّهار ثنتي عشرة ركعة.
_________________
(١) غير مناسب الإتيان به هنا بعد حديث أنس، إذ يوهم أن حديث أنس من حديث ابن عباس، ومحل الحديث- والله أعلم- بعد حديث بيتوتته ﷺ عند ميمونة رضي الله تعالى عنها.
[ ٢٥٧ ]
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النّبيّ ﷺ قال: «إذا قام أحدكم من اللّيل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين» .
وعن زيد بن خالد الجهنيّ رضي الله تعالى عنه أنّه قال: لأرمقنّ صلاة رسول الله ﷺ، فتوسّدت عتبته، أو فسطاطه، فصلّى رسول الله ﷺ ركعتين خفيفتين، ثمّ صلّى ركعتين طويلتين.. طويلتين.. طويلتين.
ذكر لفظ «طويلتين» ثلاث مرّات؛ للتّأكيد مبالغة في طولهما.
ثمّ صلّى ركعتين وهما دون اللّتين قبلهما، ثمّ صلّى ركعتين؛ وهما دون اللّتين قبلهما، ثمّ صلّى ركعتين؛ وهما دون اللّتين قبلهما، ثمّ صلّى ركعتين؛ وهما دون اللتين قبلهما، ثمّ أوتر، فذلك ثلاث عشرة ركعة.
وعن أبي سلمة بن عبد الرّحمن- رحمه الله تعالى- أنّه سأل عائشة رضي الله تعالى عنها: كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟
فقالت: ما كان رسول الله ﷺ ليزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة؛ يصلّي أربعا لا تسأل عن حسنهنّ وطولهنّ، ثمّ يصلّي أربعا لا تسأل عن حسنهنّ وطولهنّ، ثمّ يصلّي ثلاثا.
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: قلت: يا رسول الله؛ أتنام قبل أن توتر؟ فقال: «يا عائشة؛ إنّ عينيّ تنامان، ولا ينام قلبي» .
[ ٢٥٨ ]
وعن عائشة أيضا رضي الله تعالى عنها: أنّ رسول الله ﷺ كان يصلّي من اللّيل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ منها.. اضطجع على شقّه الأيمن.
وعن عائشة أيضا [رضي الله تعالى عنها] قالت: كان رسول الله ﷺ يصلّي من اللّيل تسع ركعات. أي: في بعض الأوقات.
وعن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما: أنّه صلّى مع النّبيّ ﷺ من اللّيل، قال: فلمّا دخل في الصّلاة.. قال:
«الله أكبر ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة» .
قال: ثمّ قرأ (البقرة)، ثمّ ركع؛ فكان ركوعه نحوا من قيامه، وكان يقول: «سبحان ربّي العظيم، سبحان ربّي العظيم»، ثمّ رفع رأسه؛ فكان قيامه نحوا من ركوعه، وكان يقول: «لربّي الحمد، لربّي الحمد»، ثمّ سجد؛ فكان سجوده نحوا من قيامه، وكان يقول:
«سبحان ربّي الأعلى، سبحان ربّي الأعلى»، ثمّ رفع رأسه فكان ما بين السّجدتين نحوا من السّجود، وكان يقول: «ربّ اغفر لي، ربّ اغفر لي» حتّى قرأ (البقرة)، و(ال عمران)، و(النّساء)، و(المائدة)، أو (الأنعام)؛ أي: أنّه صلّى أربع ركعات قرأ في الأولى: (البقرة)، وفي الثّانية: (ال عمران)، وفي الثّالثة: (النّساء)، وفي الرّابعة:
(المائدة) أو (الأنعام) . والشّكّ فيهما من شعبة راوي هذا الحديث.
[ ٢٥٩ ]
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قام رسول الله ﷺ باية من القران ليلة.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: صلّيت ليلة مع رسول الله ﷺ، فلم يزل قائما حتّى هممت بأمر سوء. قيل له: وما هممت به؟ قال: هممت أن أقعد وأدع النّبيّ ﷺ.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنّ النّبيّ ﷺ كان يصلّي جالسا فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين- أو أربعين- اية.. قام فقرأ وهو قائم، ثمّ ركع وسجد، ثمّ صنع في الرّكعة الثّانية مثل ذلك.
وعن عبد الله بن شقيق [رحمه الله تعالى] قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن صلاة رسول الله ﷺ في تطوّعه؟ فقالت:
كان يصلّي ليلا طويلا قائما، وليلا طويلا قاعدا، فإذا قرأ وهو قائم.. ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ وهو جالس.. ركع وسجد وهو جالس.
وعن حفصة [رضي الله تعالى عنها] زوج النّبيّ ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلّي في سبحته- أي: نافلته قاعدا، ويقرأ بالسّورة ويرتّلها حتّى تكون أطول من أطول منها «١» .
وعن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها أنّها قالت: والّذي نفسي بيده،
_________________
(١) أي حتى يصير وقت قراءة السورة القصيرة- كالأنفال مثلا- لاشتمالها على الترتيل والوقوف عند معاني الايات أطول من الوقت الذي تقرأ فيه السورة الطويلة كالأعراف- في الأحوال العادية.
[ ٢٦٠ ]
ما مات رسول الله ﷺ حتّى كان أكثر صلاته قاعدا، إلّا المكتوبة.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله ﷺ لا يدع قيام اللّيل، وكان إذا مرض أو كسل.. صلّى قاعدا.
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: صلّيت مع رسول الله ﷺ ركعتين قبل الظّهر، وركعتين بعده، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته.
وعن حفصة رضي الله تعالى عنها: أنّ رسول الله ﷺ كان يصلّي ركعتين خفيفتين حين يطلع الفجر.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله ﷺ لا يدع ركعتي الفجر في السّفر ولا في الحضر، ولا في الصّحّة ولا في السّقم.
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: حفظت من رسول الله ﷺ ثماني ركعات: ركعتين قبل الظّهر، وركعتين بعده، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء.
قال ابن عمر: وحدّثتني حفصة بركعتي الغداة، ولم أكن أراهما من النّبيّ ﷺ.
وعن معاذة [رحمها الله تعالى] قالت: قلت لعائشة رضي الله تعالى عنها: أكان النّبيّ ﷺ يصلّي الضّحى؟ قالت: نعم..
أربع ركعات، ويزيد ما شاء الله ﷿.
[ ٢٦١ ]
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ كان يصلّي الضّحى ستّ ركعات.
وعن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه قال: كان النّبيّ ﷺ يصلّي الضّحى حتّى نقول لا يدعها، ويدعها حتّى نقول لا يصلّيها.
وعن أبي أيّوب الأنصاريّ رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ كان يدمن أربع ركعات عند زوال الشّمس، فقلت: يا رسول الله؛ إنّك تدمن هذه الأربع ركعات عند زوال الشّمس؟ فقال:
«إنّ أبواب السّماء تفتح عند زوال الشّمس، فلا ترتج حتّى يصلّى الظّهر، فأحبّ أن يصعد لي في تلك السّاعة خير»؛ قلت: أفي كلّهنّ قراءة؟
قال: «نعم»، قلت: هل فيهنّ تسليم فاصل؟ قال: «لا» .
ومعنى (لا ترتج): لا تغلق.
وعن أمّ هانىء رضي الله تعالى عنها: أنّ رسول الله ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكّة فاغتسل، فسبّح- أي: صلّى ثمان ركعات ما رأيته ﷺ صلّى صلاة قطّ أخفّ منها، غير أنّه كان يتمّ الرّكوع والسّجود.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ أخفّ النّاس صلاة في تمام.
وعن أبي واقد اللّيثيّ رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله صلّى الله
[ ٢٦٢ ]
عليه وسلّم أخفّ النّاس صلاة على النّاس، وأطول النّاس صلاة لنفسه.
وعن عبد الله بن سعد رضي الله تعالى عنه قال: سألت رسول الله ﷺ عن الصّلاة في بيتي، والصّلاة في المسجد؟ قال:
«قد ترى ما أقرب بيتي من المسجد، فلأن أصلّي في بيتي أحبّ إليّ من أن أصلّي في المسجد؛ إلّا أن تكون صلاة مكتوبة»؛ أي: لتحصل البركة للبيت وأهله، وتنزل الملائكة، وليذهب عنه الشّيطان.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا اشتدّ البرد.. بكّر بالصّلاة، وإذا اشتدّ الحرّ.. أبرد بالصّلاة.
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ لا يكون في المصلّين إلّا كان أكثرهم صلاة، ولا يكون في الذّاكرين إلّا كان أكثرهم ذكرا.
وعن حذيفة رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ إذا حزبه- وفي رواية: حزنه- أمر.. صلّى؛ أي: إذا نزل به همّ، وأصابه غمّ.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ إذا نزل منزلا.. لم يرتحل منه حتّى يصلّي فيه ركعتين.
وكان ﷺ يحبّ أن يليه المهاجرون والأنصار في الصّلاة؛ ليحافظوا عنه.
وكان ﷺ لا يفارق مصلّاه سواكه ومشطه.
[ ٢٦٣ ]
وروى الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والتّرمذيّ، والنّسائيّ، وابن ماجه: أنّ رسول الله ﷺ كان إذا انصرف من صلاته.. استغفر (ثلاثا)، ثمّ قال: «اللهمّ؛ أنت السّلام، ومنك السّلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» .
[ ٢٦٤ ]