عن سماك بن حرب [رحمه الله تعالى] قال: سمعت النّعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما يقول: ألستم في طعام وشراب ما شئتم؟ لقد رأيت نبيّكم ﷺ وما يجد من الدّقل ما يملأ بطنه.
و(الدّقل): رديء التّمر.
وكان أكثر طعام رسول الله ﷺ: التّمر والماء.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كنّا ال محمّد نمكث شهرا ما نستوقد بنار، إن هو إلّا التّمر والماء.
وفي رواية البخاريّ ومسلم: كانت عائشة رضي الله تعالى عنها تقول لعروة: والله يا ابن أختي؛ إن كنّا لننظر إلى الهلال ثمّ الهلال ثمّ الهلال؛ ثلاثة أهلّة في شهرين وما أوقد في أبيات رسول الله ﷺ نار.
قال: قلت يا خالة؛ فما كان يعيّشكم؟
قالت: الأسودان؛ التّمر والماء، إلّا أنّه كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار، وكانت لهم منائح «١»، فكانوا يرسلون إلى
_________________
(١) منائح- جمع منيحة- وهي: العطيّة لفظا ومعنى.. وأصلها عطية الناقة أو الشاة.
[ ١٤٣ ]
رسول الله ﷺ من ألبانها، فيسقيناه.
وعن أبي طلحة رضي الله تعالى عنه قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ الجوع، ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله ﷺ عن بطنه عن حجرين.
وقال الإمام التّرمذيّ: ومعنى قوله (ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر): وكان أحدهم يشدّ في بطنه الحجر من الجهد والضّعف الّذي به من الجوع.
وفي كتاب «المواهب»: عن ابن بجير [رضي الله تعالى عنه] قال:
أصاب النّبيّ ﷺ جوع يوما، فعمد إلى حجر، فوضعه على بطنه، ثمّ قال: «ألا ربّ نفس طاعمة ناعمة في الدّنيا.. جائعة عارية يوم القيامة، ألا ربّ مكرم لنفسه.. وهو لها مهين، ألا ربّ مهين لنفسه.. وهو لها مكرم» .
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: خرج رسول الله ﷺ في ساعة لا يخرج فيها ولا يلقاه فيها أحد، فأتاه أبو بكر، فقال: «ما جاء بك يا أبا بكر؟»، قال: خرجت ألقى رسول الله ﷺ وأنظر في وجهه، والتّسليم عليه، فلم يلبث أن جاء عمر فقال: «ما جاء بك يا عمر؟»، قال: الجوع يا رسول الله، قال ﷺ: «وأنا قد وجدت بعض ذلك» .
فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن التّيّهان الأنصاريّ [رضي الله تعالى عنه]- وكان رجلا كثير النّخل والشّاء، ولم يكن له خدم- فلم يجدوه،
[ ١٤٤ ]
فقالوا لامرأته: «أين صاحبك؟»، فقالت: انطلق يستعذب لنا الماء.
فلم يلبثوا أن جاء أبو الهيثم بقربة يزعبها- أي: يملؤها- فوضعها، ثمّ جاء يلتزم النّبيّ ﷺ ويفدّيه بأبيه وأمّه.
ثمّ انطلق بهم إلى حديقته، فبسط لهم بساطا، ثمّ انطلق إلى نخلة فجاء بقنو «١» فوضعه، فقال النّبيّ ﷺ: «أفلا تنقّيت لنا من رطبه؟!»، فقال: يا رسول الله؛ إنّي أردت أن تختاروا من رطبه وبسره.
فأكلوا وشربوا من ذلك الماء.
فقال النّبيّ ﷺ: «هذا- والّذي نفسي بيده- من النّعيم الّذي تسألون عنه يوم القيامة؛ ظلّ بارد، ورطب طيّب، وماء بارد» .
فانطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعاما، فقال النّبيّ ﷺ: «لا تذبحنّ لنا ذات درّ»، فذبح لهم عناقا «٢»؛ أو جديا «٣»، فأتاهم بها فأكلوا.
فقال ﷺ: «هل لك خادم؟» .
قال: لا.
قال: «فإذا أتانا سبي.. فأتنا» .
_________________
(١) الغصن من النخلة المسمّى بالعرجون.
(٢) وهي: أنثى المعز لها أربعة أشهر.
(٣) وهو: ذكر المعز ما لم يبلغ سنة.
[ ١٤٥ ]
فأتي ﷺ برأسين «١» ليس معهما ثالث، فأتاه أبو الهيثم، فقال النّبيّ ﷺ: «اختر منهما» .
قال: يا رسول الله؛ اختر لي.
فقال النّبيّ ﷺ: «إنّ المستشار مؤتمن، خذ هذا فإنّي رأيته يصلّي، واستوص به معروفا» .
فانطلق أبو الهيثم إلى امرأته فأخبرها بقول رسول الله ﷺ؛ فقالت امرأته: ما أنت ببالغ حقّ ما قال فيه النّبيّ ﷺ.. إلّا أن تعتقه.
قال: فهو عتيق.
فقال ﷺ: «إنّ الله لم يبعث نبيّا ولا خليفة.. إلّا وله بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالا «٢»، ومن يوق بطانة السّوء فقد وقي، والمعصوم من عصمه الله تعالى» .
وعن عتبة بن غزوان رضي الله تعالى عنه قال: لقد رأيتني وإنّي لسابع سبعة مع رسول الله ﷺ، ما لنا طعام إلّا ورق الشّجر، حتّى تقرّحت أشداقنا «٣»، فألتقطت بردة فقسمتها بيني وبين سعد بن
_________________
(١) يعني: أسيرين اثنين.
(٢) خبالا: فسادا. وفي هذا التعبير تنبيه على أن بطانة السوء يكفي فيها السكوت على الشر، وعدم النّهي عن الفساد.
(٣) أي: ظهر في جوانب أفواهنا قروح من خشونة ذلك الورق وحرارته.
[ ١٤٦ ]
مالك؛ فأتزرت بنصفها وأتزر سعد بنصفها، فما منّا من أولئك السّبعة أحد.. إلّا وهو أمير مصر من الأمصار، وستجرّبون الأمراء بعدنا.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين ليلة ويوم ما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلّا شيء يواريه إبط بلال» .
قال المصنّف في «جامعه» «١»: معنى هذا الحديث: أنّه إنّما كان مع بلال حين خرج النّبيّ ﷺ من مكّة هاربا؛ ومع بلال من الطّعام ما يواريه تحت إبطه.
وعن أنس أيضا: أنّ النّبيّ ﷺ لم يجتمع عنده غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلّا على ضفف.
و(الضّفف): كثرة أيدي الأضياف.
فكان ﷺ لا يجتمع عنده الخبز واللّحم في الغداء والعشاء؛ إلّا إذا كان عنده الأضياف فيجمعهما لأجلهم.
وعن نوفل بن إياس الهذليّ [رحمه الله تعالى] قال: كان عبد الرّحمن ابن عوف رضي الله تعالى عنه لنا جليسا، وكان نعم الجليس، وإنّه انقلب بنا ذات يوم حتّى إذا دخلنا بيته.. دخل فاغتسل، ثمّ خرج وأتينا بصحفة «٢» فيها خبز ولحم، فلمّا وضعت.. بكى عبد الرّحمن.
_________________
(١) أي: الترمذي في «الجامع الصحيح» .
(٢) هي إناء كالقصعة، وقيل: إناء مبسوط كالصحيفة.
[ ١٤٧ ]
فقلت: يا أبا محمّد؛ ما يبكيك؟.
فقال: توفّي رسول الله ﷺ ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشّعير، فلا أرانا أخّرنا لما هو خير لنا.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّه أتي رسول الله ﷺ بتمر؛ فرأيته يأكل وهو مقع من الجوع.
ومعنى (الإقعاء): التّساند إلى وراء.
وكان رسول الله ﷺ لا يأخذ ممّا اتاه الله تعالى إلّا قوت عامه فقط، من أيسر ما يجد من التّمر والشّعير، ويضع سائر ذلك في سبيل الله ﷿.
وروى البخاريّ ومسلم: أنّ رسول الله ﷺ كان يعزل نفقة أهله سنة.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رفع رسول الله ﷺ غداء لعشاء، ولا عشاء لغداء.
وروى التّرمذيّ عن أنس [رضي الله تعالى عنه]: أنّ رسول الله ﷺ كان لا يدّخر شيئا لغد.
وكان رسول الله ﷺ إذا تغدّى.. لم يتعشّ، وإذا تعشّى.. لم يتغدّ.
قال القسطلّانيّ في «المواهب اللّدنّيّة»: (قد استشكل كونه ﵊ وأصحابه كانوا يطوون الأيّام جوعا؛ مع ما ثبت:
[ ١٤٨ ]
أنّه كان يرفع لأهله قوت سنة.
وأنّه قسم بين أربعة أنفس من أصحابه ألف بعير ممّا أفاء الله عليه.
وأنّه ساق في عمرته مئة بدنة؛ فنحرها وأطعمها المساكين.
وأنّه أمر لأعرابيّ بقطيع من الغنم.. وغير ذلك.
مع من كان معه من أصحاب الأموال؛ كأبي بكر وعمر وعثمان وطلحة وغيرهم، مع بذلهم أنفسهم وأموالهم بين يديه.
وقد أمر بالصّدقة فجاء أبو بكر بجميع ماله، وعمر بنصفه.
وحثّ على تجهيز جيش العسرة؛ فجهّزهم عثمان بألف بعير إلى غير ذلك؟.
وأجاب عنه الطّبريّ- كما حكاه في «فتح الباري» -: بأنّ ذلك كان منهم في حالة دون حالة؛ لا لعوز وضيق، بل تارة للإيثار، وتارة لكراهة الشّبع وكثرة الأكل.
قال الحافظ ابن حجر: والحقّ أنّ الكثير منهم كانوا في حال ضيق قبل الهجرة حيث كانوا بمكّة، ثمّ لمّا هاجروا إلى المدينة كان أكثرهم كذلك، فواساهم الأنصار بالمنازل والمنائح، فلمّا فتحت لهم النّضير وما بعدها.. ردّوا عليهم منائحهم.
نعم.. كان ﷺ يختار ذلك مع إمكان حصول التّوسّع والتّبسّط في الدّنيا له؛ كما أخرج التّرمذيّ من حديث أبي أمامة: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «عرض عليّ ربّي ليجعل لي بطحاء مكّة
[ ١٤٩ ]
ذهبا، فقلت: لا يا ربّ، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما، فإذا جعت..
تضرّعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت.. شكرتك وحمدتك» .
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ ذات يوم وجبريل على الصّفا، فقال رسول الله ﷺ: «يا جبريل؛ والّذي بعثك بالحقّ ما أمسى لال محمّد سفّة «١» من دقيق، ولا كفّ من سويق «٢»» .
فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هدّة من السّماء أفزعته، فقال رسول الله ﷺ: «أمر الله القيامة أن تقوم؟» .
قال: لا، ولكن أمر إسرافيل فنزل إليك حين سمع كلامك.
فأتاه إسرافيل، فقال: إنّ الله تعالى قد سمع ما ذكرت فبعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض، وأمرني أن أعرض عليك: إن أردت أن أسيّر معك جبال تهامة زمرّذا وياقوتا، وذهبا وفضة.. فعلت، فإن شئت: نبيّا ملكا، وإن شئت نبيّا عبدا؟
فأومأ إليه جبريل أن تواضع.
فقال: «بل نبيّا عبدا» (ثلاثا) . رواه الطّبرانيّ بإسناد حسن.
ولله درّ الأبو صيريّ حيث قال:
وراودته الجبال الشّمّ من ذهب عن نفسه فأراها أيّما شمم)
_________________
(١) قبضة.
(٢) دقيق الشعير المقلو، ويكون من القمح، والأكثر جعله من الشعير.
[ ١٥٠ ]