من قميص وإزار ورداء وقلنسوة وعمامة ونحوها قال القاضي عياض رحمه الله تعالى في «الشّفا»: (انظر سيرة نبيّنا محمّد ﷺ وخلقه في المال.. تجده قد أوتي خزائن الأرض ومفاتيح البلاد، وأحلّت له الغنائم؛ ولم تحلّ لنبيّ قبله، وفتح عليه في حياته ﷺ بلاد الحجاز واليمن وجميع جزيرة العرب وما دانى ذلك من الشّام والعراق، وجلب إليه من أخماسها وجزيتها وصدقاتها ما لا يجبى للملوك إلّا بعضه، وهادنه جماعة من ملوك الأقاليم فما استأثر بشيء منه، ولا أمسك منه درهما، بل صرفه في مصارفه، وأغنى به غيره، وقوّى به المسلمين، وقال: «ما يسرّني أنّ لي أحدا ذهبا يبيت عندي منه دينار، إلّا دينارا أرصده لدين» .
وأتته دنانير مرّة، فقسمها، وبقيت منها بقيّة، فدفعها لبعض نسائه، فلم يأخذه نوم حتّى قام وقسمها، وقال: «الان استرحت» .
ومات ودرعه مرهونة في نفقة عياله، واقتصر من نفقته وملبسه
[ ١٠٧ ]
ومسكنه على ما تدعوه إليه ضرورته، وزهد فيما سواه.
فكان يلبس ما وجده، فيلبس في الغالب الشّملة، والكساء الخشن، والبرد الغليظ، ويقسم على من حضره أقبية «١» الدّيباج المخوّصة «٢» بالذّهب، ويرفع لمن لم يحضر؛ إذ المباهاة في الملابس والتّزيّن بها..
ليست من خصال الشّرف والجلالة، وهي من سمات النّساء. والمحمود منها نقاوة الثّوب، والتّوسّط في جنسه، وكونه لبس مثله.. غير مسقط لمروءة جنسه.
وفي «المواهب»: إنّ الجمال في الصّورة واللّباس والهيئة ثلاثة أنواع: منه ما يحمد، ومنه ما يذمّ، ومنه ما لا يتعلّق به مدح ولا ذمّ:
فالمحمود منه: ما كان لله، وأعان على طاعة الله تعالى، وتنفيذ أوامره، والاستجابة له؛ كما كان ﷺ يتجمّل للوفود، وهذا نظير لباس الة الحرب للقتال، ولباس الحرير في الحرب، والخيلاء فيه؛ فإنّ ذلك محمود إذا تضمّن إعلاء كلمة الله تعالى، ونصر دينه، وغيظ عدوّه.
والمذموم منه: ما كان للدّنيا، والرّئاسة، والفخر والخيلاء، وأن يكون هو غاية العبد وأقصى مطلبه.
وأمّا ما لا يحمد ولا يذمّ: فهو ما خلا عن هذين القصدين، وتجرّد عن الوصفين، وقد كان النّبيّ ﷺ لا يضيّق بالاقتصار
_________________
(١) الأقبية- جمع قباء- وهو: المخيط من اللّباس.
(٢) المخوصة: المزيّنة.
[ ١٠٨ ]
على صنف من اللّباس بعينه، ولا يطلب النّفيس الغالي، بل يستعمل ما تيسّر.
ثمّ قال «١»: روى أبو نعيم في «الحلية» عن ابن عمر مرفوعا: «إنّ من كرامة المؤمن على الله ﷿.. نقاء ثوبه، ورضاه باليسير» .
وله من حديث جابر: أنّ النّبيّ ﷺ رأى رجلا وسخة ثيابه فقال: «أما وجد هذا شيئا ينقّي به ثيابه؟» .
قال «٢»: وكانت سيرته ﷺ في ملبسه أتمّ وأنفع للبدن وأخفّ عليه؛ فإنّه لم تكن عمامته بالكبيرة الّتي يؤذي حملها ويضعفه ويجعله عرضة للافات، ولا بالصّغيرة الّتي تقصر عن وقاية الرّأس من الحرّ والبرد، وكذلك الأردية والأزر أخفّ على البدن من غيرها، ولم يكن ﷺ يطوّل أكمامه ويوسّعها) اهـ
وكان أحبّ الثّياب إلى رسول الله ﷺ يلبسه..
القميص.
و(القميص): اسم لما يلبس من المخيط الّذي له كمّان وجيب، يلبس تحت الثّياب، ولا يكون من صوف. كذا في «القاموس» .
ولم يكن له ﷺ سوى قميص واحد؛ فقد ورد عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّها قالت: ما رفع رسول الله ﷺ غداء لعشاء، ولا عشاء لغداء، ولا اتّخذ من شيء زوجين، ولا
_________________
(١) أي: القسطلاني في «المواهب» .
(٢) أيضا في «المواهب» .
[ ١٠٩ ]
قميصين ولا رداءين ولا إزارين، ولا زوجين من النّعال.
وكان كمّ قميص رسول الله ﷺ إلى الرّسغ.
و(الرّسغ): مفصل ما بين الكفّ والسّاعد من الإنسان.
وكان رسول الله ﷺ كمّه مع الأصابع.
وكان قميصه ﷺ فوق الكعبين، وكان كمّه مع الأصابع.
وكان ﷺ إذا لبس قميصا.. بدأ بميامنه.
وعن قرّة بن إياس رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ في رهط من مزينة لنبايعه، وإنّ زرّ قميصه مطلق، قال:
فأدخلت يدي في جيب قميصه، فمسست الخاتم «١» .
وكان أحبّ الثّياب إلى رسول الله ﷺ الحبرة- بوزن عنبة- برد يمانيّ محبّر؛ أي: مزيّن محسّن.
وكان لرسول الله ﷺ بردان أخضران، فيهما خطوط خضر لا بحتا «٢» .
وكان ﷺ يعجبه الثّياب الخضر.
وعن أبي جحيفة رضي الله تعالى عنه قال: رأيت النّبيّ ﷺ وعليه حلّة حمراء كأنّي أنظر إلى بريق ساقيه.
و(الحلّة) بالضّمّ: إزار ورداء، ولا تكون حلّة إلّا من ثوبين، أو
_________________
(١) أي: خاتم النبوة.
(٢) أي: لم يكن أخضر خالصا.
[ ١١٠ ]
ثوب له بطانة.
وكان رسول الله ﷺ يكسو بناته خمر القزّ والإبريسم «١» .
و(الخمر) - ك «كتب»، جمع خمار- وهو: ما تغطّي به المرأة رأسها.
وكان يتّبع الحرير من الثّياب.. فينزعه.
وكان قيمة ثوبه ﷺ عشرة دراهم.
وعن قيلة بنت مخرمة رضي الله تعالى عنها قالت: رأيت النّبيّ ﷺ وعليه أسمال «٢» مليّتين.
وقوله (مليّتين) - تصغير ملاءة- وهي: كلّ ثوب لم يضمّ بعضه إلى بعض بخيط، بل كلّه نسج واحد.
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ خرج وهو يتوكّأ على أسامة رضي الله تعالى عنه، وعليه ثوب قطريّ قد توشّح به.. فصلّى بهم.
و(قطريّ): نسبة إلى القطر؛ وهو: نوع من البرود اليمانيّة تتّخذ من قطن، وفيه حمرة وأعلام مع خشونة.
_________________
(١) القزّ: هو ما يعمل منه الإبريسم، ولهذا قال بعضهم: القزّ والإبريسم مثل الحنطة والدقيق؛ فالإبريسم ما يؤخذ من القزّ كأخذ الدقيق من الحنطة.
(٢) الأسمال- جمع سمل- وهو: الثوب الخلق.
[ ١١١ ]
و(توشّح به) أي: وضعه فوق عاتقيه، أو خالف بين طرفيه وربطهما بعنقه.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: خرج رسول الله ﷺ ذات غداة وعليه مرط من شعر أسود.
و(المرط): كساء طويل واسع.
وعن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ لبس جبّة روميّة ضيّقة الكمّين.
و(الجبّة): ثوبان بينهما حشو، وقد تقال لما لا حشو له إذا كانت ظهارته «١» من صوف.
وكان كمّه ﷺ إلى الرّسغ، ولبس القباء «٢» والفرجيّة، ولبس جبّة ضيّقة الكمّين في سفره.
وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما: أنّها أخرجت جبّة طيالسة «٣» كسروانيّة، لها لبنة ديباج، وفرجاها مكفوفان «٤» بالدّيباج، قالت: هذه جبّة رسول الله ﷺ، كانت عند عائشة رضي الله تعالى عنها، فلمّا قبضت.. قبضتها، وكان النّبيّ صلّى الله عليه
_________________
(١) ظهارته: ما يظهر للعين، بخلاف البطانة.
(٢) القباء: الثوب المشقوق من أمام؛ كالجبّة المعهودة.
(٣) طيالسة: نوع من الثياب لها علم.
(٤) وفي رواية: وفرجيها مكفوفين، وفي رواية: وفروجا مكفوفة. و(الفرج في الثوب): الشق في أسفله من خلف وأمام.
[ ١١٢ ]
وسلّم يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى نستشفي بها.
ومعنى (اللّبنة): رقعة في جيب القميص.
وكان رسول الله ﷺ يلبس ما وجد؛ فمرّة شملة، ومرّة برد حبرة يمانيّة، ومرّة جبّة صوف، ما وجد من المباح لبس.
و(الشّملة): كساء صغير يؤتزر به.
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: أخرجت إلينا عائشة رضي الله تعالى عنها كساء ملبّدا وإزارا غليظا؛ فقالت: قبض رسول الله ﷺ في هذين.
و(الكساء): ما يستر أعلى البدن.
و(الملبّد): المرقّع.
و(الإزار): ما يستر أسفل البدن.
و(غلظه): خشونته.
وكان له ﷺ كساء ملبّد يلبسه ويقول: «إنّما أنا عبد، ألبس كما يلبس العبد» .
وكان له ﷺ كساء أسود، فوهبه، فقالت له أمّ سلمة: بأبي أنت وأمّي ما فعل ذلك الكساء الأسود؟ فقال: «كسوته»، فقالت: ما رأيت شيئا قطّ أحسن من بياضك على سواده.
وكان ﷺ يتقنّع بردائه تارة ويتركه أخرى، وهو «١»
_________________
(١) أي: رداؤه ﷺ.
[ ١١٣ ]
الّذي يسمّى في العرف: الطّيلسان.
وكان ﷺ غالب ما يلبس هو وأصحابه ما نسج من القطن، وربّما لبسوا ما نسج من الصّوف والكتّان.
ولبس ﷺ الشّعر الأسود. ولبس مرّة بردة من الصّوف.. فوجد ريح الضّأن فطرحها.
وكان لرسول الله ﷺ سراويل، ولبس النّعل الّتي تسمّى: التّاسومة «١» .
وكان له ﷺ ملاءة مصبوغة بالزّعفران، تنقل معه إلى بيوت أزواجه، فترسلها من كان نائما عندها إلى صاحبة النّوبة، فترشّها بالماء، فتظهر رائحة الزّعفران، فينام معها فيها.
وكانت له ﷺ ملحفة مصبوغة بالزّعفران، وربّما صلّى بالنّاس فيها واحدها، وربّما لبس الكساء واحده وما عليه غيره.
وكان ﷺ ربّما صلّى باللّيل في الإزار، وارتدى ببعضه ممّا يلي هدبه، وألقى البقيّة على بعض نسائه، فيصلّي كذلك.
وكانت ثيابه ﷺ كلّها مشمّرة فوق الكعبين، وكان إزاره فوق ذلك إلى نصف السّاق، وكان قميصه مشدود الأزرار، وربّما حلّ الأزرار في الصّلاة وغيرها.
_________________
(١) التاسومة: ما له سير يستر بعض الأصابع مما يلي أصولها، وبعض ظهر القدم من تلك الجهة.
[ ١١٤ ]
وعن عبيد بن خالد رضي الله تعالى عنه قال: بينا أنا أمشي بالمدينة إذا إنسان خلفي يقول: «ارفع إزارك فإنّه أتقى وأبقى»، فإذا هو رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله؛ إنّما هي بردة ملحاء، قال:
«أما لك فيّ أسوة؟!»، فنظرت فإذا إزاره إلى نصف ساقيه.
ومعنى (ملحاء): سوداء فيها خطوط بيض يلبسها الأعراب، ليست من الثّياب الفاخرة.
و(الأسوة): القدوة.
وعن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه قال: كان عثمان بن عفّان رضي الله تعالى عنه يأتزر إلى أنصاف ساقيه، وقال: هكذا كانت إزرة «١» صاحبي؛ يعني النّبيّ ﷺ.
وعن حذيفة بن اليمان رضي الله [تعالى] عنهما قال: أخذ رسول الله ﷺ بعضلة ساقي فقال: «هذا موضع الإزار، فإن أبيت.. فأسفل، فإن أبيت.. فلا حقّ للإزار في الكعبين» .
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: راني النّبيّ ﷺ أسبلت إزاري فقال: «يا ابن عمر؛ كلّ شيء لمس الأرض من الثّياب في النّار» .
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النّبيّ ﷺ: «ما أسفل من الكعبين من الإزار.. في النّار»، وهو محمول
_________________
(١) الإزرة: اسم لهيئة الاتّزار.
[ ١١٥ ]
على ما ورد من قيد الخيلاء، فهو الّذي ورد فيه الوعيد.
وكان رسول الله ﷺ يرخي إزاره من بين يديه، ويرفعه من ورائه.
وكان ﷺ إذا استجدّ ثوبا.. سمّاه باسمه؛ قميصا، أو عمامة، أو رداء، ثمّ يقول: «اللهمّ؛ لك الحمد أنت كسوتنيه، أسألك من خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شرّه وشرّ ما صنع له» .
وكان ﷺ إذا لبس ثوبا جديدا.. حمد الله تعالى، وصلّى ركعتين، وكسا الخلق «١» .
وكان ﷺ إذا استجدّ ثوبا.. لبسه يوم الجمعة.
وكان له ﷺ برد يلبسه في العيدين والجمعة.
وكان ﷺ يلبس بردة حمراء في كلّ عيد.
وكان له ﷺ برد حبرة يلبسه في كلّ عيد.
ومرّ عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه مع النّبيّ ﷺ بالسّوق فرأى حلّة من سندس.. فقال: يا رسول الله؛ لو اتّخذت هذه للعيد، فقال: «إنّما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة» .
وكانت الصّحابة رضي الله تعالى عنهم يلبسون ذكورهم الصّغار يوم العيد أحسن ما يقدرون عليه من الحليّ، والمصبّغات من الثّياب.
وكان له ﷺ ثوبان لجمعته خاصّة سوى ثيابه في غير
_________________
(١) الخلق: الثوب البالي، والمعنى: أنه يتصدق به.
[ ١١٦ ]
الجمعة، وربّما لبس الإزار الواحد ليس عليه غيره؛ يعقد طرفيه بين كتفيه، وربّما أمّ به النّاس على الجنائز، وربّما صلّى في بيته في الإزار الواحد ملتحفا به مخالفا بين طرفيه، ويكون ذلك الإزار هو الّذي جامع فيه يومئذ.
وكان إذا قدم عليه الوفد.. لبس أحسن ثيابه، وأمر علية أصحابه بذلك.
وكان رداؤه ﷺ طوله ستّة أذرع، في ثلاثة وشبر.
وكان إزاره أربعة وشبرا، في عرض ذراعين وشبر.
ولبس ﷺ الأبراد الّتي فيها خطوط حمر.
وكان ينهى أصحابه عن لبس الأحمر الخالص.
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «عليكم بالبياض من الثّياب؛ ليلبسها أحياؤكم، وكفّنوا فيها موتاكم؛ فإنّها من خير ثيابكم» .
وفي «المواهب»:
عن عروة: أنّ طول رداء النّبيّ ﷺ أربعة أذرع، وعرضة ذراعان وشبر.
وفيها: