كان رسول الله ﷺ إذا خلا بنسائه.. ألين النّاس، وأكرم النّاس، ضحّاكا بسّاما.
وكان ﷺ من أفكه النّاس.
قال المناويّ: (أي: من أمزحهم إذا خلا بنحو أهله) .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: حدّث رسول الله ﷺ ذات ليلة نساءه حديثا، فقالت امرأة منهنّ: كأنّ الحديث حديث خرافة.
فقال: «أتدرون ما خرافة؟ إنّ خرافة كان رجلا من عذرة، أسرته الجنّ في الجاهليّة، فمكث فيهم دهرا، ثمّ ردّوه إلى الإنس، فكان يحدّث النّاس بما رأى من الأعاجيب، فقال النّاس: (حديث خرافة)» .
وكان ﷺ كثيرا ما يقبّل عرف ابنته فاطمة الزّهراء،
[ ٢٢٢ ]
وكان ﷺ كثيرا ما يقبّلها في فمها أيضا.
و(العرف): أعلى الرأس، ويطلق على الرّقبة.
وكان ﷺ مع أصحابه وأزواجه كواحد منهم، وكان حسن المعاشرة.
وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها تقول: كنت إذا هويت شيئا..
تابعني ﷺ عليه. وكنت إذا شربت من الإناء.. أخذه فوضع فمه على موضع فمي وشرب، وكان ينهش فضلتي من اللّحم الّذي على العظم، وكان يتّكئ في حجري ويقرأ القران.
وحدّثت عائشة رضي الله تعالى عنها رسول الله ﷺ بحديث أمّ زرع؛ وهو: أنّ إحدى عشرة امرأة تعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهنّ شيئا، فوصفت كلّ واحدة زوجها، فكانت أحسنهنّ وصفا لزوجها وأكثرهنّ تعدادا لنعمه عليها: زوجة أبي زرع.
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فقال لي رسول الله ﷺ: «كنت لك كأبي زرع لأمّ زرع» .
وكان ﷺ يسرّب «١» إلى عائشة رضي الله تعالى عنها بنات الأنصار يلعبن معها.
وكان ﷺ يريها الحبشة؛ وهم يلعبون في المسجد، وهي متّكئة على منكبه.
_________________
(١) يسرّب: يرسل.
[ ٢٢٣ ]
وروي: أنّه ﷺ سابقها، فسبقته، ثمّ سابقها بعد ذلك، فسبقها وقال: «هذه بتلك» .
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّهم كانوا يوما عند رسول الله ﷺ في بيت عائشة رضي الله تعالى عنها، إذ أتي بصحفة خبز ولحم من بيت أمّ سلمة، فوضعت بين يدي رسول الله ﷺ، فقال: «ضعوا أيديكم»، فوضع نبيّ الله ﷺ [يده]، ووضعنا أيدينا، فأكلنا وعائشة تصنع طعاما عجّلته، وقد رأت الصّحفة الّتي أتي بها، فلمّا فرغت من طعامها.. جاءت به فوضعته، ورفعت صحفة أمّ سلمة فكسرتها، فقال رسول الله ﷺ:
«كلوا باسم الله؛ غارت أمّكم» . ثمّ أعطى صحفتها أمّ سلمة؛ فقال:
«طعام مكان طعام، وإناء مكان إناء» . رواه الطّبرانيّ في «الصّغير» .
وهو عند البخاريّ بلفظ: كان ﷺ عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمّهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت الّتي [النّبيّ] في بيتها يد الخادم، فسقطت الصّحفة فانفلقت، فجمع ﷺ فلق الصّحفة، ثمّ جعل يجمع فيها الطّعام الّذي كان في الصّحفة ويقول: «غارت أمّكم»، ثمّ حبس الخادم، حتّى أتي بصحفة من عند الّتي هو في بيتها، فدفع الصّحفة إلى الّتي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت الّتي كسرت.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أتيت النّبيّ ﷺ بخزيرة طبختها له، وقلت لسودة والنّبيّ ﷺ بيني
[ ٢٢٤ ]
وبينها؛ فقلت لها: كلي، فأبت، فقلت لها: كلي، فأبت، فقلت لها: لتأكلين، أو لألطّخنّ بها وجهك، فأبت، فوضعت يدي في الخزيرة فلطخت بها وجهها، فضحك رسول الله ﷺ.
و(الخزيرة): لحم يقطع قطعا صغارا، ويصبّ عليه ماء كثير، فإذا نضج ذرّ عليه الدّقيق.
وكان ﷺ إذا غضبت عائشة.. عرك بأنفها وقال:
«يا عويش؛ قولي: اللهمّ ربّ محمّد اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلّات الفتن» .
وكان ﷺ إذا أتي بهديّة قال: «اذهبوا بها إلى بيت فلانة، فإنّها كانت صديقة لخديجة- رضي الله تعالى عنها- إنّها كانت تحبّ خديجة» .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة رضي الله تعالى عنها لما كنت أسمعه يذكرها، وإن كان ليذبح الشّاة فيهديها إلى خلائلها، واستأذنت عليه أختها فارتاح لها، ودخلت عليه امرأة فهشّ لها وأحسن السّؤال عنها، فلمّا خرجت قال:
«إنّها كانت تأتينا أيّام خديجة، وإنّ حسن العهد من الإيمان» .
قال القسطلّانيّ: (وهكذا كانت أحواله ﵊ مع أزواجه، لا يأخذ عليهنّ ويعذرهنّ، وإن أقام عليهنّ قسطاس عدل أقامه من غير قلق، ولا غضب.
وبالجملة: فمن تأمّل سيرته ﵊ مع أهله وأصحابه
[ ٢٢٥ ]
وغيرهم من الفقراء، والأيتام، والأرامل، والأضياف، والمساكين..
علم أنّه قد بلغ من رقّة القلب ولينه الغاية الّتي لا مرمى وراءها لمخلوق، وإنّه كان يشدّد في حدود الله وحقوقه ودينه؛ حتّى قطع يد السّارق
إلى غير ذلك) .
[ ٢٢٦ ]