عن عائشة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها قالت: كان أحبّ الشّراب إلى رسول الله ﷺ الحلو البارد.
وكان رسول الله ﷺ يشرب العسل الممزوج بالماء البارد.
وعن جابر: أنّه ﷺ دخل على رجل من الأنصار- ومعه صاحب له- فسلّم، فردّ الرّجل وهو يحوّل الماء في حائطه، فقال ﷺ: «إن كان عندك ماء بات في شنّة، وإلّا..
كراعنا»، فقال: عندي ماء بات في شنّ، فانطلق إلى العريش فسكب في قدح ماء، ثمّ حلب عليه من داجن [له]؛ فشرب ﵊.
و(الشّنّ): الجلد البالي.
و(الدّاجن): ما يألف البيوت من الشّياه ونحوها.
وكان رسول الله ﷺ إذا استنّ «١» .. أعطى السّواك
_________________
(١) من الاستنان، وهو: تنظيف الأسنان بدلكها بالسّواك.
[ ١٨٣ ]
الأكبر، وإذا شرب.. أعطى الّذي عن يمينه.
وكان ﷺ يمصّ الماء مصّا، ولا يعبّ عبّا. وكان [ﷺ] يدفع فضل سؤره إلى من على يمينه، فإن كان من على يساره أجلّ رتبة.. قال للّذي على يمينه: «السّنّة أن تعطى، فإن أحببت.. اثرتهم» .
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: دخلت مع رسول الله ﷺ أنا وخالد بن الوليد على ميمونة، فجاءتنا بإناء من لبن، فشرب رسول الله ﷺ، وأنا على يمينه، وخالد عن شماله.
فقال لي: «الشّربة لك، فإن شئت اثرت بها خالدا» .
فقلت: ما كنت لأؤثر على سؤرك أحدا.
ثمّ قال رسول الله ﷺ: «من أطعمه الله طعاما..
فليقل: (اللهمّ؛ بارك لنا فيه، وأطعمنا خيرا منه)، ومن سقاه الله لبنا.. فليقل: (اللهمّ؛ بارك لنا فيه، وزدنا منه) .
ثمّ قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس شيء يجزىء مكان الطّعام والشّراب غير اللّبن» .
وكان ﷺ يشرب قاعدا، وكان ذلك عادته. رواه مسلم.
وفي رواية له أيضا: أنّه [ﷺ] نهى عن الشّرب قائما.
[ ١٨٤ ]
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنّ النّبيّ ﷺ شرب من زمزم وهو قائم.
وكان ﷺ إذا أراد أن يتحف الرّجل بتحفة.. سقاه من ماء زمزم.
وكان ﷺ يحمل ماء زمزم.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي «١» رضي الله تعالى عنهما قال:
رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائما وقاعدا.
وعن النّزّال بن سبرة قال: أتي عليّ بكوز من ماء وهو في الرّحبة «٢»، فأخذ منه كفّا فغسل يديه، ومضمض، واستنشق، ومسح وجهه وذراعيه ورأسه، ثمّ شرب وهو قائم، ثمّ قال: هذا وضوء من لم يحدث، هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل.
وعن كبشة رضي الله تعالى عنها قالت: دخل عليّ النّبيّ ﷺ، فشرب من في قربة معلّقة قائما، فقمت إلى فيها فقطعته- أي:
قطعت فم القربة للتّبرّك والاستشفاء.
ووقع مثل ذلك لأمّ سليم رضي الله تعالى عنها.
وكان رسول الله ﷺ لا ينفخ في طعام ولا شراب، ولا يتنفّس في الإناء.
_________________
(١) الجمهور على كتابته بالياء، وهو الفصيح عند أهل العربية، ويقع في كثير من كتب الحديث والفقه أو أكثرها بحذف الياء؛ وهي لغة.
(٢) المكان المتّسع؛ وهو هنا: رحبة الكوفة، وكان يجلس فيها للحكم أو للوعظ.
[ ١٨٥ ]
وكان ﷺ إذا شرب.. تنفّس ثلاثا، ويقول: «هو أهنأ، وأمرأ، وأبرأ» .
وكان ﷺ إذا شرب.. تنفّس مرّتين، وربّما كان يشرب بنفس واحد حتّى يفرغ.
وكان ﷺ يشرب في ثلاثة أنفاس، وإذا أدنى الإناء إلى فيه.. سمّى الله تعالى، وإذا أخّره.. حمد الله تعالى. (يفعل ذلك ثلاثا) .
وكان ﷺ لا يتنفّس في الإناء، بل ينحرف عنه.
وأتوه مرّة بإناء فيه عسل ولبن، فأبى أن يشربه، وقال: «شربتان في شربة، وإدامان في إناء واحد؟!»، ثمّ قال ﷺ: «لا أحرّمه، ولكنّي أكره الفخر والحساب بفضول الدّنيا [غدا]، وأحبّ التّواضع [لربّي ﷿]؛ فإنّ من تواضع لله.. رفعه [الله]» .
وكان يستعذب له ﷺ الماء من بيوت السّقيا.
وفي لفظ: يستسقى له الماء العذب من بئر السّقيا.
قال ابن القيّم رحمه الله تعالى: ولم يكن رسول الله ﷺ يشرب على طعامه؛ لئلّا يفسده، ولا سيّما إن كان الماء حارّا، أو باردا، فإنّه رديء جدّا.
وكان رسول الله ﷺ إذا شرب الماء.. قال:
«الحمد لله الّذي سقانا عذبا فراتا برحمته، ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا» .
[ ١٨٦ ]