روى مسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه أنّه قال: كان رسول الله ﷺ كثير العرق.
وكان عرقه ﷺ في وجهه كاللّؤلؤ، وأطيب من المسك الأذفر «١» .
وكان ﷺ إذا نزل عليه الوحي.. ثقل لذلك، وتحدّر جبينه عرقا كأنّه جمان «٢»، وإن كان في البرد.
وكان ﷺ يأتي أمّ سليم فيقيل عندها، فتبسط له نطعا «٣» فيقيل عليه، وكان كثير العرق، فكانت تجمع عرقه فتجعله في الطّيب، فقال النّبيّ ﷺ: «يا أمّ سليم؛ ما هذا؟» .
قالت: عرقك نجعله في طيبنا، وهو من أطيب الطّيب.
_________________
(١) الأذفر: شديد الرائحة.
(٢) أي: لؤلؤ.
(٣) النطع: - بفتح النون وكسرها مع فتح الطاء وسكونها، أربع لغات- وهو: بساط من أديم معروف.
[ ٨٤ ]
وفي رواية قالت: يا رسول الله؛ نرجو بركته لصبياننا. قال:
«أصبت» .
وكان كفّه ﷺ ألين من الحرير، وكانت رائحته كرائحة كفّ العطّار، مسّها ﷺ بطيب أم لم يمسّها، وكان يصافح الرّجل فيظلّ يومه يجد ريحها، ويضع يده على رأس الصّبيّ فيعرف من بين الصّبيان بريحها على رأسه.
وقال أنس: ما مسست ديباجا ولا حريرا ألين من كفّ رسول الله ﷺ.
وعن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنهما: أنّ رسول الله ﷺ مسح خدّه، قال: فوجدت ليده بردا وريحا؛ كأنّما أخرجها من جؤنة «١» عطّار.
وكان ﷺ يعرف منه ريح الطّيب إذا أقبل.
وكان ﷺ لا يسلك طريقا فيتبعه أحد.. إلّا عرف أنّه قد سلكه من طيب عرفه «٢» .
وذكر إسحاق بن راهواه: أنّ تلك كانت رائحته بلا طيب ﷺ.
وعن أمّ عاصم امرأة عتبة بن فرقد السّلميّ قالت: كنّا عند عتبة أربع
_________________
(١) الجؤنة: شبه صندوق صغير مغشّى بجلد، يضع العطار فيها عطره.
(٢) العرف: رائحة الطّيب.
[ ٨٥ ]
نسوة، فما منّا امرأة إلّا وهي تجتهد في الطّيب؛ لتكون أطيب من صاحبتها، وما يمسّ عتبة الطّيب إلّا أن يمسّ دهنا يمسح به لحيته، ولهو أطيب ريحا منّا، وكان إذا خرج إلى النّاس.. قالوا: ما شممنا ريحا أطيب من ريح عتبة، فقلت له يوما: إنّا لنجتهد في الطّيب، ولأنت أطيب ريحا منّا! فممّ ذلك؟! فقال: أخذني الشّرى «١» على عهد رسول الله ﷺ، فأتيته، فشكوت ذلك إليه، فأمرني أن أتجرّد، فتجرّدت عن ثوبي، وقعدت بين يديه، وألقيت ثوبي على فرجي، فنفث في يده، ثمّ مسح ظهري وبطني بيده، فعبق بي هذا الطّيب من يومئذ. رواه الطّبرانيّ في «معجمه الصّغير» .
وروى أبو يعلى والطّبرانيّ قصّة الّذي استعان بالنّبيّ ﷺ على تجهيز ابنته، فلم يكن عنده شيء، فاستدعاه بقارورة فسلت «٢» له فيها من عرقه، وقال: «مرها فلتطّيّب به»، فكانت إذا تطيّبات به شمّ أهل المدينة ذلك الطّيب، فسمّوا «بيت المطيّبين» .
_________________
(١) الشّرى: بثور صغار حمر حكّاكة مكربة.
(٢) أي: مسح بأصبعه.
[ ٨٦ ]