كان لنعل رسول الله ﷺ قبالان مثنّى شراكهما.
و(القبال): هو زمام يوضع بين الأصبع الوسطى والّتي تليها، ويسمّى شسعا.
وكان ﷺ يضع أحد القبالين بين الإبهام والّتي تليها، والاخر بين الوسطى والّتي تليها.
و(الشّراك): السّير.
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنّه كان يلبس النّعال السّبتيّة؛ وهي الّتي لا شعر عليها، وقال: إنّي رأيت رسول الله ﷺ يلبس النّعال الّتي ليس فيها شعر، ويتوضّأ فيها، فأنا أحبّ أن ألبسها.
وعن عمرو بن حريث رضي الله تعالى عنه أنّه قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلّي في نعلين مخصوفتين- أي: مخروزتين- ضمّ فيهما طاق إلى طاق.
وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما: أنّ النّبيّ صلّى الله عليه
[ ١٢٨ ]
وسلّم نهى أن يأكل- يعني الرّجل- بشماله، أو يمشي في نعل واحدة.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إذا انتعل أحدكم.. فليبدأ باليمين، وإذا نزع.. فليبدأ بالشّمال، فلتكن اليمين أوّلهما تنعل واخرهما تنزع.
وكان ﷺ إذا جلس يتحدّث.. يخلع نعليه.
قال الباجوريّ: (كانت نعله ﷺ مخصّرة، معقّبة، ملسّنة، كما رواه ابن سعد في «الطّبقات») .
و(المخصّرة): هي الّتي لها خصر دقيق.
و(المعقّبة): هي الّتي لها عقب، أي: سير من جلد في مؤخّر النّعل يمسك به عقب القدم.
و(الملسّنة): هي التي في مقدّمها طول على هيئة اللّسان.
قال الحافظ الكبير زين الدّين العراقيّ رحمه الله تعالى في «ألفيّة السّيرة النّبويّة» على صاحبها أفضل الصّلاة والسّلام:
ونعله الكريمة المصونه طوبى لمن مسّ بها جبينه
لها قبالان بسير وهما سبتيّتان سبتوا شعرهما
وطولها شبر وإصبعان وعرضها ممّا يلي الكعبان
سبع أصابع وبطن القدم خمس، وفوق ذا فستّ فاعلم
ورأسها محدّد وعرض ما بين القبالين اصبعان اضبطهما
وهذه مثال تلك النّعل ودورها أكرم بها من نعل
[ ١٢٩ ]
فائدة:
قال في «المواهب»: ذكر ابن عساكر تمثال نعله ﷺ في جزء مفرد، وأفرده بالتّأليف أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن خلف السّلميّ الأندلسيّ، وكذا غيرهما.
قال: ولم أثبتها اتّكالا على شهرتها، ولصعوبة ضبط تسطيرها إلّا على حاذق.
ومن بعض ما ذكر من فضلها، وجرّب من نفعها وبركتها أنّ أبا جعفر أحمد بن عبد المجيد- وكان شيخا صالحا- أعطى مثالها لبعض الطّلبة، فجاءه وقال له: رأيت البارحة من بركة هذا النّعل عجبا؛ أصاب زوجتي وجع شديد كاد يهلكها فجعلت النّعل على موضع الوجع، وقلت: اللهمّ أرني بركة صاحب هذا النّعل.. فشفاها الله تعالى للحين.
وقال أبو إسحاق: قال أبو القاسم بن محمّد: وممّا جرّب من بركته:
أنّ من أمسكه عنده متبرّكا به.. كان له أمانا من بغي البغاة، وغلبة العداة، وحرزا من كلّ شيطان مارد، وعين كلّ حاسد، وإن أمسكته الحامل بيمينها وقد اشتدّ عليها الطّلق.. تيسّر أمرها بحول الله تعالى وقوّته.
وما أحسن قول أبي بكر القرطبيّ رحمه الله تعالى:
ونعل خضعنا هيبة لبهائها وإنّا متى نخضع لها أبدا نعلو
فضعها على أعلى المفارق إنّها حقيقتها تاج وصورتها نعل
[ ١٣٠ ]
بأخمص خير الخلق حازت مزيّة على التّاج حتّى باهت المفرق الرّجل
شفاء لذي سقم، رجاء لبائس أمان لذي خوف، كذا يحسب الفضل
وعن بريدة رضي الله تعالى عنه: أنّ النّجاشيّ أهدى للنّبيّ ﷺ خفّين أسودين ساذجين، فلبسهما، ثمّ توضّأ ومسح عليهما.
ومعنى (ساذجين): لم يخالط سوادهما شيء اخر «١» .
وعن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه قال: أهدى دحية للنّبيّ ﷺ خفّين، فلبسهما.
وروى الطّبرانيّ في «الأوسط» عن الحبر «٢»: قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد الحاجة.. أبعد المشي، فانطلق ذات يوم لحاجته، ثمّ توضّأ ولبس خفّه، فجاء طائر أخضر فأخذ الخفّ الاخر فارتفع به، ثمّ ألقاه، فخرج منه أسود سالخ- أي: حيّة- فقال النّبيّ ﷺ: «هذه كرامة أكرمني الله بها. اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من شرّ من يمشي على بطنه، ومن شرّ من يمشي على رجليه، ومن شرّ من يمشي على أربع» .
_________________
(١) أو: غير منقوشين، أو: لا شعر عليهما.
(٢) الحبر: أي العالم، وهو الصحابي الجليل عبد الله بن عباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنهما. وسمي بذلك: لأنه يحبر في عبارته؛ أي يحسنها.
[ ١٣١ ]