وأمّا بكاء رسول الله ﷺ:
فكان من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق ورفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ولكن تدمع عيناه حتّى تهملان «١»، ويسمع لصدره أزيز، يبكي: رحمة لميّت، و: خوفا على أمّته وشفقة، و: من خشية الله تعالى، و: عند سماع القران، و: أحيانا في صلاة اللّيل.
فعن عبد الله بن الشّخّير رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلّي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل «٢» من البكاء.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال لي رسول الله ﷺ: «اقرأ عليّ»، فقلت: يا رسول الله؛ أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: «إنّي أحبّ أن أسمعه من غيري» . فقرأت سورة النّساء حتّى بلغت: وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء: ٤١] . قال:
فرأيت عيني رسول الله ﷺ تهملان.
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: أخذ رسول الله صلّى الله
_________________
(١) تسيل دمعها.
(٢) المرجل: قدر من النحاس، وقيل: كل قدر يطبخ فيه، وسمي بذلك لأنه إذا نصب فكأنه أقيم على رجلين.
[ ٩٧ ]
عليه وسلّم ابنة له صغيرة «١» تقضي «٢»، فاحتضنها فوضعها بين يديه، فماتت وهي بين يديه «٣» وصاحت أمّ أيمن، فقال: - يعني: النّبيّ ﷺ-: «أتبكين عند رسول الله؟!» . أي: بكاء محظورا مقترنا بالصّياح دالّا على الجزع. فقالت: ألست أراك تبكي؟
قال: «إنّي لست أبكي، إنّما هي رحمة، إنّ المؤمن بكلّ خير على كلّ حال، إنّ نفسه تنزع من بين جنبيه؛ وهو يحمد الله ﷿» .
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: شهدنا ابنة «٤» لرسول الله ﷺ ورسول الله جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان.
وعن عائشة ﵂: أنّ رسول الله ﷺ قبّل عثمان بن مظعون، وهو ميّت، وهو يبكي.
هو أخوه من الرّضاعة «٥» .
وكانت عيناه ﷺ كثيرة الدّموع والهملان.
وكسفت الشّمس مرّة، فجعل ﷺ يبكي في الصّلاة
_________________
(١) وهي: بنت بنته زينب، واسمها: أمامة.
(٢) تشرف على الموت.
(٣) أشرفت على الموت، ولم تمت حينئذ، بل عاشت بعده ﷺ حتى تزوجها علي بن أبي طالب، ومات﵁- عنها.
(٤) وهي: أم كلثوم ﵂.
(٥) وهذه الجملة من قول المصنف ﵀.
[ ٩٨ ]
وينفخ، ويقول: «يا ربّ؛ ألم تعدني ألاتعذّبهم وأنا فيهم، وهم يستغفرونك؟ ونحن نستغفرك يا ربّ» .