هو الأديب الشّاعر المفلق، العلّامة المتقن الورع، الحجّة التّقي العابد، المحبّ الصّادق، المتفاني في حبّ رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، المكثر من مدائحه؛ تأليفا ونقلا ورواية وإنشاء وتدوينا.
ناصر الدّين، أبو الفتوح وأبو المحاسن يوسف بن إسماعيل بن يوسف إسماعيل بن محمّد بن ناصر الدّين النّبهاني؛ نسبة لبني نبهان «١» .
وكانت ولادته في قرية (اجزم) يوم الخميس سنة (١٢٦٥ هـ) .
حفظ القران على والده، وكان شيخا معمّرا بلغ الثمانين، وكان والده مراة للقدوة الصالحة، فقد كان يختم كل ثلاثة أيام ختمة، مع محافظة على ضروب الطاعات، واستغراق الأوقات في القربات، مما كان له أبلغ الأثر في تكوين هذا الناشئ الذي تغذى بلبان الهدى والتقى بين يدي والده الصالح، في تلك البيئة النقية الطاهرة.
_________________
(١) قوم من عرب البادية، نزلوا بقرية (اجزم) بصيغة فعل الأمر، وهي قرية واقعة في الجانب الشمالي من أرض فلسطين؛ تابعة لقضاء (حيفا) من أعمال (عكا) .
[ ١٣ ]
ولمّا أتمّ حفظ القران الكريم وحفظ بعض المتون.. أرسله والده إلى مصر- وكان عمره إذ ذاك سبع عشرة سنة- فالتحق بالأزهر الشريف في غرّة محرم الحرام سنة (١٢٨٣ هـ)، وجاور في رواق الشوام، ودأب على الدرس والتحصيل، وتلقّى العلم من كبار الأئمة وجهابذة علماء الأمة، وكان موفقا حسن الاختيار والاهتداء إلى الراسخين في العلم المحققين في المعقول والمنقول، الذين لا يشق لهم غبار أمثال:
الشيخ إبراهيم السقا الشافعي (ت ١٢٩٨ هـ) .
والشيخ محمد الدمنهوري الشافعي (ت ١٢٨٦ هـ) .
والشيخ إبراهيم الزرو الخليلي الشافعي (ت ١٢٨٧ هـ) .
والشيخ أحمد الأجهوري الضرير الشافعي (ت ١٢٩٣ هـ) .
والشيخ عبد الهادي نجا الأبياري الشافعي (ت ١٣٠٥ هـ) .
والشيخ أحمد راضي الشرقاوي الشافعي.
والشيخ مصطفى الإشراقي الشافعي.
والشيخ صالح أجباوي الشافعي.
والشيخ محمد العشماوي الشافعي.
والشيخ محمد شمس الدين الأنبابي الشافعي (شيخ الجامع الأزهر) .
والشيخ عبد الرحمن الشربيني الشافعي.
والشيخ أحمد البابي الحلبي الشافعي.
[ ١٤ ]
- والشيخ شريف الحلبي الحنفي.
والشيخ فخر الدين اليانيه وي الحنفي.
والشيخ عبد القادر الرافعي الطرابلسي الحنفي (شيخ رواق الشوام) .
والشيخ حسن العدوي المالكي (ت ١٢٩٨ هـ) .
والشيخ محمد روبه المالكي.
والشيخ حسن الطويل المالكي.
والشيخ محمد البسيوني المالكي.
والشيخ يوسف البرقاوي الحنبلي (شيخ رواق الحنابلة) .
رحمهم الله تعالى وجزاهم عن الأمة المحمدية أحسن الجزاء.
ثم بدا لصاحب الترجمة أن يسافر من مصر ليساهم في خدمة الإسلام، وقد علا كعبه، وبزغ نجمه ورسخ في علمي المعقول والمنقول في أسلوب عال، هو السحر الحلال.. يخاله الناظر فيه سهلا وهو بعيد المنال.. فرجع في رجب سنة (١٢٨٩ هـ)، وأقام في مدينة عكا ينشر العلم، فأفاد المسلمين، وأعلى منار الدين.
ثم في سنة (١٢٩٢ هـ) رحل إلى الشام واجتمع على جماعة من العلماء؛ من أجلهم الإمام الفقيه المحدث البارع مفتي الشام السيد محمود أفندي الحمزاوي، فأجازه بإجازة مطولة بجميع مروياته بعد أن قرأ عليه في منزله بحضور جملة من طلبة العلم الشريف.
[ ١٥ ]
وجال في بلاد الشرق العربي ثم دخل الأستانة والموصل وحلب وديار بكر وشهرزور وبغداد وسامرّا وبيت المقدس والحجاز.
وتقلد القضاء في ولايات الشام، حتى صار رئيسا في محكمة الحقوق العليا ببيروت وذلك سنة (١٣٠٥ هـ) .
وحج عام ألف وثلاثمئة وعشرة، ثم دخل الحجاز بعد ذلك وأقام بالمدينة المنورة مدة.
وألف المؤلفات النافعة التي سارت بها الركبان وانتشرت في سائر البلدان، وقد فاقت على الستين كتابا في مختلف الفنون والعلوم.. وقد عظم ذكره بما صنف وابتكر، ونظم ونثر، وطبع ونشر، خصوصا في الجانب المحمدي الأعظم؛ فقد خدم السيرة المحمدية والجناب النبوي أرفع الخدمات ووقف حياته على ذلك، فنشر وكتب ما لم يتيسر لغيره في عصرنا هذا ولا عشر معشاره.. وذلك لإخلاصه رحمه الله تعالى..
ولما أحيل إلى المعاش.. شدّ أزره وشمر عن ساعد الجد، وأقبل على العبادة بهمة عالية وعزيمة صادقة، وقلب دائب على الذكر وتلاوة القران وكثرة الصلاة على رسول الله ﷺ، فأحيا ليله ونهاره بإقامة الفرائض ونوافل الطاعات، لا يفتر ولا يسأم، حتى عدّ ما يقوم به من خوارق العادات.
وكانت أنوار العبادة وتعظيم السنة والعمل بها ظاهرة على وجهه المبارك.. ولم يزل على الحال المرضي حتى دعاه مولاه.. فأجابه ولباه..
[ ١٦ ]
وكانت وفاته في بيروت في أوائل شهر رمضان الكريم سنة (١٣٥٠ هـ) عن عمر يناهز الخمس والثمانين، وهو قوي البدن، تام الصحة، مستوف لقراءة أوراده، وما اعتاده من الطاعات وأعمال الخير.
أجزل الله ثوابه، وألحقنا به على الإيمان الكامل في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، بفضله ورحمته.. امين.
[ ١٧ ]