كان رسول الله ﷺ أشدّ النّاس تواضعا، وأسكنهم من غير كبر، وأبلغهم من غير تطويل، وأحسنهم بشرا، لا يهوله شيء من أمر الدّنيا.
وكان ﷺ متواضعا في غير مذلّة.
وعن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تطروني كما أطرت النّصارى ابن مريم، إنّما أنا عبد فقولوا: (عبد الله ورسوله)» .
و(الإطراء): هو مجاوزة الحدّ في المدح.
وكان ﷺ لا يدفع عنه النّاس، ولا يضربوا عنه.
وكان ﷺ لا يأتيه أحد من حرّ ولا عبد، ولا أمة ولا مسكين.. إلّا قام معه في حاجته.
وكان ﷺ لا يستكبر عن إجابة الأمة والمسكين.
وكان ﷺ يكثر الذّكر ويقلّ اللّغو، ويطيل الصّلاة
[ ٢٣٤ ]
ويقصر الخطبة، وكان لا يأنف ولا يستكبر أن يمشي مع الأرملة والمسكين والعبد حتّى يقضي له حاجته.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت.
وعن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه: أنّ امرأة جاءت إلى النّبيّ ﷺ فقالت له: إنّ لي إليك حاجة، فقال: «اجلسي في أيّ طرق المدينة شئت أجلس إليك» .
وكان ﷺ إذا صلّى بالنّاس الغداة أقبل عليهم بوجهه فقال: «هل فيكم مريض أعوده؟»، فإن قالوا: لا.. قال: «فهل فيكم جنازة أتبعها؟»، فإن قالوا: لا.. قال: «من رأى منكم رؤيا يقصّها علينا» .
وكان ﷺ يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويعتقل الشّاة، ويجيب دعوة المملوك على خبز الشّعير.
وكان ﷺ يعود مرضى المساكين الّذين لا يؤبه لهم، ويخدمهم بنفسه ﷺ، وكان ﷺ يجيب من دعاه؛ من غنيّ أو فقير أو شريف، ولا يحتقر أحدا.
وكان ﷺ يجيب إلى الوليمة، ويشهد الجنائز.
وكان ﷺ يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلّى الله عليه
[ ٢٣٥ ]
وسلّم يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويركب الحمار، ويجيب دعوة العبد.
وكان يوم نبي قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف وعليه إكاف.
و(الخطام): الزّمام.
و(الإكاف): البرذعة «١» .
وعن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه: كان النّبيّ ﷺ يدعى إلى خبز الشّعير والإهالة السّنخة، فيجيب، ولقد كان له درع عند يهوديّ فما وجد ما يفكّها حتّى مات.
و(الإهالة السّنخة) وفي رواية: الزّنخة؛ هي: الدّهن المتغيّر الرّيح من طول المكث.
وعن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لو أهدي إليّ كراع.. لقبلت، ولو دعيت عليه..
لأجبت» .
وعنه أيضا [رضي الله تعالى عنه] قال: حجّ رسول الله ﷺ على رحل رثّ، وعليه قطيفة لا تساوي أربعة دراهم، فقال:
«اللهمّ؛ اجعله حجّا لا رياء فيه ولا سمعة» .
و(القطيفة): كساء له خمل.
هذا.. وقد فتحت عليه الأرض، وأهدى في حجّه ذلك مئة بدنة.
_________________
(١) أي: ما يوضع على الحمار ليركب عليه، كالسرج للفرس.
[ ٢٣٦ ]
ولمّا فتحت عليه مكّة ودخلها بجيوش المسلمين.. طأطأ على رحله رأسه حتّى كاد يمسّ قادمته «١»؛ تواضعا لله تعالى.
وكان ﷺ يركب ما يمكنه، فمرّة فرسا، ومرّة بعيرا، ومرّة بغلة، ومرّة حمارا، ومرّة يمشي راجلا حافيا، بلا رداء ولا قلنسوة، ليعود المرضى في أقصى المدينة.
وكان ﷺ يركب الحمار عريا، ليس عليه شيء.
وركب ﷺ الفرس مسرجة تارة، وعريانة أخرى، وكان يجري بها في بعض الأحيان.
وكان ﷺ يخرج إلى العيد ماشيا، ويرجع ماشيا.
وكان ﷺ يتوكّأ إذا مشى.
وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال: جاءني رسول الله ﷺ ليس براكب بغل ولا برذون «٢» .
وكان ﷺ يردف خلفه عبده أو غيره، وتارة يردف خلفه وقدّامه، وهو في الوسط.
ولمّا قدم ﷺ مكّة استقبله أغيلمة بني عبد المطّلب، فحمل واحدا بين يديه، واخر خلفه.
وعن قيس بن سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنهما قال: زارنا
_________________
(١) أي: مقدمة رحله.
(٢) البرذون: الفرس الأعجمي.
[ ٢٣٧ ]
رسول الله ﷺ، فلمّا أراد الانصراف.. قرّب له سعد حمارا وطّأ عليه بقطيفة، فركب ﷺ، ثمّ قال سعد: يا قيس؛ اصحب رسول الله ﷺ، قال قيس: فقال لي رسول الله ﷺ: «اركب»، فأبيت، فقال: «إمّا أن تركب، وإمّا أن تنصرف»، فانصرفت. وفي رواية أخرى: «اركب أمامي؛ فصاحب الدّابّة أولى بمقدّمها» .
وفي «المواهب»: (عن المحبّ الطّبريّ: أنّه ﷺ ركب حمارا عريا إلى قباء «١»، وأبو هريرة معه، قال: «يا أبا هريرة؛ أأحملك؟»، قال: ما شئت يا رسول الله، قال: «اركب»، فوثب أبو هريرة ليركب فلم يقدر، فاستمسك برسول الله ﷺ، فوقعا [جميعا]، ثمّ ركب ﷺ، ثمّ قال: «يا أبا هريرة؛ أأحملك؟»، قال: ما شئت يا رسول الله، فقال: «اركب»، فلم يقدر أبو هريرة على ذلك، فتعلّق برسول الله ﷺ، فوقعا جميعا، فقال: «يا أبا هريرة؛ أأحملك؟»، فقال: لا، والّذي بعثك بالحقّ لا رميتك ثالثا.
وذكر الطّبريّ أيضا: أنّه ﵊ كان في سفر وأمر أصحابه بإصلاح شاة، فقال رجل: يا رسول الله؛ عليّ ذبحها، وقال اخر: يا رسول الله؛ عليّ سلخها، وقال اخر: يا رسول الله؛ عليّ
_________________
(١) يؤنث ويذكر، ويمدّ ويقصر، ويصرف ويمنع، والأفصح: التذكير والصرف مع المدّ.
[ ٢٣٨ ]
طبخها، فقال رسول الله ﷺ: «عليّ جمع الحطب»، فقالوا: يا رسول الله؛ نكفيك العمل، فقال: «قد علمت أنّكم تكفوني، ولكن أكره أن أتميّز عليكم، فإنّ الله ﷾ يكره من عبده أن يراه متميّزا بين أصحابه») .
وقال في «الشّفا»: (عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه [قال]: وفد وفد النّجاشيّ، فقام النّبيّ ﷺ يخدمهم، فقال له أصحابه: نكفيك، قال: «إنّهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وأنا أحبّ أن أكافئهم» .
ولمّا جيء بأخته من الرّضاعة الشّيماء في سبايا هوازن، وتعرّفت له.. بسط لها رداءه، وقال لها: «إن أحببت أقمت عندي مكرمة محبّة، أو متّعتك ورجعت إلى قومك»، فاختارت قومها، فمتّعها «١» .
وقال أبو الطّفيل رضي الله تعالى عنه «٢»: رأيت النّبيّ ﷺ وأنا غلام، إذ أقبلت امرأة حتّى دنت منه، فبسط لها رداءه، فجلست عليه، فقلت: من هذه؟ قالوا: أمّه الّتي أرضعته.
وعن عمرو بن السّائب: أنّ رسول الله ﷺ كان جالسا يوما، فأقبل أبوه من الرّضاعة «٣»، فوضع له بعض ثوبه، فقعد
_________________
(١) أي: أعطاها زادا ومالا.
(٢) عامر بن واثلة الكناني.
(٣) وهو: الحارث بن عبد العزى ﵁.
[ ٢٣٩ ]
عليه. ثمّ أقبلت أمّه «١»، فوضع لها شقّ ثوبه من جانبه الاخر، فجلست عليه. ثمّ أقبل أخوه من الرّضاعة «٢»، فقام رسول الله ﷺ فأجلسه بين يديه.
وكان ﷺ يبعث إلى ثوبية- مولاة أبي لهب- مرضعته بصلة وكسوة، فلمّا ماتت.. سأل: «من بقي من قرابتها؟»، فقيل: لا أحد) .
وكان ﷺ يستفتح ويستنصر بصعاليك المسلمين «٣» .
وكان له ﷺ عبيد وإماء، وكان لا يرتفع عليهم في مأكل ولا ملبس.
وكان ﷺ يأكل مع خدمه.
وكان ﷺ يجلس مع الفقراء.
وكان ﷺ يواكل الفقراء والمساكين، ويفلي ثيابهم «٤» .
وكان ﷺ يخيط ثوبه، ويخصف نعله «٥»، ويعمل ما يعمل الرّجال في بيوتهم «٦» .
_________________
(١) أي: حليمة السعدية ﵂.
(٢) وهو: عبد الله بن الحارث بن عبد العزى ﵄.
(٣) أي: بدعاء فقرائهم لقربه من الإجابة.
(٤) أي: يزيل ما فيها من القمل.
(٥) أي: يخرز طاقا على طاق.
(٦) من الاشتغال بمهنة الأهل والنفس؛ إرشادا للتواضع وترك التكبّر.
[ ٢٤٠ ]
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنّه قيل لها: ماذا كان يعمل رسول الله ﷺ في بيته؟ قالت: كان بشرا من البشر، يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ أوسع النّاس خلقا، وكان إذا دخل بيته يكون أكثر عمله فيه الخياطة، وكان يصنع كما يصنع احاد النّاس، يشيل هذا، ويحطّ هذا، ويقمّ البيت، ويقطّع اللّحم، ويعين الخادم.
وكان ﷺ يركب الحمار، ويخصف النّعل، ويرقع القميص، ويلبس الصّوف، ويقول: «من رغب عن سنّتي.. فليس منّي» .
وكان ﷺ يعقل البعير، ويعلف ناضحه، ويأكل مع الخادم، ويعجن معها، ويحمل بضاعته من السّوق.
و(النّاضح): البعير يستقى عليه، ثمّ استعمل في كلّ بعير.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: دخلت السّوق مع رسول الله ﷺ، فاشترى سراويل وأخذه، فذهبت لأحمله، فقال: «صاحب الشّيء أحقّ بشيئه أن يحمله» .
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: لم يكن شخص أحبّ إليهم من رسول الله ﷺ، قال: وكانوا إذا رأوه.. لم يقوموا؛ لما يعلمون من كراهته لذلك.
[ ٢٤١ ]