وأمّا جلوس رسول الله ﷺ:
فعن خارجة بن زيد رضي الله [تعالى] عنه قال: كان النّبيّ ﷺ أوقر النّاس في مجلسه؛ لا يكاد يخرج شيئا من أطرافه «١» .
وكان مجلسه ﷺ مجلس حلم وحياء، وأمانة وصيانة، وصبر وسكينة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم، يتعاطفون فيه بالتّقوى، ويتواضعون، ويوقّر الكبار، ويرحم الصّغار، ويؤثرون المحتاج، ويحفظون الغريب، ويخرجون أدلّة على الخير.
قوله: (لا تؤبن فيه الحرم) أي: لا تذكر فيه النّساء بقبيح، ويصان مجلسه عن الرّفث، وما يقبح ذكره.
وكان رسول الله ﷺ يجلس بين أصحابه كأنّه أحدهم، فيأتي الغريب فلا يدري أيّهم هو حتّى يسأل عنه. فطلب أصحابه منه أن يجلس مجلسا رفيعا ليعرفه الغريب فقال: «افعلوا ما بدا لكم»، فبنوا له دكّانا من طين، فكان يجلس عليها.
و(الدّكّان) - كالدّكّة-: المكان المرتفع يجلس عليه، وهو المسطبة.
وكان ﷺ إذا جلس.. جلس إليه أصحابه حلقا حلقا.
وكان ﷺ لا يتنخّم نخامة إلّا وقعت في كفّ رجل من
_________________
(١) أي: أطراف بدنه؛ كرجليه.
[ ٢٤٢ ]
أصحابه، فيدلك بها وجهه وجلده. وكان ﷺ إذا توضّأ.. كادوا يقتتلون على وضوئه؛ أي: الماء الّذي يتوضّأ به.
وكان ﷺ إذا تكلّموا عنده.. يخفضون أصواتهم، وإذا نظروا إليه.. لا يحدّون النّظر؛ تعظيما له ﷺ.
وكان ﷺ يتخوّل «١» أصحابه بالموعظة.
وعن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلس في المسجد.. احتبى بيديه.
قوله: (احتبى) الاحتباء: أن يجلس على ألييه ويضمّ رجليه إلى بطنه بنحو عمامة يشدّها عليهما وعلى ظهره.
و(اليدان) بدل عمّا يحتبي به؛ من نحو عمامة.
وكان أكثر جلوسه: أن ينصب ساقيه جميعا، ويمسك بيديه عليهما شبه الحبوة.
وكان لا يعرف مجلسه ﷺ من مجالس أصحابه؛ لأنّه كان حيث انتهى به المجلس جلس.
وما رئي ﷺ قطّ مادّا رجليه يضيّق بهما على أصحابه؛ إلّا أن يكون المكان واسعا.
وكان أكثر جلوسه ﷺ إلى القبلة.
وعن قيلة بنت مخرمة رضي الله تعالى عنها: أنّها رأت رسول الله
_________________
(١) أي: يتعهد أصحابه بالنصائح المفيدة؛ حينا بعد حين؛ مخافة السامة عليهم.
[ ٢٤٣ ]
ﷺ في المسجد، وهو قاعد القرفصاء، قالت: فلمّا رأيت رسول الله ﷺ المتخشّع في الجلسة.. أرعدت من الفرق.
قوله: (القرفصاء) هي: أن يجلس على ألييه، ويلصق فخذيه ببطنه، ويضع يديه على ساقيه، وهي: جلسة المحتبي. وقيل: أن يجلس على ركبتيه منكبّا، ويلصق بطنه بفخذيه، ويتأبّط كفّيه.
و(الفرق): الخوف.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أتي ﷺ برجل فأرعد من هيبته ﷺ، فقال له ﷺ: «هوّن عليك، فلست بملك، إنّما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد»، فنطق الرّجل بحاجته، فقام ﷺ فقال: «يا أيّها النّاس؛ إنّي أوحي إليّ أن تواضعوا، ألا فتواضعوا حتّى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد، وكونوا عباد الله إخوانا» .
وعن عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنهما: أنّه رأى النّبيّ ﷺ مستلقيا في المسجد، واضعا إحدى رجليه على الاخرى.
وروى أبو داود بسند صحيح: أنّ رسول الله ﷺ كان إذا صلّى الفجر.. تربّع في مجلسه حتّى تطلع الشّمس حسناء؛ أي:
بيضاء نقيّة.
وكان ﷺ لا يقوم من مجلس إلّا قال: «سبحانك اللهمّ وبحمدك، لا إله إلّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك»، وقال:
[ ٢٤٤ ]
«لا يقولهنّ أحد حيث يقوم من مجلسه.. إلّا غفر له ما كان منه في ذلك المجلس» .
وكان ﷺ إذا جلس مجلسا، فأراد أن يقوم.. استغفر عشرا إلى خمس عشرة، وروى ابن السّنّيّ: عشرين مرّة.
وكان ﷺ إذا انصرف.. انحرف بجانبه.
وكان ﷺ إذا قام.. اتّكأ على إحدى يديه.