وأمّا حلم رسول الله ﷺ:
فقد كان ﷺ أحلم النّاس، وأرغبهم في العفو مع القدرة، حتّى أتي بقلائد من ذهب أو فضّة، فقسمها بين أصحابه، فقال أعرابيّ: ما أراك تعدل، قال: «ويحك فمن يعدل عليك بعدي؟!»، فلمّا ولّى.. قال: «ردّوه عليّ رويدا» .
وكان رسول الله ﷺ يقبض للنّاس يوم [حنين] «٢»، من فضّة في ثوب بلال، فقال له رجل: يا رسول الله؛ اعدل.
فقال رسول الله ﷺ: «ويحك؛ فمن يعدل إذا لم أعدل؟! فقد خبت إذا وخسرت إن كنت لا أعدل» .
فقام عمر فقال: ألا أضرب عنقه؟ فإنّه منافق.
فقال: «معاذ الله أن يتحدّث النّاس أنّي أقتل أصحابي» .
وقسم رسول الله ﷺ قسمة، فقال رجل من الأنصار: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى.
فذكر ذلك للنّبيّ ﷺ.. فاحمرّ وجهه وقال:
«رحم الله أخي موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» .
_________________
(١) أي: يتجاوز الحد أو الحق.
(٢) في نسخة: خيبر.
[ ٢١٦ ]
وبال أعرابيّ في المسجد بحضرته، فهمّ به أصحابه، فقال ﷺ: «لا تزرموه»؛ أي: لا تقطعوا عليه البول.
ثمّ قال له: «إنّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من القذر والبول والخلاء» .
وفي رواية: «قرّبوا ولا تنفّروا» .
وجاء أعرابيّ يطلب منه شيئا، فأعطاه ﷺ، ثمّ قال له: «احسنت إليك؟» .
قال الأعرابيّ: لا، ولا أجملت.
فغضب المسلمون، وقاموا إليه. فأشار إليهم أن كفّوا.
ثمّ قام ودخل منزله، وأرسل إلى الأعرابيّ وزاده شيئا، ثمّ قال له:
«احسنت إليك؟» .
قال: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا.
فقال له النّبيّ ﷺ: «إنّك قلت ما قلت وفي نفس أصحابي شيء من ذلك، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يديّ حتّى يذهب من صدورهم ما فيها عليك» .
قال: نعم.
فلمّا كان الغد أو العشيّ.. جاء فقال النّبيّ ﷺ: «إنّ هذا الأعرابيّ قال ما قال، فزدناه فزعم أنّه رضي ذلك، أكذلك؟» .
قال: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا.
[ ٢١٧ ]
فقال ﷺ: «إنّ مثلي ومثل هذا الأعرابيّ كمثل رجل كانت له ناقة شردت عليه فاتّبعها النّاس؛ فلم يزيدوها إلّا نفورا فناداهم صاحب النّاقة: خلّوا بيني وبين ناقتي، فإنّي أرفق بها وأعلم، فتوجّه لها صاحب النّاقة بين يديها، فأخذ لها من قمام الأرض فردّها هونا هونا حتّى جاءت واستناخت وشدّ عليها رحلها واستوى عليها، وإنّي لو تركتكم حيث قال الرّجل ما قال فقتلتموه دخل النّار» .
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كنت مع النّبيّ ﷺ وعليه برد غليظ الحاشية، فجذبه أعرابيّ بردائه جبذة شديدة حتّى أثّرت حاشية البرد على صفحة عاتقه، ثمّ قال: يا محمّد؛ أحمل لي على بعيريّ هذين من مال الله الّذي عندك، فإنّك لا تحمل لي من مالك ولا من مال أبيك.
فسكت النّبيّ ﷺ ثمّ قال: «المال مال الله، وأنا عبده»، ثمّ قال: «ويقاد منك يا أعرابيّ «١» ما فعلت بي» . قال:
لا. قال: «لم؟»، قال: لأنّك لا تكافئ بالسّيّئة السّيّئة.
فضحك النّبيّ ﷺ، ثمّ أمر أن يحمل له على بعير شعير وعلى الاخر تمر.
وروى الطّبرانيّ وابن حبّان والحاكم والبيهقيّ عن زيد بن سعنة- وهو كما قال النّوويّ رحمه الله تعالى: أجلّ أحبار اليهود الّذين أسلموا- أنّه
_________________
(١) أي: أتجازى على ترك أدبك.
[ ٢١٨ ]
قال: لم يبق من علامات النّبوّة شيء إلّا وقد عرفته في وجه محمّد ﷺ حين نظرت إليه، إلّا اثنتين لم أخبرهما «١» منه:
١- يسبق حلمه جهله، ٢- ولا تزيده شدّة الجهل عليه إلّا حلما.
فكنت أتلطّف له لأن أخالطه فأعرف حلمه وجهله، فابتعت منه تمرا إلى أجل، فأعطيته الثّمن، فلمّا كان قبل محلّ «٢» الأجل بيومين أو ثلاثة.. أتيته فأخذت بمجامع قميصه وردائه [على عنقه]، ونظرت إليه بوجه غليظ، ثمّ قلت: ألا تقضيني يا محمّد حقّي؟! [فو الله] إنّكم يا بني عبد المطّلب مطل.
فقال عمر: أي عدوّ الله؛ أتقول لرسول الله ما أسمع، فو الله لولا ما أحاذر [فوته] «٣» .. لضربت بسيفي رأسك.
ورسول الله ﷺ ينظر إلى عمر بسكون وتؤدة، وتبسّم.
ثمّ قال: «أنا وهو كنّا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر؛ أن تأمرني بحسن [الأداء]، وأن تأمره بحسن [التّباعة]، اذهب به يا عمر؛ فاقضه حقّه وزده عشرين صاعا مكان ما روّعته» . ففعل.
فقلت: يا عمر؛ كلّ علامات النّبوّة قد عرفتها في وجه رسول الله ﷺ حينما نظرت إليه، إلّا اثنتين لم أختبرهما: يسبق
_________________
(١) في نسخة: لم أجدهما.
(٢) أي: وقت.
(٣) وهو: بقاء الصلح بين المسلمين وبين قومه.
[ ٢١٩ ]
حلمه جهله، ولا يزيده شدّة الجهل [عليه] إلّا حلما، فقد اختبرتهما، فأشهدك أنّي قد رضيت بالله ربّا؛ وبالإسلام دينا، وبمحمّد ﷺ نبيّا.
قال القاضي عياض في «الشّفا»: (وحسبك ما ذكرناه ممّا في «الصّحيح» والمصنّفات الثّابتة، ممّا بلغ متواترا مبلغ اليقين: من صبره على مقاساة قريش، وأذى الجاهليّة، ومصابرة الشّدائد الصّعبة معهم، إلى أن أظفره الله تعالى عليهم- يعني: بفتح مكّة- وحكّمه فيهم وهم لا يشكّون في استئصال شأفتهم «١»، وإبادة خضرائهم- أي: إهلاك جماعتهم- فما زاد على أن عفا وصفح، وقال: «ما تقولون أنّي فاعل بكم؟»، قالوا: خيرا؛ أخ كريم، وابن أخ كريم، فقال: «اذهبوا؛ فأنتم الطّلقاء» .
وقال أنس رضي الله تعالى عنه: هبط ثمانون رجلا من التّنعيم صلاة الصّبح ليقتلوا رسول الله ﷺ، فأخذوا، فأعتقهم رسول الله ﷺ، فأنزل الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا [الفتح: ٢٤] .
وقال [ﷺ] لأبي سفيان- وقد سبق إليه بعد أن جلب عليه الأحزاب، وقتل عمّه وأصحابه ومثّل بهم، فعفا عنه، ولاطفه في القول- وقال: «ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم ألاإله
_________________
(١) أي: إزالتهم من أصلهم.
[ ٢٢٠ ]
إلّا الله؟!»، فقال: بأبي أنت وأمّي، ما أحلمك، وأوصلك، وأكرمك) .
وقال الإمام النّوويّ في «التهذيب»: (قد جمع الله ﷾ له ﷺ كمال الأخلاق، ومحاسن الشّيم، واتاه علم الأوّلين والاخرين، وما فيه النّجاة والفوز؛ وهو أمّيّ لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلّم له من البشر، واتاه ما لم يؤت أحدا من العالمين، واختاره على جميع الأوّلين والاخرين، وأعطاه مفاتيح خزائن الأرض كلّها؛ فأبى أن يأخذها، واختار الآخرة عليها، وكان كما وصفه الله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨] اهـ
[ ٢٢١ ]