وأمّا شجاعة رسول الله ﷺ:
فقد كان ﷺ أنجد النّاس وأشجعهم.
قال عليّ رضي الله تعالى عنه: لقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنّبيّ ﷺ، وهو [أقرب] إلى العدوّ. وكان من أشدّ النّاس يومئذ بأسا.
وقال أيضا [رضي الله تعالى عنه]: كنّا إذا حمي «١» البأس ولقي القوم
_________________
(١) في نسخة: احمرّ.
[ ٢٤٩ ]
القوم.. اتّقينا برسول الله ﷺ، فما يكون أحد أقرب إلى العدوّ منه.
وقيل: كان رسول الله ﷺ قليل الكلام، قليل الحديث، فإذا أمر النّاس بالقتال.. تشمّر.
وكان [ﷺ] من أشدّ النّاس بأسا، وكان الشّجاع هو الّذي يقرب منه في الحرب؛ لقربه من العدوّ.
وقال عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما: ما لقي النّبيّ ﷺ كتيبة إلّا كان أوّل من يضرب.
وقالوا: وكان قويّ البطش. ولمّا غشيه المشركون.. نزل عن بغلته، فجعل يقول: «أنا النّبيّ لا كذب، أنا ابن عبد المطّلب»، فما رئي يومئذ أحد أشدّ منه.
وسأل رجل البراء رضي الله تعالى عنه: أفررتم يوم حنين عن رسول الله ﷺ؟! قال: نعم، لكنّ رسول الله ﷺ لم يفرّ، كان هوازن رماة، وإنّا لمّا حملنا عليهم انكشفوا؛ فأكببنا على الغنائم، فاستقبلتنا بالسّهام.
ثمّ قال: ولقد رأيته على بغلته البيضاء- وأبو سفيان بن الحارث اخذ بلجامها- وهو يقول: «أنا النّبيّ لا كذب، أنا ابن عبد المطّلب»، فما رئي يومئذ أحد كان أشدّ منه.
وعن العبّاس رضي الله تعالى عنه قال: لمّا التقى المسلمون والكفّار.. ولّى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله صلّى الله عليه
[ ٢٥٠ ]
وسلّم يركّض بغلته نحو الكفّار، وأنا اخذ بلجامها أكفّها إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان اخذ بركابه.
وقد كان أبيّ بن خلف يقول للنّبيّ ﷺ حين افتدى يوم بدر: عندي فرس أعلفها كلّ يوم فرقا من ذرة أقتلك عليها، فقال له النّبيّ ﷺ: «أنا أقتلك إن شاء الله تعالى» . فلمّا راه يوم أحد شدّ أبيّ على فرسه على رسول الله ﷺ، فاعترضه رجال من المسلمين، فقال النّبيّ ﷺ هكذا؛ أي: خلّوا طريقه، وتناول الحربة من الحارث بن الصّمّة [رضي الله تعالى عنه]؛ فانتفض بها انتفاضة تطايروا عنه تطاير الشّعراء عن ظهر البعير إذا انتفض.
ثمّ استقبله النّبيّ ﷺ فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا- وقيل: بل كسر ضلعا من أضلاعه- فرجع إلى قريش يقول:
قتلني محمّد. وهم يقولون: لا بأس بك.
فقال: لو كان ما بي بجميع النّاس لقتلهم، أليس قد قال: «أنا أقتلك»؟! والله لو بصق عليّ.. لقتلني. فمات بسرف في قفولهم إلى مكّة.
و(الفرق): مكيال يسع [ستّة عشر] رطلا؛ كلّ رطل مئة وثلاثون درهما «١» .
و(الشّعراء): ذباب أحمر- وقيل: أزرق- يقع على الإبل فيؤذيها أذى شديدا.
_________________
(١) أي أن الفرق يعادل (٦٥٠٠) غراما. أما الدرهم فيعادل (١٢٥، ٣) غراما.
[ ٢٥١ ]
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان النّبيّ ﷺ أحسن النّاس، وأجود النّاس، وأشجع النّاس. ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق النّاس قبل الصّوت، فاستقبلهم النّبيّ ﷺ قد سبق النّاس إلى الصّوت، وهو يقول: «لن تراعوا.. لن تراعوا»، وهو على فرس لأبي طلحة عري، ما عليه سرج، والسّيف في عنقه، فقال: «لقد وجدته بحرا» .
وهذا الفرس اسمه: (المندوب) .
وفي رواية للبخاريّ: إنّ أهل المدينة فزعوا مرّة، فركب النّبيّ ﷺ فرسا لأبي طلحة كان يقطف، فلمّا رجع.. قال:
«وجدنا فرسكم هذا بحرا»، فكان بعد لا يجارى.
قوله (بحرا) البحر: الفرس الجواد الواسع الجري.
و(يقطف): يقال قطف الفرس في مشيه: إذا تضايق خطوه.
و(القطوف من الدّوابّ وغيرها): البطيء.
[ ٢٥٢ ]
الباب السّادس في صفة عبادة رسول الله ﷺ وصلاته، وصومه، وقراءته
وفيه ثلاثة فصول
[ ٢٥٣ ]