قال القاضي عياض في «الشّفا»: (قال وهب بن منبّه: قرأت في أحد وسبعين كتابا، فوجدت في جميعها: أنّ النّبيّ ﷺ أرجح النّاس عقلا، وأفضلهم رأيا.
وفي رواية أخرى: فوجدت في جميعها: أنّ الله تعالى لم يعط جميع النّاس من بدء الدّنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقله ﷺ إلّا كحبّة رمل من بين رمال الدّنيا) .
وذكر القسطلّانيّ في «المواهب»، عن «عوارف المعارف»:
(اللّبّ والعقل مئة جزء؛ تسعة وتسعون في النّبيّ ﷺ، وجزء في سائر المؤمنين.
قال: ومن تأمّل حسن تدبيره للعرب الّذين هم كالوحش الشّارد، مع الطّبع المتنافر المتباعد، وكيف ساسهم واحتمل جفاهم، وصبر على أذاهم إلى أن انقادوا إليه، واجتمعوا عليه، وقاتلوا دونه أهليهم واباءهم وأبناءهم، واختاروه على أنفسهم، وهجروا في رضاه أوطانهم وأحبّاءهم، من غير ممارسة سبقت له، ولا مطالعة كتب يتعلّم منها سير
[ ١٩٥ ]
الماضين.. تحقّق له أنّه أعقل العالمين.
ولمّا كان عقله ﵊ أوسع العقول.. لا جرم اتّسعت أخلاق نفسه الكريمة اتّساعا، لا يضيق عن شيء) .
كان رسول الله ﷺ خلقه القران.
قال الإمام الغزاليّ في «الإحياء»: (قال سعد بن هشام: دخلت على عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبيها، فسألتها عن أخلاق رسول الله ﷺ؟
فقالت: أما تقرأ القران؟!
قلت: بلى.
قالت: كان خلق رسول الله ﷺ القران.
وإنّما أدّبه القران بمثل قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [الأعراف: ١٩٩] .
وقوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ [النحل: ٩٠] .
وقوله: وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [لقمان: ١٧] .
وقوله: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى: ٤٣] .
وقوله: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة: ١٣] .
وقوله: اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا [الحجرات: ١٢]) .
[ ١٩٦ ]
وأمثال هذه التّأديبات في القران لا تنحصر.
وهو ﷺ المقصود الأوّل بالتّأديب والتّهذيب، ثمّ منه يشرق النّور على كافّة الخلق؛ فإنّه أدّب بالقران فتأدّب به، وأدّب الخلق به؛ ولذلك قال ﷺ: «بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق» .
ثمّ لمّا أكمل الله تعالى خلقه.. أثنى عليه فقال تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤] .
ثمّ قال الغزاليّ: (وعن معاذ بن جبل، عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الله حفّ الإسلام بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال» .
ومن ذلك: حسن المعاشرة، وكرم الصّنيعة، ولين الجانب، وبذل المعروف، وإطعام الطّعام، وإفشاء السّلام، وعيادة المريض المسلم؛ برّا كان أو فاجرا، وتشييع جنازة المسلم، وحسن الجوار لمن جاورت؛ مسلما كان أو كافرا، وتوقير ذي الشّيبة المسلم، وإجابة دعوة الطّعام، والدّعاء عليه، والعفو، والإصلاح بين النّاس، والجود، والكرم، والسّماحة، والابتداء بالسّلام، وكظم الغيظ، والعفو عن النّاس، واجتناب ما حرّمه الإسلام من اللهو، والباطل، والغناء، والمعازف كلّها، وكلّ ذي وتر، وكلّ ذي ذحل، والغيبة، والكذب، والبخل، والشّحّ، والجفاء، والمكر، والخديعة، والنّميمة، وسوء ذات البين، وقطيعة الأرحام، وسوء الخلق والتّكبّر، والفخر، والاختيال، والاستطالة، والبذخ، والفحش، والتّفحّش، والحقد، والحسد، والطّيرة، والبغي، والعدوان، والظّلم.
[ ١٩٧ ]
قوله وتر: (الوتر): الثّأر.
و(الذّحل): الحقد والعداوة، والثأر أيضا.
قال أنس ﵁: فلم يدع نصيحة جميلة إلّا وقد دعانا إليها وأمرنا بها، ولم يدع غشّا- أو قال: عيبا، أو قال: شيئا- إلّا حذّرناه ونهانا عنه، ويكفي من ذلك كلّه هذه الاية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠] .
وقال معاذ: أوصاني رسول الله ﷺ فقال: «يا معاذ؛ أوصيك باتّقاء الله، وصدق الحديث، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وترك الخيانة، وحفظ الجار، ورحمة اليتيم، ولين الكلام، وبذل السّلام، وحسن العمل، وقصر الأمل، ولزوم الإيمان، والتّفقّه في القران، وحبّ الآخرة، والجزع من الحساب، وخفض الجناح، وأنهاك أن تسبّ حكيما، أو تكذّب صادقا، أو تطيع اثما، أو تعصي إماما عادلا، أو تفسد أرضا..
وأوصيك باتّقاء الله تعالى عند كلّ حجر وشجر ومدر، وأن تحدث لكلّ ذنب توبة؛ السّرّ بالسّرّ، والعلانية بالعلانية») .
فهكذا أدّب [ﷺ] عباد الله، ودعاهم إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الاداب.
وعن الحسن بن عليّ رضي الله تعالى عنه قال: سألت خالي هند بن
[ ١٩٨ ]
أبي هالة «١» - وكان وصّافا- عن حلية رسول الله ﷺ- وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا- فقال:
كان رسول الله ﷺ فخما، مفخّما، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر فذكر الحديث بطوله.
قال الحسن: فكتمتها الحسين زمانا، ثمّ حدّثته فوجدته قد سبقني إليه، فسأله عمّا سألته عنه، ووجدته قد سأل أباه عن مدخله ومخرجه وشكله، فلم يدع منه شيئا.
قال الحسين: فسألت أبي عن دخول رسول الله ﷺ.
فقال: كان إذا أوى إلى منزله.. جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء؛ جزأ لله، وجزأ لأهله، وجزأ لنفسه.
ثمّ جزّأ جزأه بينه وبين النّاس، فيردّ بالخاصّة على العامّة، ولا يدّخر عنهم شيئا.
وكان من سيرته في جزء الأمّة إيثار أهل الفضل بإذنه، وقسمه على قدر فضلهم في الدّين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج؛ فيتشاغل بهم ويشغلهم في ما يصلحهم والأمّة، من مسألتهم عنه، وإخبارهم بالّذي ينبغي لهم، ويقول: «ليبلّغ الشّاهد منكم الغائب، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها، فإنّه من أبلغ
_________________
(١) وهو أخو السيدة فاطمة الزهراء من أمها خديجة رضي الله تعالى عنهما.
[ ١٩٩ ]
سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها.. ثبّت الله قدميه يوم القيامة»؛ لا يذكر عنده إلّا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره.
يدخلون روّادا- أي: طلّابا- ولا يفترقون إلّا عن ذواق «١»، ويخرجون أدلّة؛ يعني: على الخير.
قال: فسألته عن مخرجه: كيف كان يصنع فيه؟
قال: كان رسول الله ﷺ يخزن لسانه إلّا فيما يعنيه، ويؤلّفهم ولا ينفّرهم، ويكرم كريم كلّ قوم ويولّيه عليهم، ويحذر النّاس ويحترس منهم؛ من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره ولا خلقه، ويتفقّد أصحابه، ويسأل النّاس عمّا في النّاس، ويحسّن الحسن ويقوّيه، ويقبّح القبيح ويوهّيه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغافل مخافة أن يغافلوا أو يميلوا، لكلّ حال عنده عتاد- أي: شيء معدّ ومهيّأ- لا يقصّر عن الحقّ ولا يجاوزه، الّذين يلونه من النّاس خيارهم، أفضلهم عنده أعمّهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة.
قال: فسألته عن مجلسه.
فقال: كان رسول الله ﷺ لا يقوم ولا يجلس إلّا على ذكر، وإذا انتهى إلى قوم.. جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، يعطي كلّ جلسائه بنصيبه، لا يحسب جليسه أنّ أحدا أكرم عليه منه.
من جالسه أو فاوضه في حاجة.. صابره حتّى يكون هو المنصرف
_________________
(١) ذواق- من الذوق- وهو: إما حسي للأجساد كالطعام والشراب، أو معنوي للأرواح كالأدب والعلم والخير.
[ ٢٠٠ ]
عنه، ومن سأله حاجة.. لم يردّه إلّا بها أو بميسور من القول.
قد وسع النّاس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا وصاروا عنده في الحقّ سواء.
مجلسه مجلس حلم وحياء، وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم ولا تنثى فلتاته «١» . متعادلين، بل كانوا يتفاضلون فيه بالتّقوى، متواضعين، يوقّرون فيه الكبير، ويرحمون فيه الصّغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب.
وكان رسول الله ﷺ لا يمضي له وقت في غير عمل لله ﷿، أو فيما لا بدّ له من صلاح نفسه.
وكان ﷺ أحسن النّاس خلقا.
وكان ﷺ دائم البشر، سهل الخلق.
وعرّفوا (حسن الخلق) بأنّه: مخالطة النّاس بالجميل، والبشر، واللّطافة، وتحمّل الأذى، والإشفاق عليهم، والحلم، والصّبر، وترك التّرفّع والاستطالة عليهم، وتجنّب الغلظة والغضب والمؤاخذة.
وعن عليّ كرّم الله وجهه: كان رسول الله ﷺ أجود النّاس كفّا، وأوسع النّاس صدرا، وأصدق النّاس لهجة، وأوفاهم ذمّة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة. من راه بديهة.. هابه، ومن خالطه معرفة..
أحبّه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله [ﷺ] .
_________________
(١) أي: لا تشاع ولا تذاع. هذا في ظاهر اللفظ: والأولى جعل النفي منصبّا على الفلتات نفسها، لا وصفها.. فالمعنى: لا فلتات فيه أصلا. وهو من نفي الشيء بإيجابه، وهو من مستطرفات علم البيان.
[ ٢٠١ ]
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ أعلم النّاس، وأورع النّاس، وأزهد النّاس، وأكرم النّاس، وأعدل النّاس، وأحلم النّاس، وأعفّ النّاس، لم تمسّ يده يد امرأة لا يملك رقّها، أو عصمة نكاحها، أو تكون ذات محرم منه ﷺ.
وعن أنس أيضا: كان رسول الله ﷺ أحسن النّاس، وأجود النّاس، وأشجع النّاس.
وكان ﷺ أرأف النّاس بالنّاس، وأنفع النّاس للنّاس، وخير النّاس للنّاس.
وكان ﷺ أصبر النّاس على أقذار النّاس.
وعن خارجة بن زيد بن ثابت قال: دخل نفر على زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه فقالوا له: حدّثنا أحاديث رسول الله ﷺ.
قال: ماذا أحدّثكم؟ كنت جاره، فكان إذا نزل عليه الوحي.. بعث إليّ فكتبته له، فكنّا إذا ذكرنا الدّنيا.. ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة..
ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطّعام.. ذكره معنا، فكلّ هذا أحدّثكم عن رسول الله ﷺ؟!.
وكان أصحاب رسول الله ﷺ يتناشدون الشّعر بين يديه أحيانا، ويذكرون أشياء من أمر الجاهليّة، ويضحكون، فيتبسّم هو إذا ضحكوا، ولا يزجرهم إلّا عن حرام.
[ ٢٠٢ ]
وكان رسول الله ﷺ أكثر النّاس تبسّما وضحكا في وجوه أصحابه، وتعجّبا ممّا تحدّثوا به، وخلطا لنفسه بهم. ولربّما ضحك حتّى تبدو نواجذه.
وكان ضحك أصحابه عنده التّبسّم؛ اقتداء به، وتوقيرا له.
قالوا: وقد جاءه أعرابيّ يوما؛ وهو ﷺ متغيّر اللّون ينكره أصحابه، فأراد أن يسأله، فقالوا: لا تفعل يا أعرابيّ، فإنّا ننكر لونه.
فقال: دعوني، فو الّذي بعثه بالحقّ نبيّا؛ لا أدعه حتّى يتبسّم.
فقال: يا رسول الله؛ بلغنا أنّ المسيح- يعني: الدّجّال- يأتي النّاس بالثّريد وقد هلكوا جوعا.. أفترى لي- بأبي أنت وأمّي- أن أكفّ عن ثريده تعفّفا وتنزّها حتّى أهلك هزالا، أم أضرب في ثريده حتّى إذا تضلّعت شبعا.. امنت بالله وكفرت به؟!
قالوا: فضحك رسول الله ﷺ حتّى بدت نواجذه.
ثمّ قال: «لا، بل يغنيك الله بما أغنى به المؤمنين» .
وكان ﷺ يتلطّف بخواطر أصحابه، ويتفقّد من انقطع منهم عن مجلسه، وكثيرا ما يقول لأحدهم: «لعلّك يا أخي وجدت منّي، أو من إخواننا شيئا» .
وكان ﷺ إذا فقد الرّجل من إخوانه ثلاثة أيّام.. سأل عنه، فإن كان غائبا.. دعا له، وإن كان شاهدا.. زاره، وإن كان مريضا.. عاده.
[ ٢٠٣ ]
وكان ﷺ يقبل على أصحابه بالمباسطة؛ حتّى يظنّ كلّ منهم أنّه أعزّ عليه من جميع أصحابه.
وكان ﷺ يعطي كلّ من جلس إليه نصيبه من البشاشة؛ حتّى يظنّ أنّه أكرم النّاس عليه.
وعن عمرو بن العاصي رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يقبل بوجهه وحديثه على أشرّ القوم يتألّفهم بذلك، فكان يقبل بوجهه وحديثه عليّ حتّى ظننت أنّي خير القوم. فقلت:
يا رسول الله؛ أنا خير، أو أبو بكر؟
فقال: «أبو بكر» .
فقلت: يا رسول الله؛ أنا خير، أم عمر؟!
فقال: «عمر» .
فقلت: يا رسول الله؛ أنا خير، أم عثمان؟
فقال: «عثمان» .
فلمّا سألت رسول الله ﷺ فصدقني.. فلوددت أنّي لم أكن سألته.
وكان ﷺ يعطي كلّ من جلس إليه نصيبه من وجهه، حتّى كأنّ مجلسه وسمعه وحديثه ولطيف محاسنه وتوجّهه للجالس إليه.
ومجلسه مع ذلك مجلس حياء وتواضع وأمانة.
[ ٢٠٤ ]
قال تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [ال عمران: ١٥٩] .
وكان ﷺ لا يواجه أحدا في وجهه بشيء يكرهه.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله ﷺ:
أنّه كان عنده رجل به أثر صفرة. قال: وكان رسول الله ﷺ لا يكاد يواجه أحدا بشيء يكرهه، فلمّا قام.. قال للقوم: «لو قلتم له يدع هذه الصّفرة» .
قال الباجوريّ: (والمراد أنّه لا يكاد يواجه أحدا بمكروه غالبا، فلا ينافي ما ثبت عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أنّه قال: رأى رسول الله ﷺ عليّ ثوبين معصفرين فقال: «إنّ هذين من ثياب الكفّار، فلا تلبسهما» .
وفي رواية: قلت: أغسلهما؟ قال: «بل أحرقهما» .
ولعلّ الأمر بالإحراق محمول على الزّجر.
وهذا يدلّ على ما عليه بعض العلماء من تحريم المعصفر، والجمهور على كراهته) اهـ
وكان رسول الله ﷺ لا يواجه أحدا بمكروه، ولا يتعرّض في وعظه لأحد معيّن، بل يتكلّم خطابا عامّا.
وكان ﷺ إذا بلغه عن الرّجل الشّيء.. لم يقل: «ما
[ ٢٠٥ ]
بال فلان يقول؟!. ولكن يقول: «ما بال أقوام يقولون.. كذا وكذا؟!» .
وكانت معاتبته ﷺ تعريضا: «ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله تعالى..؟!» ونحو ذلك.
وكان ﷺ إذا رأى إنسانا يفعل ما لا يليق.. لم يدع أحدا يبادر إلى الإنكار عليه حتّى يتثبّت في أمره، ويعلّمه الأدب برفق.
وكان ﷺ لا يأخذ بالقرف، ولا يقبل قول أحد على أحد.
و(القرف): التّهمة.
وكان ﷺ كثيرا ما يقول: «لا تبلّغوني عن أصحابي إلّا خيرا، فإنّي أحبّ أن أخرج إليكم وأنا سليم الصّدر» .
وكان ﷺ إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره..
قال: «بشّروا ولا تنفّروا، ويسّروا ولا تعسّروا» .
وكان ﷺ إذا لقي أصحابه.. لم يصافحهم حتّى يسلّم عليهم.
وكان ﷺ إذا لقي أحدا من أصحابه.. صافحه، ثمّ أخذ بيده فشابكه، ثمّ شدّ قبضته عليها.
وكان ﷺ إذا لقيه أحد من أصحابه.. صافحه، ثمّ أخذ بيده فشابكه، ثمّ شدّ قبضته عليها.
وكان ﷺ إذا لقيه أحد من أصحابه فقام معه.. قام معه، ولم ينصرف حتّى يكون الرّجل هو الّذي ينصرف عنه، وإذا لقيه أحد من أصحابه فتناول يده.. ناوله إيّاها، فلم ينزع يده منه حتّى يكون
[ ٢٠٦ ]
الرّجل هو الّذي ينزع يده منه، وإذا لقي أحدا من أصحابه فتناول أذنه- أي: ليكلّمه سرّا-.. ناوله إيّاها؛ ثمّ لم ينزعها عنه حتّى يكون الرّجل هو الّذي ينزعها عنه؛ أي: لا ينحّي أذنه عن فمه حتّى يفرغ الرّجل من حديثه.
وكان ﷺ إذا لقيه الرّجل من أصحابه.. مسحه ودعا له.
وكان ﷺ لا يدعوه أحد من أصحابه، أو غيرهم..
إلّا قال ﷺ: «لبّيك» .
وكان ﷺ يكنّي أصحابه ويدعوهم بالكنى، وبأحبّ أسمائهم؛ إكراما لهم، واستمالة لقلوبهم، ويكنّي من لم تكن له كنية، ويكنّي النّساء اللّاتي لهنّ الأولاد، واللّاتي لم يلدن؛ يبتدئ لهنّ الكنى، ويكنّي الصّبيان، فيستلين به قلوبهم.
وكان ﷺ إذا مرّ على الصّبيان.. سلّم عليهم، ثمّ باسطهم.
وكان ﷺ إذا قدم من سفر.. تلقّي بصبيان أهل بيته.
وكان ﷺ أرحم النّاس بالصّبيان والعيال.
وكان ﷺ يؤتى بالصّبيان فيبرّك عليهم، ويحنّكهم، ويدعو لهم.
وكان ﷺ يزور الأنصار، ويسلّم على صبيانهم، ويمسح رؤوسهم.
[ ٢٠٧ ]
وعن يوسف بن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنهما قال: سمّاني رسول الله ﷺ «يوسف»، وأقعدني في حجره، ومسح على رأسي.
وكان ﷺ يلاعب زينب بنت أمّ سلمة، ويقول: «يا زوينب؛ يا زوينب» (مرارا) .
وكان ﷺ يركب الحسن والحسين على ظهره، ويمشي على يديه ورجليه، ويقول: «نعم الجمل جملكما، ونعم العدلان أنتما»، وربّما فعل ذلك بينهما، وهما على الأرض.
ودخل الحسن- وهو ﷺ قد سجد- فركب على ظهره، فأبطأ في سجوده حتّى نزل الحسن، فلمّا فرغ.. قال له بعض أصحابه: يا رسول الله؛ قد أطلت سجودك؟
قال: «إنّ ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله»؛ أي: جعلني كالرّاحلة، فركب على ظهري.
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ يصلّي والحسن والحسين يلعبان ويقعدان على ظهره.
وكان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: رأيت رسول الله ﷺ وقد أخذ بيد الحسن بن عليّ، ووضع رجليه على ركبتيه وهو يقول: «ترقّ.. ترقّ، عين بقّه حزقّة حزقّه» .
قال في «لسان العرب»: (وفي الحديث أنّ النّبيّ صلّى الله عليه
[ ٢٠٨ ]
وسلّم كان يرقّص الحسن أو الحسين؛ ويقول: «حزقّة.. حزقّة، ترقّ عين بقّه» .
(الحزقّة): الضّعيف الّذي يقارب خطوه من ضعف، فكان يرقى حتّى يضع قدميه على صدر النّبيّ ﷺ.
قال ابن الأثير: ذكرها له على سبيل المداعبة والتّأنيس له.
و(ترقّ) بمعنى: اصعد.
و(عين بقّة): كناية عن صغر العين) اهـ
وكان رسول الله ﷺ يكرم أهل الفضل في أخلاقهم، ويتألّف أهل الشّرف بالإحسان إليهم، وكان يكرم ذوي رحمه، ويصلهم من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل منهم.
وكان ﷺ يكرم بني هاشم.
وكان ﷺ من أشدّ النّاس لطفا بالعبّاس.
وكان ﷺ يجلّ العبّاس إجلال الولد للوالد.
وكان ﷺ يبدأ من لقيه بالسّلام، وإذا أخذ بيده..
سايره حتّى يكون ذلك هو المنصرف.
وكان ﷺ إذا ودّع رجلا.. أخذ بيده، فلا ينزعها حتّى يكون الرّجل هو الّذي يدع يده، ويقول: «أستودع الله دينك، وأمانتك، وخواتيم عملك» .
وكان ﷺ لا يجلس إليه أحد وهو يصلّي.. إلّا خفّف
[ ٢٠٩ ]
صلاته وأقبل عليه فقال: «ألك حاجة؟»، فإذا فرغ.. عاد إلى صلاته.
وكان ﷺ يكرم كلّ داخل عليه، حتّى ربّما بسط ثوبه لمن ليست بينه وبينه قرابة ولا رضاع، يجلسه عليه.
وكان ﷺ يؤثر الدّاخل عليه بالوسادة التي تكون تحته فإن أبي أن يقبلها.. عزم عليه حتّى يقبل.
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي: «أفّ» قطّ، وما قال لشيء صنعته: «لم صنعته؟»، ولا لشيء تركته: «لم تركته؟» .
وعنه أيضا [رضي الله تعالى عنه] قال: خدمت رسول الله ﷺ وأنا ابن ثمان سنين- خدمته عشر سنين- فما لامني على شيء قطّ، فإن لامني لائم من أهله.. قال: «دعوه، فإنّه لو قضي شيء..
كان» .
وفي «المصابيح»: عن أنس [رضي الله تعالى عنه] أيضا: كان رسول الله ﷺ من أحسن النّاس خلقا، فأرسلني يوما لحاجة؛ فقلت: والله لا أذهب- وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به رسول الله ﷺ- فخرجت حتّى أمرّ على صبيان وهم يلعبون في السّوق؛ فإذا رسول الله ﷺ قد قبض بقفاي من ورائي. قال: فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: «يا أنيس؛ أذهبت حيث أمرتك؟»، قلت: نعم، أنا أذهب يا رسول الله.
وعن أنس [رضي الله تعالى عنه] أيضا قال: كنت أمشي مع النّبيّ
[ ٢١٠ ]
ﷺ وعليه برد نجرانيّ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيّ فجبذه بردائه جبذة شديدة رجع نبيّ الله في نحر الأعرابيّ، حتّى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ قد أثّرت فيه حاشية البرد من شدّة جبذته.
ثمّ قال: يا محمّد؛ مر لي من مال الله الّذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ﷺ، ثمّ ضحك، ثمّ أمر له بعطاء.
وكان ﷺ هينا لينا، ليس بفظّ ولا غليظ.
وعن عائشة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها أنّها قالت: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشا، ولا متفحّشا، ولا صخّابا في الأسواق، ولا يجزي بالسّيّئة السّيّئة، ولكن يعفو ويصفح.
و(الصّخب): شدّة الصّوت.
وفي «الإحياء»: قد وصفه الله تعالى في «التّوراة» قبل أن يبعثه فقال: (محمّد رسول الله عبدي المختار؛ لا فظّ، ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسّيّئة السّيّئة، ولكن يعفو ويصفح، مولده بمكّة، وهجرته بطابة، وملكه بالشّام، يأتزر على وسطه، هو ومن معه دعاة للقران والعلم، يتوضّأ على أطرافه) .
وكذلك نعته في «الإنجيل» .
وكان ﷺ لا يجفو على أحد، ولو فعل معه ما يوجب الجفاء.
[ ٢١١ ]
وكان ﷺ يقبل معذرة المعتذر إليه، ولو فعل ما فعل.
وكان ﷺ إذا اذاه أحد.. يعرض عنه، ويقول:
«رحم الله أخي موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» .
وكان ﷺ يرى اللّعب المباح فلا ينكره، وترفع عليه الأصوات بالكلام الجافي، فيحتمله ولا يؤاخذ.
وكان ﷺ إذا سئل أن يدعو على أحد.. عدل عن الدّعاء عليه ودعا له.
وما ضرب رسول الله ﷺ بيده امرأة ولا خادما قطّ ولا غيرهما؛ إلّا أن يكون في الجهاد.
قال أنس رضي الله تعالى عنه: كان الخادم إذا أغضبه.. يقول ﷺ: «لولا خشية القصاص يوم القيامة.. لأوجعتك بهذا السّواك» .
ولمّا كسرت رباعيته «١» ﷺ وشجّ وجهه يوم أحد..
شقّ ذلك على أصحابه شديدا، وقالوا: لو دعوت عليهم، فقال: «إنّي لم أبعث لعّانا؛ ولكن بعثت داعيا ورحمة، اللهمّ اهد قومي فإنّهم لا يعلمون» .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت رسول الله صلّى الله
_________________
(١) هي: السّنّ التي بين الثنية والنّاب.
[ ٢١٢ ]
عليه وسلّم منتصرا من مظلمة ظلمها قطّ ما لم ينتهك من محارم الله شيء، فإذا انتهك من محارم الله شيء.. كان من أشدّهم في ذلك غضبا. وما خيّر بين أمرين إلّا اختار أيسرهما؛ ما لم يكن إثما، فإن كان إثما.. كان أبعد النّاس منه. وكان ﷺ لا يغضب لنفسه، ولا ينتقم لها، وإنّما يغضب إذا انتهكت حرمات الله ﷿؛ فحينئذ يغضب، ولا يقوم لغضبه شيء حتّى ينتصر للحقّ، وإذا غضب..
أعرض وأشاح.
والقريب والبعيد والقويّ والضّعيف.. عنده في الحقّ سواء.
قوله (أشاح) أي: أعرض بوجهه.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: استأذن رجل على رسول الله ﷺ وأنا عنده، فقال: «بئس ابن العشيرة»، أو «أخو العشيرة» .
ثمّ أذن له، فلمّا دخل.. ألان له القول.
فلمّا خرج.. قلت: يا رسول الله؛ قلت ما قلت، ثمّ ألنت له القول؟
فقال: «يا عائشة؛ إنّ من شرّ النّاس من تركه النّاس، أو ودعه النّاس اتّقاء فحشه» .
قال في «المواهب»: (هذا الرّجل هو عيينة بن حصن الفزاريّ، وكان يقال له: (الأحمق المطاع) .
وقد كانت منه في حياة النّبيّ ﷺ وبعده أمور تدلّ على
[ ٢١٣ ]
ضعف إيمانه، فيكون ما وصفه به ﵊ من علامات النّبوّة.
وأمّا إلانة القول بعد أن دخل.. فعلى سبيل الائتلاف والمداراة.
وهي مباحة، وربّما استحسنت بخلاف المداهنة.
والفرق بينهما أنّ المداراة: بذل الدّنيا لصلاح الدّنيا أو الدّين، أو هما معا.
والمداهنة: بذل الدّين لصلاح الدّنيا.
والنّبيّ ﷺ إنّما بذل له من دنياه حسن عشرته والرّفق في مكالمته، ومع ذلك فلم يمدحه بقول، فلم يناقض قوله فيه فعله، فإنّ قوله فيه حقّ، وفعله معه حسن عشرة، وقد ارتدّ عيينة في زمن الصّدّيق وحارب، ثمّ رجع وأسلم، وحضر بعض الفتوح في عهد عمر رضي الله تعالى عنه) اهـ
وقال ابن الأثير في كتابه «أسد الغابة»، في اخر ترجمة مخرمة بن نوفل رضي الله تعالى عنه: (روى النّضر بن شميل قال: حدّثنا أبو عامر الخزّاز، عن أبي يزيد المدنيّ، عن عائشة قالت: جاء مخرمة بن نوفل، فلمّا سمع النّبيّ ﷺ صوته.. قال: «بئس أخو العشيرة» . فلمّا جاء.. أدناه، فقلت: يا رسول الله؛ قلت له ما قلت «١»، ثمّ ألنت له القول؟
_________________
(١) أي: لأجله وفي شأنه، لا أنه خاطبه مباشرة؛ لفساد المعنى.
[ ٢١٤ ]
فقال: «يا عائشة؛ إنّ من شرّ النّاس من تركه النّاس اتّقاء فحشه» .
أخرجه الثّلاثة.
قال: وكان مخرمة هذا من المؤلّفة قلوبهم، وكان في لسانه فظاظة، وكان النّبيّ ﷺ يتّقي لسانه) اهـ
والظّاهر أنّ ما ذكره ابن الأثير من أنّ صاحب هذه القصّة هو مخرمة بن نوفل هو الصّحيح، أو: تكّررت.
وعن الحسن بن عليّ [رضي الله تعالى عنه] قال: قال الحسين:
سألت أبي عن سيرة النّبيّ ﷺ في جلسائه.. فقال:
كان رسول الله ﷺ دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا صخّاب ولا فحّاش، ولا عيّاب، ولا مشاحّ، يتغافل عمّا لا يشتهي؛ ولا يؤيس منه، ولا يجيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك النّاس من ثلاث: كان لا يذمّ أحدا، ولا يعيبه؛ ولا يطلب عورته، ولا يتكلّم إلّا فيما رجا ثوابه، وإذا تكلّم.. أطرق جلساؤه كأنّما على رؤوسهم الطّير، فإذا سكت.. تكلّموا، لا يتنازعون عنده الحديث، ومن تكلّم عنده..
أنصتوا له حتّى يفرغ، حديثهم عنده حديث أوّلهم، يضحك ممّا يضحكون منه، ويتعجّب ممّا يتعجّبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته حتّى أن كان أصحابه ليستجلبونهم، ويقول: «إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها.. فارفدوه» «١» .
_________________
(١) ارفدوه: أعينوه على حاجته وساعدوه حتى يصل إليها.
[ ٢١٥ ]
ولا يقبل الثّناء إلّا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتّى يجوز «١» فيقطعه بنهي، أو قيام.