وأمّا مزاح رسول الله ﷺ:
فقد كان ﷺ يمزح مع النّساء والصّبيان وغيرهم، ولا يقول إلّا حقّا.
وكان ﷺ من أفكه النّاس مع صبيّ.
وكان ﷺ إذا مزح.. غضّ بصره.
وكان ﷺ فيه دعابة قليلة.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ قال له: «يا ذا الأذنين»؛ يعني: يمازحه «١» .
وعن أنس [رضي الله تعالى عنه] أيضا قال: إن كان رسول الله ﷺ ليخالطنا حتّى يقول لأخ لي: «يا أبا عمير؛ ما فعل النّغير؟» .
قال أبو عيسى التّرمذيّ: وفقه هذا الحديث: أنّ النّبيّ ﷺ كان يمازح.
وفيه: أنّه كنّى غلاما صغيرا فقال له: «يا أبا عمير» .
وفيه: أنّه لا بأس أن يعطى الصّبيّ الطّير ليلعب به- أي: لعبا لا عذاب فيه- وإلّا.. حرم تمكينه منه؛ للنّهي عن تعذيب الحيوان.
وإنّما قال له النّبيّ ﷺ: «يا أبا عمير؛ ما فعل
_________________
(١) أي: يا صاحب الأذنين السميعتين الواعيتين الضابطتين لما سمعتا.
[ ٢٣٠ ]
النّغير» .. لأنّه كان له نغير يلعب به، فمات، فحزن الغلام عليه، فمازحه النّبيّ ﷺ فقال: «يا أبا عمير؛ ما فعل النّغير» .
و(النّغير): طائر كالعصفور، أحمر المنقار.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قالوا: يا رسول الله؛ إنّك تداعبنا، فقال: «نعم، غير أنّي لا أقول إلّا حقّا» .
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا استحمل رسول الله ﷺ، فقال: «إنّي حاملك على ولد ناقة»، فقال: يا رسول الله؛ ما أصنع بولد النّاقة؟! فقال: «وهل تلد الإبل إلّا النّوق؟!» «١» .
وعن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا من أهل البادية- وكان اسمه زاهرا «٢» - وكان يهدي إلى النّبيّ ﷺ هديّة من البادية، فيجهّزه النّبيّ ﷺ إذا أراد أن يخرج، فقال النّبيّ ﷺ: «إنّ زاهرا باديتنا؛ ونحن حاضرته»، وكان ﷺ يحبّه، وكان رجلا دميما، فأتاه النّبيّ ﷺ يوما، وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال من هذا؟ أرسلني، فالتفت فعرف النّبيّ ﷺ، فجعل لا يألو
_________________
(١) المقصود أنه ﷺ أراد أن يحمله على راحلة كبيرة، وهي بالأصل ولد الناقة فلو تدبر الرجل اللفظ لما قال ذلك.
(٢) ابن حرام الأشجعي.
[ ٢٣١ ]
ما ألصق ظهره بصدر النّبيّ ﷺ حين عرفه، فجعل النّبيّ ﷺ يقول: «من يشتري هذا العبد؟»، فقال: يا رسول الله؛ إذن والله تجدني كاسدا، فقال النّبيّ ﷺ:
«لكن عند الله لست بكاسد»، أو قال: «أنت عند الله غال» .
و(الدّميم): قبيح الوجه.
وعن زيد بن أسلم رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا «١» كان يهدي للنّبيّ ﷺ العكّة «٢» من السّمن والعسل، فإذا جاء صاحبه يتقاضاه.. جاء به إلى النّبيّ ﷺ، فقال: أعط هذا حقّ متاعه، فما يزيد النّبيّ ﷺ على أن يتبسّم، ويأمر به فيعطى.
وفي رواية: كان لا يدخل المدينة طرفة «٣» إلّا اشترى منها، ثمّ جاء فقال: يا رسول الله؛ هذا هديّة لك، فإذا جاء صاحبه يطلب ثمنه..
جاء به، فيقول: أعط هذا الثّمن، فيقول: «ألم تهده لي؟!»، فيقول: ليس عندي، فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه.
وعن الحسن رضي الله تعالى عنه قال: أتت عجوز «٤» النّبيّ صلّى الله
_________________
(١) هو عبد الله الملقب ب (حمار) بلفظ الحيوان المعروف.
(٢) انية السمن أصغر من القربة.
(٣) أي: ما يستملح ويعجب.
(٤) قيل: إنها صفية بنت عبد المطلب، أم الزبير بن العوام ﵄.
[ ٢٣٢ ]
عليه وسلّم فقالت: يا رسول الله؛ ادع الله أن يدخلني الجنّة، فقال:
«يا أمّ فلان؛ إنّ الجنّة لا يدخلها عجوز» . قال: فولّت تبكي، فقال:
«أخبروها أنّها لا تدخلها وهي عجوز؛ إنّ الله تعالى يقول: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً. فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا. عُرُبًا أَتْرابًا» [الواقعة: ٣٥- ٣٧] .
[ ٢٣٣ ]