بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله ربّ العالمين، حمدا يوافي نعمه، ويكافىء مزيده، ويضاهي كرمه.
وأشهد ألاإله إلّا الله الملك الحقّ المبين، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله سيّد الخلق أجمعين.
اللهمّ؛ صلّ أفضل صلاة وأكملها، وأدومها، وأشملها، على سيّدنا محمّد عبدك الّذي خصّصته بالسّيادة العامّة، فهو سيّد العالمين على الإطلاق، ورسولك الّذي بعثته بأحسن الشّمائل وأوضح الدّلائل؛ ليتمّم مكارم الأخلاق.
صلاة تناسب ما بينك وبينه من القرب الّذي ما فاز به أحد، وتشاكل ما لديكما من الحبّ الّذي انفرد به في الأزل والأبد.
صلاة لا يعدّها ولا يحدّها قلم ولا لسان، ولا يصفها ولا يعرفها ملك ولا إنسان.
صلاة تسود كافّة الصّلوات كسيادته على كافّة المخلوقات. صلاة يشملني نورها من جميع جهاتي في جميع أوقاتي، ويلازم ذرّاتي في حياتي وبعد مماتي.
وعلى اله الأطهار، وأصحابه الأخيار، وسلّم تسليما كثيرا.
[ ٢٧ ]
أمّا بعد:
فقد خطر لي أن أجمع كتابا أجعله وسيلة لبلوغي من رضا الله تعالى ورسوله المرام، وذريعة للانتظام في سلك «١» خدّامه ﵊.
ثمّ نظرت إلى قلّة علمي، وضعف فهمي، وكثرة ذنوبي، ووفرة عيوبي.. فأحجمت «٢» إحجام من عرف حدّه فوقف عنده، ثمّ تخطّرت «٣» سعة الكرم، وكوني من أمّة هذا النّبيّ الكريم.. فأقدمت إقدام الطّفل على الأب الشّفيق الحليم، بعد أن سمعت قول الله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨] .
فكم من أعرابيّ فدم «٤»، لا أدب له ولا فهم، ولا عقل له ولا علم، ولا كرم ولا حلم.. قابل جنابه الشّريف بما غضب له المكان والزّمان، وخاطبه بما عبس له وجه السّيف واحتدّ له لسان السّنان «٥» فكان جوابه الإغضاء «٦»، والعفو عمّن أساء، بل أدناه وقرّبه، وما لامه وما أنّبه، بل
_________________
(١) أصل معناه: الخيط، ومقصوده بذلك التقرب إليه ﷺ حتى يكون معدودا من جملة خدامه.
(٢) أي: كففت عن ذلك وتوقفت.
(٣) أي: تذكرت.
(٤) أي: عييّ عن الكلام في ثقل ورخاوة وقلّة فهم.
(٥) هو نصل الرّمح.
(٦) أي: الإمساك وعدم المؤاخذة.
[ ٢٨ ]
أفرغته أخلاقه المحمّديّة في قالب كيمياء بأيادي الإحسان «١»، حتّى اضمحلّت حدّة ذلك الوحش وانقلبت حديدته جوهرة إنسان، فتبدّل بغضه بالحبّ، وبعده بالقرب، وحربه بالسّلم، وجهله بالعلم.
واستحال إنسانا بعد أن كان ثعبانا، وصار حبيبا بعد أن كان ذيبا.
فهذا وأمثاله من شواهد مكارم أخلاقه ﷺ..
أطمعني بإمكان قبولي في جملة خدمه، ودخولي في عداد حشمه، ولا يبعد عن سعة كرم الله تعالى أن يهب لي إكراما لرسوله فوق ما أمّلته من الرّضا والقبول.
وها أنا قد توكّلت عليه سبحانه، وقبضت قبضة من أثر الرّسول، فجمعت هذا الكتاب من اثاره في شمائله الشّريفة ﷺ، وأدخلت فيه جميع الشّمائل الّتي رواها الإمام الحافظ أبو عيسى محمّد بن عيسى التّرمذيّ رضي الله تعالى عنه بعد حذف مكرّرها وأسانيدها، ولم أتقيّد بترتيبه وتبويبه، بل سلكت أسلوبا غير أسلوبه، وأضفت إليها من كتب الأئمّة الاتي ذكرهم أكثر منها بكثير، وألحقت بغريب الألفاظ ما تدعو إليه الحاجة من ضبط أو تفسير. فجاء كتابا حافلا ليس له في بابه نظير.
وسمّيته:
«وسائل الوصول إلى شمائل الرسول»
_________________
(١) المراد بذلك: تهذيب النفس باجتناب الرذائل واكتساب الفضائل.
[ ٢٩ ]
وهذا بيان الكتب الّتي نقلته منها، ورويته عنها:
١- «كتاب الشّمائل» للإمام التّرمذيّ.
٢- «المصابيح» للإمام البغويّ.
٣- «الإحياء» للإمام الغزاليّ.
٤- «الشّفا» للقاضي عياض.
٥- «التهذيب» للإمام النّوويّ.
٦- «الهدي النّبويّ» «١» للإمام محمّد ابن أبي بكر الشّهير بابن قيّم الجوزيّة.
٧- «الجامع الصّغير» للإمام السّيوطيّ.
٨- و«شرحه» للإمام العزيزيّ «٢» .
٩- «المواهب» للإمام القسطلّانيّ «٣» .
١٠- «كشف الغمّة» للإمام الشّعرانيّ.
١١- «طبقات الأولياء» «٤» .
١٢- و«كنوز الحقائق» للإمام المناويّ.
_________________
(١) المسمّى: «زاد المعاد في هدي خير العباد» .
(٢) المسمّى: «السراج المنير شرح الجامع الصغير» .
(٣) المسمّى: «المواهب اللدنية بالمنح المحمدية» .
(٤) المسمّى: «الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية»؛ وهو للإمام المناوي رحمه الله تعالى.
[ ٣٠ ]
١٣- «حاشية الشّمائل» «١» لشيخ مشايخي، أستاذ الأستاذين، خاتمة العلماء العاملين: الشّيخ إبراهيم الباجوريّ رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
فهذه أصوله، لم يخرج عنها شيء منه. اللهمّ إلّا أن يكون ذلك في تفسير الغريب، فإنّي راجعت فيما لم أجده فيها كتب اللّغة، وذلك نزر يسير.
وقد ذكرت في بعض «الشّمائل» اسم الصّحابيّ راوي الحديث والإمام المخرّج له، وفي بعضها اسم الصّحابيّ فقط، ولم أذكر في بعضها غير متن الحديث تابعا في جميع ذلك الأصول المذكورة.
وقد رتّبته على مقدّمة «٢»، وثمانية أبواب، وخاتمة.
المقدّمة تشتمل على تنبيهين:
التّنبيه الأوّل: في معنى لفظ الشّمائل.
والتّنبيه الثّاني: في الفوائد المقصودة من جمع شمائله ﷺ.
_________________
(١) المسمّاة: «المواهب اللدنية على الشمائل المحمدية» .
(٢) بفتح الدال وكسرها معا.
[ ٣١ ]
الباب الأوّل: في نسب رسول الله ﷺ، وأسمائه الشّريفة، وفيه فصلان:
الفصل الأوّل: في نسبه الشّريف ﷺ.
الفصل الثّاني: في أسمائه الشّريفة ﷺ.
الباب الثّاني: في صفة خلقة رسول الله ﷺ، وما يناسبها من أوصافه الشّريفة، وفيه عشرة فصول:
الفصل الأوّل: في جمال صورته ﷺ، وما شاكلها.
الفصل الثّاني: في صفة بصره ﷺ واكتحاله.
الفصل الثّالث: في صفة شعره ﷺ وشيبه وخضابه، وما يتعلّق بذلك.
الفصل الرّابع: في صفة عرقه ﷺ ورائحته الطّبيعيّة «١» .
الفصل الخامس: في صفة طيبه ﷺ وتطيّبه.
الفصل السادس: في صفة صوته ﷺ.
الفصل السّابع: في صفة غضبه ﷺ وسروره.
_________________
(١) يعني: من غير أن يمسّ طيبا ﷺ.
[ ٣٢ ]
- الفصل الثّامن: في صفة ضحكه ﷺ وبكائه وعطاسه.
الفصل التّاسع: في صفة كلامه ﷺ وسكوته.
الفصل العاشر: في صفة قوّته ﷺ.
الباب الثّالث: في صفة لباس رسول الله ﷺ وفراشه وسلاحه، وفيه ستّة فصول:
الفصل الأوّل: في صفة لباسه ﷺ؛ من قميص وإزار ورداء وقلنسوة «١» وعمامة ونحوها.
الفصل الثّاني: في صفة فراشه ﷺ وما يناسبه.
الفصل الثّالث: في صفة خاتمه ﷺ.
الفصل الرّابع: في صفة نعله ﷺ وخفّه.
الفصل الخامس: في صفة سلاحه ﷺ.
الفصل السّادس: كان من خلقه ﷺ أن يسمّي سلاحه ودوابّه ومتاعه.
الباب الرّابع: في صفة أكل رسول الله ﷺ وشربه ونومه، وفيه ستّة فصول:
_________________
(١) غشاء مبطن يستر الرأس، يقال لها في عرفنا: (طاقيّة أو كوفيّة) .
[ ٣٣ ]
- الفصل الأوّل: في صفة عيشه ﷺ وخبزه.
الفصل الثّاني: في صفة أكله ﷺ وإدامه «١» .
الفصل الثّالث: فيما كان يقوله ﷺ قبل الطّعام وبعده.
الفصل الرّابع: في صفة فاكهته ﷺ.
الفصل الخامس: في صفة شرابه ﷺ وقدحه.
الفصل السّادس: في صفة نومه ﷺ.
الباب الخامس: في صفة خلق رسول الله ﷺ وحلمه، وعشرته مع نسائه، وأمانته وصدقه، وحيائه ومزاحه، وتواضعه وجلوسه، وكرمه وشجاعته، وفيه ستّة فصول:
الفصل الأوّل: في صفة خلقه ﷺ وحلمه.
الفصل الثّاني: في صفة عشرته ﷺ مع نسائه رضي الله تعالى عنهنّ.
الفصل الثّالث: في صفة أمانته ﷺ وصدقه.
الفصل الرّابع: في صفة حيائه ﷺ ومزاحه.
الفصل الخامس: في صفة تواضعه ﷺ وجلوسه.
_________________
(١) ما يساغ به الخبز ويصلح به الطعام جامدا كان أو سائلا.
[ ٣٤ ]
- الفصل السّادس: في صفة كرمه ﷺ وشجاعته.
الباب السّادس: في صفة عبادة رسول الله ﷺ وصلاته. وصومه، وقراءته، وفيه ثلاثة فصول.
الفصل الأوّل: في صفة عبادته ﷺ وصلاته.
الفصل الثّاني: في صفة صومه ﷺ.
الفصل الثّالث: في صفة قراءته ﷺ.
الباب السّابع: في أخبار شتّى من أحوال رسول الله ﷺ، وبعض أذكار وأدعية كان يقولها في أوقات مخصوصة، وثلاث مئة وثلاثة عشر حديثا من جوامع كلمه ﷺ، وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأوّل: في أخبار شتّى من أحواله ﷺ.
الفصل الثّاني: في بعض أذكار وأدعية كان يقولها ﷺ في أوقات مخصوصة.
الفصل الثّالث: في ثلاث مئة وثلاثة عشر حديثا من جوامع كلمه ﷺ.
[ ٣٥ ]
الباب الثّامن: في طبّه ﷺ، وسنّه ووفاته، ورؤيته في المنام، وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأوّل: في طبّه ﷺ.
الفصل الثّاني: في سنّه ﷺ ووفاته.
الفصل الثّالث: في رؤيته ﷺ في المنام.
الخاتمة: تشتمل على خمسين حديثا، أكثرها صحاح وحسان من أدعيته ﷺ «١» .
وأسأل الله العظيم ربّ العرش الكريم أن يجعل هذا الكتاب من أفضل الحسنات الجاري نفعها في الحياة وبعد الممات، بجاه نبيّه سيّد الرّسل الكرام، عليه وعليهم الصّلاة والسّلام.
_________________
(١) وهذه الأدعية منقسمة إلى قسمين: استعاذات، ودعوات، معتبرا فيها أول الحديث، فما كان استعاذة جعل في القسم الأول؛ وما كان دعاء جعل في القسم الثاني. وأفتتحها بالدعوات القرانية.
[ ٣٦ ]