فقد كان ﷺ لا يتورّع عن مطعم حلال؛ إن وجد تمرا دون خبز.. أكله، وإن وجد لحما مشويّا.. أكله، وإن وجد خبز برّ..
أكله، أو شعيرا.. أكله، وإن وجد حلوى، أو عسلا.. أكله، وإن وجد لبنا دون خبز.. أكله واكتفى به، وإن وجد بطّيخا، أو رطبا..
أكله.
وكان ﷺ يأكل ما حضر، ولا يردّ ما وجد.
وعن زهدم الجرميّ [رحمه الله تعالى] قال: كنّا عند أبي موسى الأشعريّ رضي الله تعالى عنه، فأتي بلحم دجاج، فتنحّى رجل من القوم، فقال: ما لك؟ فقال: إنّي رأيتها تأكل شيئا، فحلفت أن لا اكلها. قال: ادن، فإنّي رأيت رسول الله ﷺ يأكل لحم الدّجاج.
وعن إبراهيم بن عمر بن سفينة، عن أبيه [رحمهما الله تعالى]، عن جدّه سفينة [رضي الله تعالى عنه] مولى رسول الله ﷺ، قال: أكلت مع رسول الله ﷺ لحم حبارى.
و(الحبارى): طائر طويل العنق، في منقاره طول، رماديّ اللّون، شديد الطيران.
[ ١٦٠ ]
وكان ﷺ يأكل لحم الدّجاج والطّير الّذي يصاد، وكان لا يشتريه ولا يصيده، ويحبّ أن يصاد له، فيؤتى به فيأكله.
وكان رسول الله ﷺ يقول لعائشة رضي الله تعالى عنها: «إذا طبختم قدرا.. فأكثروا فيها من الدّبّاء؛ فإنّها تشدّ قلب الحزين» .
وكان رسول الله ﷺ يأكل الثّريد باللّحم والقرع.
وكان [ﷺ] يحبّ القرع، ويقول: «إنّها شجرة أخي يونس» .
وعن جابر بن طارق رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على النّبيّ ﷺ فرأيت عنده دبّاء يقطّع، فقلت: ما هذا؟ فقال:
«نكثّر به طعامنا» .
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: إنّ خيّاطا دعا رسول الله ﷺ لطعام صنعه.
قال أنس: فذهبت مع رسول الله ﷺ إلى ذلك الطّعام، فقرّب إلى رسول الله ﷺ خبزا من شعير، ومرقا فيه دبّاء، وقديد «١» .
قال أنس: فرأيت النّبيّ ﷺ يتتبّع الدّبّاء حوالي القصعة، فلم أزل أحبّ الدّبّاء من يومئذ.
_________________
(١) أي: لحم مملوح مجفف في الشمس.
[ ١٦١ ]
قال النّوويّ: (فيه أنّه يستحبّ أن يحبّ المرء الدّبّاء، وكذلك كلّ شيء كان يحبّه ﷺ) .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النّبيّ ﷺ يحبّ الحلواء والعسل.
وكان أحبّ الشّراب إلى رسول الله ﷺ.. العسل.
وكان أحبّ الشّراب إلى رسول الله ﷺ.. اللّبن.
وكان ﷺ إذا شرب اللّبن.. قال: «إنّ له دسما» .
وكان ﷺ يشرب اللّبن خالصا تارة، وتارة مشوبا بالماء البارد.
وكان ﷺ إذا أتي بلبن.. قال: «بركة» .
وكان ﷺ يتمجّع التّمر باللّبن «١»، ويسمّيهما:
«الأطيبين» .
وأكل ﷺ التّمر بالزّبد «٢»، وكان يحبّه.
وفي «الإحياء»: أنّه جاء عثمان بن عفّان رضي الله تعالى عنه بفالوذج، فأكل منه، وقال: «ما هذا يا أبا عبد الله؟» .
_________________
(١) يأكلهما معا، أو يأكل التمر ويشرب عليه اللّبن.
(٢) وهو ما يستخرج بالخض من لبن البقر والغنم. أما المستخرج من لبن الإبل فلا يسمى زبدا، بل يسمى: (حبابا) .
[ ١٦٢ ]
قال: بأبي أنت وأمّي، نجعل السّمن والعسل في البرمة «١»، ونضعها على النّار، حتّى نغليه، ثمّ نأخذ مخّ الحنطة إذا طحنت، فنلقيه على السّمن والعسل في البرمة، ثمّ نسوطه «٢» حتّى ينضج؛ فيأتي كما ترى.
فقال رسول الله ﷺ: «إنّ هذا الطّعام طيّب» .
وذكر هذه القصّة في «المواهب» عن عبد الله بن سلام بوجه اخر، مع تسمية هذا الطّعام: الخبيص.
وكان أحبّ الطّعام إلى رسول الله ﷺ اللّحم، ويقول: «إنّه يزيد في السّمع، وهو سيّد الطّعام في الدّنيا والآخرة، ولو سألت ربّي أن يطعمنيه كلّ يوم.. لفعل» .
وعن عطاء بن يسار: أنّ أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها أخبرته أنّها قرّبت إلى رسول الله ﷺ جنبا مشويّا فأكل منه.
وعن عبد الله بن الحارث قال: أكلنا مع رسول الله ﷺ شواء في المسجد.
وعن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه قال: ضفت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، فأتي بجنب مشويّ، ثمّ أخذ الشّفرة «٣»؛ فجعل يحزّ، فحزّ لي بها منه.
_________________
(١) البرمة: قدر من فخار.
(٢) أي: نحركه بالسوط.
(٣) الشفرة: السكين العريض العظيم.
[ ١٦٣ ]
قال: فجاء بلال يؤذنه بالصّلاة، فألقى الشّفرة، فقال: «ما له؟! تربت يداه» «١» .
قال: وكان شاربه قد وفا «٢»، فقال له «٣»: «أقصّه لك على سواك؟
أو: قصّه على سواك» .
وكان ﷺ يأكل من الكبد إذا شويت.
وكان ﷺ يحبّ من الشّاة الذّراع والكتف.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: أتي النّبيّ ﷺ بلحم، فرفع إليه الذّراع- وكانت تعجبه- فنهس منها «٤» .
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كان النّبيّ ﷺ يعجبه الذّراع، وسمّ في الذّراع، وكان يرى أنّ اليهود سمّوه.
وعن أبي عبيدة رضي الله تعالى عنه قال: طبخت للنّبيّ ﷺ قدرا «٥»، وكان يعجبه الذّراع، فناولته الذّراع، ثمّ قال: «ناولني
_________________
(١) والمقصود منه: الزجر عن ذلك، لا حقيقة الدعاء بذلك، فإنه كره ﷺ من سيدنا بلال ﵁ إعلامه بالصلاة بحضرة الطعام، والصلاة بحضرة طعام تتوق إليه النفس.. مكروهة، مع ما في ذلك من إيذاء المضيف وكسر خاطره. مع ملاحظة أن وجوب الصلاة في أول الوقت وجوب موسع.
(٢) أي: كان شارب سيدنا بلال ﵁ قد طال وأشرف على فمه.
(٣) أي: النبي ﷺ.
(٤) أي: تناوله بأطراف أسنانه.
(٥) أي: شاة في قدر.
[ ١٦٤ ]
الذّراع»، فناولته، ثمّ قال: «ناولني الذّراع»، فقلت: يا رسول الله؛ وكم للشّاة من ذراع؟! فقال: «والذي نفسي بيده؛ لو سكتّ.. لناولتني الذّراع ما دعوت» .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما كانت الذّراع أحبّ اللّحم إلى رسول الله ﷺ، ولكنّه كان لا يجد اللّحم إلّا غبّا «١»، وكان يعجل إليها؛ لأنّها أعجلها نضجا.
وكان أحبّ الشّاة إلى رسول الله ﷺ مقدّمها.
وعن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ أطيب اللّحم لحم الظّهر» .
وعن ضباعة بنت الزّبير رضي الله تعالى عنها: أنّها ذبحت في بيتها شاة، فأرسل إليهم رسول الله ﷺ: «أن أطعمينا من شاتكم» . فقالت: ما بقي عندنا إلّا الرّقبة، وإنّي لأستحي أن أرسل إلى النّبيّ ﷺ، فرجع الرّسول، فأخبره بقولها. فقال:
«ارجع إليها، فقل لها: أرسلي بها، فإنّها هادية الشّاة، وأقرب الشّاة إلى الخير، وأبعدها عن الأذى» .
وكان رسول الله ﷺ إذا أكل اللّحم.. لم يطأطئ رأسه إليه، بل يرفعه إلى فيه، ثمّ ينهسه انتهاسا «٢» .
_________________
(١) أي: وقتا دون وقت.
(٢) ويجوز بالشين: ينهشه انتهاشا.
[ ١٦٥ ]
وأكل رسول الله ﷺ القديد؛ كما في حديث «السّنن» عن رجل قال: ذبحت لرسول الله ﷺ شاة ونحن مسافرون، فقال: «أصلح لحمها»، فلم أزل أطعمه منه إلى المدينة.
وأكل ﷺ لحم حمار الوحش.
وأكل ﷺ لحم الضّأن، وأكل ﷺ لحم الجمال سفرا وحضرا.
وأكل ﷺ لحم الأرنب.
وأكل ﷺ من دوابّ البحر.
وأكل ﷺ الثّريد؛ وهو أن يثرد الخبز بمرق اللّحم، وقد يكون معه لحم.
ومن أمثالهم: (الثّريد أحد اللّحمين) .
وأكل ﷺ الخبز بالزّيت.
وعن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «كلوا الزّيت وادّهنوا به، فإنّه من شجرة مباركة» .
وأكل ﷺ السّلق «١» مطبوخا.
_________________
(١) السّلق: بقلة؛ وهو نبت له ورق طوال، يقال له: السّلك- بالكاف بدل القاف- وقوله: (مطبوخا) أي: بالشعير.
[ ١٦٦ ]
وأكل ﷺ الخزيرة؛ وهي: ما يتّخذ من الدّقيق على هيئة العصيدة، لكنّه أرقّ منها «١» .
وأكل ﷺ الأقط «٢»؛ وهو: جبن اللّبن المستخرج زبده، وهو أشبه شيء بالكشك.
وأكل ﷺ الرّطب والتّمر والبسر «٣» .
وأكل ﷺ الكباث؛ وهو: ثمر الأراك.
وأكل ﷺ الجبن.
عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: أتي النّبيّ ﷺ بجبنة في تبوك، فدعا بسكّين فسمّى وقطع.
وأمّا البصل: فروى أبو داود في «سننه»: عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّها سئلت عن البصل فقالت: إنّ اخر طعام أكله رسول الله ﷺ فيه بصل.
والظّاهر أنّ هذا البصل كان مطبوخا، حتّى لم يبق له رائحة كريهة.
ويدلّ على هذا قولها: (إنّ اخر طعام أكله فيه بصل)، ولم تقل أكل البصل.
_________________
(١) الخزيرة: أن يؤخذ اللحم فيقطع قطعا صغارا ويصبّ عليه ماء كثير، فإذا نضج ذرّ عليه الدقيق. فإن لم يكن فيها لحم فهي: عصيدة.
(٢) بتثليث الهمزة مع سكون القاف، ويحرّك. وككتف، ورجل، وإبل.
(٣) البسر: هو البلح الطريّ.
[ ١٦٧ ]
وكان أحبّ الصّباغ إلى رسول الله ﷺ الخلّ.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّ رسول الله ﷺ قال: «نعم الإدام الخلّ» .
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: دخل رسول الله ﷺ يوم فتح مكّة على أمّ هانىء رضي الله تعالى عنها وكان جائعا، فقال لها: «أعندكم طعام اكله؟»، فقالت: إنّ عندي لكسرا يابسة، وإنّي لأستحيي أن أقدّمها إليك. فقال: «هلمّيها»، فكسّرها في ماء، وجاءته بملح، فقال: «ما من إدام؟»، فقالت: ما عندي إلّا شيء من خلّ، فقال: «هلمّيه» .
فلمّا جاءته به.. صبّه على طعامه؛ فأكل منه، ثمّ حمد الله ﷿، وأثنى عليه، ثمّ قال: «نعم الإدام الخلّ، يا أمّ هانىء؛ لا يقفر بيت فيه خلّ» .
وعن أمّ سعد رضي الله تعالى عنها قالت: دخل رسول الله ﷺ على عائشة وأنا عندها، فقال: «هل من غداء؟»، فقالت:
عندنا خبز وتمر وخلّ، فقال: «نعم الإدام الخلّ، اللهمّ؛ بارك في الخلّ؛ فإنّه كان إدام الأنبياء قبلي، ولم يقفر بيت فيه خلّ» .
وهذا مدح للخلّ بحسب الوقت- كما قاله ابن القيّم- لا لتفضيله على غيره، بل هو جبر لقلب من قدّمه له ﷺ، وتطييبا لنفسه، لا تفضيلا له على غيره؛ إذ لو حضر نحو لحم أو عسل أو لبن..
لكان أحقّ بالمدح.
[ ١٦٨ ]
وبهذا علم أنّه لا تنافي بين هذا وبين قوله: «بئس الإدام الخلّ» .
وعن أبي موسى الأشعريّ رضي الله تعالى عنه، عن النّبيّ ﷺ قال: «فضل عائشة على النّساء.. كفضل الثّريد على سائر الطّعام» .
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: أولم رسول الله ﷺ على صفيّة بتمر وسويق؛ وهو: ما يعمل من الحنطة، أو الشّعير.
وعن سلمى زوج أبي رافع- مولى النّبيّ ﷺ-: أنّ الحسن بن عليّ، وابن عبّاس وابن جعفر رضي الله تعالى عنهم..
أتوها، فقالوا: اصنعي لنا طعاما ممّا كان يعجب رسول الله ﷺ ويحسن أكله.
فقالت: يا بنيّ؛ لا تشتهيه اليوم.
قال: بلى، اصنعيه لنا.
قال: فقامت، فأخذت شيئا من شعير، فطحنته، ثمّ جعلته في قدر، وصبّت عليه شيئا من زيت، ودقّت الفلفل والتّوابل، فقرّبته إليهم.
فقالت: هذا ممّا كان يعجب النّبيّ ﷺ ويحسن أكله.
قوله (التّوابل): هي أدوية حارّة يؤتى بها من الهند، وقيل: إنّها مركّبة من الكزبرة والزّنجبيل والكمّون.
[ ١٦٩ ]
ويؤخذ من هذا: أنّه ﷺ كان يحبّ تطييب الطّعام بما تيسّر وسهل، وأنّ ذلك لا ينافي الزّهد.
وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال في غزوة الخندق:
انكفيت- أي: انطلقت إلى امرأتي- فقلت: هل عندك شيء؟ فإنّي رأيت بالنّبيّ ﷺ جوعا شديدا.
فأخرجت جرابا فيه صاع من شعير ولنا بهيمة داجن، فذبحتها، وطحنت الشّعير حتّى جعلنا اللّحم في البرمة، ثمّ جئته ﷺ، وأخبرته الخبر سرّا، وقلت له: تعال أنت ونفر معك.
فصاح: «يا أهل الخندق؛ إنّ جابرا صنع سورا «١» فحيّ هلا بكم»، وقال: «لا تنزلنّ برمتكم، ولا تخبزنّ عجينتكم حتّى أجيء» .
فلمّا جاء.. أخرجت له العجين؛ فبصق فيه، وبارك، ثمّ عمد إلى برمتنا، فبصق، وبارك، ثمّ قال: «ادعي خابزة فلتخبز معك، واغرفي من برمتكم، ولا تنزلوها» .
والقوم ألف، فأقسم بالله لقد أكلوا حتّى تركوه، وانصرفوا، وإنّ برمتنا لتغطّ- أي: تغلي- كما هي، وإنّ عجيننا ليخبز كما هو. رواه البخاريّ ومسلم.
وعن جابر أيضا قال: خرج رسول الله ﷺ وأنا معه، فدخل على امرأة من الأنصار، فذبحت له شاة؛ فأكل منها، وأتته بقناع-
_________________
(١) أي: طعاما يدعو الناس إليها، أو: هو الطعام مطلقا.
[ ١٧٠ ]
أي: طبق من رطب- فأكل منه، ثمّ توضّأ للظّهر، وصلّى، ثمّ انصرف، فأتته بعلالة من علالة الشّاة «١»، فأكل، ثمّ صلّى العصر، ولم يتوضّأ.
وعن أمّ المنذر رضي الله تعالى عنها قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ ومعه عليّ ولنا دوال «٢» معلّقة.
قالت: فجعل رسول الله ﷺ يأكل، وعليّ معه يأكل. فقال ﷺ لعليّ: «مه يا عليّ، فإنّك ناقه «٣»» .
قالت: فجلس عليّ والنّبيّ ﷺ يأكل.
قالت: فجعلت لهم سلقا وشعيرا.
فقال النّبيّ ﷺ لعليّ: «من هذا فأصب؛ فإنّ هذا أوفق لك» .
وعن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه قال: رأيت النّبيّ ﷺ أخذ كسرة من خبز، فوضع عليها تمرة وقال: «هذه إدام هذه» .
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ رسول الله ﷺ كان يعجبه الثّفل.
_________________
(١) العلالة: بقية الشيء.
(٢) وهي كالعناقيد من بسر النخل تعلّق، كلّما أرطبت.. أكل منها على التدريج.
(٣) أي: قريب برء من المرض.
[ ١٧١ ]
و(الثّفل): ما بقي من الطّعام في أسافل القدر والقصعة والصّحفة ونحوها.
وكان أحبّ الطّعام إلى رسول الله ﷺ الثّريد من الخبز، والثّريد من الحيس.
و(الحيس): التّمر مع السّمن والأقط، وقد يجعل عوض الأقط الدّقيق أو الفتيت، فيدلك الجميع حتّى يختلط.
وكان رسول الله ﷺ يحبّ من الشّاة الذّراع والكتف، ومن القدر «١» الدّبّاء، ومن التّمر العجوة. ودعا في العجوة بالبركة، وكان يقول: «إنّها من الجنّة وهي شفاء من السّمّ والسّحر» .
وكان أحبّ التّمر إلى رسول الله ﷺ العجوة.
وكان ﷺ يحبّ الزّبد والتّمر.
وكان ﷺ يحبّ من البقول الهندباء، والشّمر «٢»، والرّجلة «٣» .
وكان ﷺ يحبّ القثّاء.
وكان ﷺ يحبّ الجذب.
_________________
(١) أي: المطبوخ في القدر.
(٢) بقلة، منه نوع حلو يزرع ويؤكل ورقه وسوقه نيئا، ونوع اخر سكريّ يؤكل مطبوخا.
(٣) البقلة الحمقاء؛ التي تنبت على الطريق وفي مسيل الماء.
[ ١٧٢ ]
و(الجذب): الجمّار؛ وهو: شحم النّخل، واحدته: جذبه.
وكان رسول الله ﷺ يكره أكل الكليتين؛ لمكانهما من البول.
وكان لا يأكل من الشّاة سبعا: الذّكر، والأنثيين، والحيا- وهو الفرج- والدّم، والمثانة، والمرارة، والغدد. ويكره لغيره أكلها.
وكان ﷺ لا يأكل الجراد، ولا الكليتين.
وكان ﷺ يعاف الضّبّ، والطّحال، ولا يحرّمهما.
وكان ﷺ لا يأكل الثّوم ولا البصل، ولا الكرّاث؛ من أجل أنّ الملائكة تأتيه، وأنّه يكلّم جبريل.
وما ذمّ ﷺ طعاما قطّ؛ إن اشتهاه.. أكله، وإلّا..
تركه.
وعن عائشة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها قالت: كان النّبيّ ﷺ يأتيني فيقول: «أعندك غداء»، فأقول: لا، فيقول: «إنّي صائم»، قالت: فأتاني يوما؛ فقلت: يا رسول الله؛ إنّه أهديت لنا هديّة، قال: «وما هي؟»، قلت: حيس. قال: «أما إنّي أصبحت صائما»، قالت: ثمّ أكل.
وكان رسول الله ﷺ إذا أتي بطعام.. سأل عنه:
«أهديّة أم صدقة؟»، فإن قيل صدقة.. قال لأصحابه: «كلوا»، ولم يأكل. وإن قيل هديّة.. ضرب بيده فأكل معهم.
[ ١٧٣ ]
وكان ﷺ لا يأكل من هديّة حتّى يأمر صاحبها أن يأكل منها؛ للشّاة الّتي أهديت له «١» .
وكان له ﷺ لقاح «٢» وغنم يتقوّت من ألبانها هو وأهله، وكان لا يحبّ أن تزيد على مئة، وإن زادت.. ذبح الزّائد.
وكان له [ﷺ] جيران لهم منائح، يرسلون له من ألبانها فيأكل منها ويشرب، وكان له ﷺ سبعة أعنز منائح ترعاهنّ أمّ أيمن حاضنته ﷺ.
وكان ﷺ يخرج كثيرا إلى بساتين أصحابه، فيأكل منها ويحتطب.
وكان ﷺ يجيب دعوة الحرّ والعبد، ويقبل الهديّة؛ ولو أنّها جرعة لبن، أو فخذ أرنب، ويكافئ عليها ويأكلها؛ ولا يأكل الصّدقة.
وكان ﷺ إذا دعي لطعام وتبعه أحد.. أعلم به ربّ المنزل؛ فيقول: «إنّ هذا تبعنا، فإن شئت.. رجع» .
وكان رسول الله ﷺ لا يأكل واحده.
وكان أحبّ الطّعام إلى رسول الله ﷺ ما كثرت عليه الأيدي.
_________________
(١) أي: لأجل قصة الشاة المسمومة التي أهديت له يوم خيبر.
(٢) الناقة القريبة العهد بالولادة إلى ثلاثة أشهر.
[ ١٧٤ ]
وكان ﷺ يكرّر على أضيافه، ويعرض عليهم الأكل مرارا.
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها وعن والديها: لم يمتلئ جوف النّبيّ ﷺ شبعا قطّ، وإنّه كان في أهله لا يسألهم طعاما ولا يتشهّاه، إن أطعموه.. أكل، وما أطعموه.. [قبله]، وما سقوه..
شرب.
وكان ﷺ ربّما قام فأخذ ما يأكل بنفسه، أو يشرب.
وعن سلمان رضي الله تعالى عنه قال: قرأت في «التّوراة»: إنّ بركة الطّعام الوضوء بعده، فذكرت ذلك للنّبيّ ﷺ وأخبرته بما قرأت في التّوراة، فقال رسول الله ﷺ: «بركة الطّعام الوضوء قبله والوضوء بعده» .
والمراد بالوضوء هنا المعنى اللّغويّ؛ وهو: غسل الكفّين.
[ ١٧٥ ]