فقد بصق في بئر دار أنس، فلم يكن في المدينة بئر أعذب منها.
وأتي بدلو من ماء فشرب من الدّلو، ثمّ صبّ في البئر، ففاح منها مثل رائحة المسك. رواه أحمد وابن ماجه.
وكان ﷺ يوم عاشوراء يدعو برضعائه ورضعاء ابنته
[ ٢٧٨ ]
فاطمة فيتفل في أفواههم؛ ويقول للأمّهات: «لا ترضعنهنّ إلى اللّيل»، فكان ريقه يجزيهم. رواه البيهقيّ.
ودخلت عليه عميرة بنت مسعود هي وأخواتها يبايعنه- وهنّ خمس- فوجدنه يأكل قديدا، فمضغ لهنّ قديدة فمضغنها، كلّ واحدة قطعة، فلقين الله وما وجد لأفواههنّ خلوف. رواه الطّبرانيّ.
و(الخلوف): تغيّر رائحة فم الصّائم.
ومسح ﷺ بيده الشّريفة بعد أن نفث فيها من ريقه على ظهر عتبة- وكان به شرى- فما كان يشمّ أطيب منه رائحة. رواه الطّبرانيّ.
وأعطى الحسن لسانه؛ وكان قد اشتدّ ظمؤه، فمصّه حتّى روي.
وروى القاضي عياض في «الشّفا» بسنده إلى عبد الله بن أبي الحمساء: (قال: بايعت النّبيّ ﷺ ببيع قبل أن يبعث، وبقيت له بقيّة، فوعدته أن اتيه بها في مكانه، فنسيت، ثمّ ذكرت بعد ثلاث، فجئت، فإذا هو في مكانه. فقال: «يا فتى؛ لقد شققت عليّ، أنا هنا منذ ثلاث أنتظرك» .
وعن عائشة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها، قالت: كان أبغض الأشياء إلى رسول الله ﷺ الكذب.
وكان ﷺ إذا اطّلع على أحد من أهل بيته كذب كذبة.. لم يزل معرضا عنه حتّى يحدث توبة.
[ ٢٧٩ ]
وكان ﷺ إذا أتى باب قوم.. لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول: «السّلام عليكم.. السّلام عليكم» .
وكان ﷺ إذا أتاه الفيء «١» .. قسمه في يومه، فأعطى الاهل حظّين، وأعطى العزب حظّا.
وكان ﷺ إذا أتي بالسّبي.. أعطى أهل البيت جميعا؛ كراهية أن يفرّق بينهم.
وكان ﷺ إذا أتاه رجل فرأى في وجهه بشرا.. أخذ بيده.
وكان ﷺ إذا سمع بالاسم القبيح.. حوّله إلى ما هو أحسن منه.
وكان ﷺ يتفاءل ولا يتطيّر. وكان يحبّ الاسم الحسن.
وكان ﷺ إذا وجد الرّجل راقدا على وجهه ليس على عجزه شيء.. ركضه برجله، وقال: «هي أبغض الرّقدة إلى الله تعالى» .
وكان ﷺ يأمر بالباه، وينهى عن التّبتّل نهيا شديدا؛ أي: يأمر بالتّزوّج وينهى عن تركه.
_________________
(١) المراد به هنا: ما يشمل خراج الأرض، وما أخذ من الكفار بلا قتال.
[ ٢٨٠ ]
وكان ﷺ يأمر من أسلم أن يختتن، وإن كان ابن ثمانين سنة.
وكان ﷺ يضمّر الخيل «١» .
وكان ﷺ يكره الشّكال من الخيل.
قال العزيزيّ: فسّره في بعض طرق الحديث عند مسلم: بأن يكون في رجله اليمنى وفي يده اليسرى بياض، أو في يده اليمنى ورجله اليسرى.
وكرّهه لكونه كالمشكول، لا يستطيع المشي. وقيل: يحتمل أن يكون جرّب ذلك الجنس فلم يكن فيه نجابة.
وقال بعض العلماء: إذا كان مع ذلك أغرّ.. زالت الكراهة.
وكان ﷺ إذا صعد المنبر.. سلّم.
وكان ﷺ إذا خطب.. قال: «أمّا بعد» .
وكان ﷺ إذا خطب.. يعتمد على عنزة؛ أو عصا.
و(العنزة): العصا الصّغيرة.
وكان ﷺ لا يعود مريضا إلّا بعد ثلاث.
وكان ﷺ لا يضيف الخصم إلّا وخصمه معه.
_________________
(١) هو أن يعلف الفرس حتى يسمن، ثم يردّه إلى القلّة ليشتد لحمه، وقيل: هو أن يقلّل علف الفرس مدة ويدخل بيتا مغلقا ويجلّل ليعرق ويجف عرقه فيجفّ لحمه، فيقوى على الجري.
[ ٢٨١ ]
وكان ﷺ يأمر بالهديّة؛ صلة بين النّاس.
وكان ﷺ يأمر بقطع المراجيح «١» .
وكان ﷺ يحبّ هذه السّورة: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) .
وكان ﷺ يحثّ على الصّدقة، وينهى عن المسألة.
وكان ﷺ يسمر عند أبي بكر اللّيلة في الأمر من أمور المسلمين.
وكان ﷺ يعجبه الرّؤيا الحسنة.
وكان ﷺ يقول: «اشتدّي أزمة تنفرجي» .
وكان ﷺ يبيع ويشتري، ولكن كان شراؤه أكثر.
واجر نفسه قبل النّبوّة في رعاية الغنم، ولخديجة في سفر التّجارة.
واستدان برهن، وبغير رهن، واستعار، وضمن، ووقف أرضا كانت له.
وحلف في أكثر من ثمانين موضعا، وأمره الله تعالى بالحلف في ثلاثة مواضع، في قوله تعالى: قُلْ إِي وَرَبِّي، وقوله تعالى: قُلْ بَلى وَرَبِّي، وقوله: قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ.
_________________
(١) يعني: الأراجيح، والترجّح: التذبذب بين شيئين، وعلى هذا فالأرجوحة: الة معروفة يلهو بها العجم أيام النيروز تلهّيا عن الغموم التي تراكمت على قلوبهم من رين الذنوب وكره لهم أن يتزيّوا بزيّ من اشترى الحياة الدنيا بالاخرة، فلا خلاق له هناك.
[ ٢٨٢ ]
وكان ﷺ يستثني في يمينه تارة، ويكفّرها تارة، ويمضي فيها تارة أخرى.
ومدحه بعض الشّعراء فأثاب عليه، ومنع الثّواب في حقّ غيره، وأمر أن يحثى في وجوه المدّاحين التّراب.
وكان ﷺ إذا حلف.. قال: «والّذي نفس محمّد بيده» .
وكان ﷺ أكثر أيمانه: «لا ومصرّف القلوب» .
وكان ﷺ إذا اجتهد في اليمين.. قال: «لا والذي نفس أبي القاسم بيده» .
وكان ﷺ يحلف: «لا ومقلّب القلوب» .
وكان ﷺ إذا حلف على يمين.. لا يحنث؛ حتّى نزلت كفّارة اليمين.
وكان ﷺ إذا استراث الخبر؛ أي: استبطأه.. تمثّل ببيت طرفة:
ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد «١»
وكان ﷺ يتمثّل بهذا البيت:
_________________
(١) وصدر البيت: ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلا
[ ٢٨٣ ]
كفى بالإسلام والشّيب للمرء ناهيا
وأصل هذا الشّطر «١»:
كفى الشّيب والإسلام للمرء ناهيا
ولكنّ النّبيّ ﷺ تمثّل به على الوجه المذكور.
قال تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ ﷺ.
وكان ﷺ يحبّ أن يسافر يوم الخميس.
وكان ﷺ إذا أراد سفرا.. أقرع بين نسائه، فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها معه.
وكان ﷺ يتخلّف في المسير، فيزجي الضّعيف ويردف، ويدعو لهم.
ومعنى (يزجي الضّعيف): يسوقه سوقا رفيقا.
وكان ﷺ إذا قدم من سفر.. بدأ بالمسجد، فصلّى فيه ركعتين، ثمّ يثنّي بفاطمة، ثمّ يأتي أزواجه.
وكان ﷺ لا يطرق أهله ليلا «٢» .
وكان ﷺ يحبّ أن يخرج إذا غزا يوم الخميس.
وكان ﷺ إذا أراد أن يودّع الجيش.. قال:
«أستودع الله دينكم، وأمانتكم، وخواتيم أعمالكم» .
_________________
(١) يعني: موزونا.
(٢) أي: لا يقدم عليهم من سفر ولا غيره في الليل على غفلة.
[ ٢٨٤ ]
وكان ﷺ إذا بعث سريّة أو جيشا.. بعثهم من أوّل النّهار.
وكان ﷺ إذا بعث أميرا قال: «أقصر الخطبة، وأقلّ الكلام، فإنّ من البيان لسحرا» «١» .
وكان ﷺ إذا أراد غزوة.. ورّى بغيرها.
وكان ﷺ يعجبه أن يلقى العدوّ عند الزّوال «٢» .
وكان ﷺ يكره رفع الصّوت عند القتال.
وكان ﷺ إذا خرج يوم العيد في طريق.. رجع في غيره.
وكان ﷺ إذا نزل عليه الوحي.. نكّس رأسه، ونكّس أصحابه رؤوسهم، فإذا أقلع عنه.. رفع رأسه.
وكان ﷺ إذا دخل رمضان.. أطلق كلّ أسير، وأعطى كلّ سائل.
وكان ﷺ إذا دخل [شهر] رمضان شدّ مئزره، ثمّ لم يأت فراشه حتّى ينسلخ.
وكان ﷺ إذا دخل رمضان.. تغيّر لونه، وكثرت
_________________
(١) في نسخة: (فإنّ من الكلام سحرا) .
(٢) في نسخة: (عند زوال الشمس) .
[ ٢٨٥ ]
صلاته، وابتهل في الدّعاء، وأشفق لونه؛ أي: تغيّر وصار كلون الشّفق.
وكان ﷺ إذا دخل العشر الأخير من رمضان.. شدّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله.
وكان ﷺ إذا كان مقيما.. اعتكف العشر الأواخر من رمضان، وإذا سافر.. اعتكف من العام المقبل عشرين.
وكان ﷺ إذا كانت ليلة الجمعة.. قال: «هذه ليلة غرّاء، ويوم أزهر» .
وكان ﷺ إذا جاء الشّتاء.. دخل البيت ليلة الجمعة، وإذا جاء الصّيف.. خرج ليلة الجمعة.
قال العزيزيّ: الظّاهر أنّ المراد ما اعتاده النّاس من دخولهم البيوت في الشّتاء، والخروج منها في الصّيف.
[ ٢٨٦ ]