فقد روي عن ثابت قال: أخرج إلينا أنس بن مالك قدح خشب غليظا مضبّبا بحديد، فقال: يا ثابت؛ هذا قدح رسول الله ﷺ، لقد سقيت رسول الله ﷺ بهذا القدح الشّراب كلّه: الماء والنّبيذ، والعسل واللّبن.
قال الباجوريّ: (قوله: (النّبيذ) - أي: المنبوذ فيه- وهو: ماء حلو يجعل فيه تمرات ليحلو.
وكان ينبذ له ﷺ أوّل اللّيل، ويشرب منه إذا أصبح يومه ذلك وليلته الّتي يجيء، والغد إلى العصر، فإن بقي منه شيء..
سقاه الخادم إن لم يخف منه إسكارا، وإلّا.. أمر بصبّه، وهو له نفع عظيم في زيادة القوّة) اهـ.
وعند البخاريّ: من حديث عاصم الأحول قال: رأيت قدح النّبيّ ﷺ عند أنس بن مالك- وكان قد انصدع- فسلسله بفضّة؛ قال: وهو قدح جيّد عريض من نضار.
قال أنس: لقد سقيت رسول الله ﷺ في هذا القدح أكثر من كذا وكذا.
[قال]: وقال ابن سيرين: إنّه كان فيه حلقة من حديد، فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضّة.. فقال أبو طلحة: لا تغيّرنّ شيئا صنعه رسول الله ﷺ، فتركه.
ومعنى (النّضار): الخالص من العود، ومن كلّ شيء، ويقال:
[ ١٨٧ ]
أصل ذلك القدح من شجر النّبع، وقيل: من الأثل. ولونه يميل إلى الصّفرة.
وكان لرسول الله ﷺ قدح قوارير يشرب فيه.
وكان ﷺ يعجبه أن يتوضّأ من مخضب من صفر.
و(المخضب): إناء.
و(الصّفر): النّحاس الأصفر.
وكان له ﷺ قدح من عيدان «١» تحت سريره يبول فيه باللّيل.
وكان لرسول الله ﷺ مطهرة من فخّار يتوضّأ ويشرب منها، وكان النّاس يرسلون أولادهم الصّغار الّذين عقلوا فيدخلون عليه ﷺ فلا يدفعون، فإذا وجدوا في المطهرة ماء شربوا منه، ومسحوا على وجوههم، وأجسامهم، يبتغون بذلك البركة.
وكان ﷺ إذا صلّى الغداة.. [جاءه] خدم أهل المدينة بانيتهم فيها الماء، فما يؤتى بإناء.. إلّا غمس يده فيه.
وكان ﷺ يبعث إلى المطاهر فيؤتى بالماء فيشربه، يرجو بركة أيدي المسلمين.
_________________
(١) وهي: الطوال من النخل، والواحدة: عيدانة.
[ ١٨٨ ]