أما صفته ﷺ فَكَانَ لَيْسَ بالطويل وَلَا بالقصير ضخم الرَّأْس كثير الشّعْر كثيف اللِّحْيَة أَبيض اللَّوْن مشوب بحمرة فِي وَجهه تدوير أدعج الْعَينَيْنِ أهدب الأشفار يفضله ناظره فِي جماله على الشَّمْس وَالْقَمَر
إِذا مَشى كَأَنَّمَا يمشي فِي صبب وَإِذا الْتفت الْتفت بِجَمِيعِ الْبدن وَبَين كَتفيهِ خَاتم النبوءة كرز الحجلة بِفَتْح
وَهِي غرَّة الْفرس الَّتِي بَين عينيها
وَقيل كالتفاحة من رَآهُ هابه وَمن قرب مِنْهُ أحبه عرقه طيب ورائحته أطيب من رَائِحَة الْمسك
وَكَانَ أَجود النَّاس كفا وأوسعهم صَدرا وأصدقهم لهجة وأوفرهم ذمَّة وألينهم عَرِيكَة وَأكْرمهمْ عشيرة
يَقُول ناعته لم أرقبله وَلَا بعده مثله وَقد أثنى الله على خلقه الْجَمِيل فَقَالَ ﴿وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم﴾
يُرِيد أَنه يعْفُو ويصفح وَيحسن ويعرض عَن الْجَاهِل
وَفِي مدحه قَالَ بَعضهم
(يَا أَيهَا المتعاطي وصف سؤدده لَا تعرض اللَّيْل وَالْبَحْر بالقمر)
(فَإِنَّهُ كَانَ مفطورا على شيم مَعْدُومَة الْمثل لم يلحقن فِي الْبشر)
فَكَانَ ﷺ فِيهِ الْحلم وَالِاحْتِمَال وَالْعَفو مَعَ الْقُدْرَة فِي جَمِيع
[ ١٣٩ ]
الْأَحْوَال وَالصَّبْر والجود والسخاء وَالْكَرم والشفقة والتواضع والحياة وَحسن الْعشْرَة والصدق والعفاف وَالْوَفَاء
وَحسن الْعَهْد لين الْجَانِب والزهد فِي الدُّنْيَا وَالْقُوَّة فِي الْأَعْضَاء
وَكَانَ يُجيب من دَعَاهُ وَيقبل الْهَدِيَّة ويكافي عَلَيْهَا وَيكثر التبسم ويتخلق بِالْقُرْآنِ
وَلما صدر من قومه مَا صدر فَقَالَ (اللَّهُمَّ اهد قومِي فَإِنَّهُم لَا يعلمُونَ)
وَقَالَ لَهُ جِبْرِيل ﵇ قلبت مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا فَلم أجد أفضل من مُحَمَّد ﷺ
قَالَ رَسُول الله ﷺ (عرض عَليّ أَن يَجْعَل بطحاء مَكَّة ذَهَبا وَفِضة فَقلت (لَا يَا رب أجوع يَوْمًا وَأَشْبع يَوْمًا)
(فَأَما الَّذِي أجوع فِيهِ فأتضرع إِلَيْك وَأما الَّذِي أشْبع فِيهِ فأحمدك وأثني عَلَيْك)
وَقَالَ (أَفلا أكون عبدا شكُورًا)
وَأعْطى الله لنَبيه مُحَمَّد ﷺ من الْفَضَائِل مَا لم يُعْطه لأحد من خلقه
قَالَ رَسُول الله ﷺ (أَنا أكْرم الْأَوَّلين والآخرين وَأَنا سيد ولد آدم وَلَا فَخر وَبِيَدِي لِوَاء الْحَمد وَلَا فَخر
وَأَنا اول من تَنْشَق عَنهُ الأَرْض وَأول شَافِع وَأول مُشَفع وفضلت على الْأَنْبِيَاء بست أَعْطَيْت جَوَامِع الْكَلم ونصرت بِالرُّعْبِ مسيرَة شهر وَأحلت لي الْغَنَائِم وَجعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا وَأرْسلت إِلَى الْخلق كَافَّة وَختم بِي النَّبِيين)
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (الْكَوْثَر الَّذِي وعدنيه رَبِّي نهر فِي الْجنَّة حافتاه من ذهب وَمَجْرَاهُ على الدروالياقوت وماؤه أحلى من الْعَسَل وَأَشد بَيَاضًا من الثَّلج
وَمن أعظم دَرَجَة المبرة أَن أقسم جلّ وَعلا بحياته فَقَالَ ﴿لعمرك إِنَّهُم لفي سكرتهم يعمهون﴾
وَمَا أقسم الله بحياة أحد إِلَّا بحياته
وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ اقْسمْ بغبار خيله
فَقَالَ ﴿وَالْعَادِيات ضَبْحًا فالموريات قدحا فالمغيرات صبحا﴾
وَقَالَ الْجَوْزِيّ اقْسمْ بِتُرَاب قَدَمَيْهِ فَقَالَ ﴿لَا أقسم بِهَذَا الْبَلَد﴾
واقسم جلّ وَعلا على تَحْقِيق مكانته فَقَالَ وَالضُّحَى إِلَى
[ ١٤٠ ]
آخرهَا
وَفِي الْعَرْش مَكْتُوب لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله اتيته بعلمي واستشفع بِهِ آدم ومُوسَى وانفلق لَهُ الْبَحْر حَتَّى توسل بِهِ
وَمن خواصه ﷺ أَنه كَانَ يرى فِي الظلمَة مَا يرَاهُ فِي الضَّوْء وَيرى من خَلفه مثل مَا يرى من أَمَامه
وَكَانَ شَيْطَانه كَافِرًا فَأسلم
وَكَانَت الأَرْض تبتلع بَوْله وفضلته ويفوح من ذَلِك الْمَكَان مَا هُوَ من أطيب من ريح الْمسك
وَكَانَ لَا ينزل عَلَيْهِ الذُّبَاب وَكَانَ مَحْفُوظًا من الْوَسخ فِي الثَّوْب وَالْبدن من الْقمل وَالْحَدَث فِي النّوم والاحتلام والتثآب
وَكَانَ يبْدَأ من لقِيه بِالسَّلَامِ والمصافحة وَيكرم من يدْخل عَلَيْهِ ويرحب بِهِ ويناوله الوسادة وَلَا يقطع على أحد حَدِيثه وَيَدْعُو أَصْحَابه بِأحب أسمائهم إِلَيْهِم وَيجْلس حَيْثُ يَنْتَهِي إِلَيْهِ الْجُلُوس
وَدخل عَلَيْهِ رجل فأصابته من هيبته رعدة فَقَالَ (هون عَلَيْك فَإِنِّي لست بِملك)
وَقَالَ (إِنَّمَا أَنا عبد الله وَرَسُوله ﷺ)
[ ١٤١ ]