وَلما رَجَعَ رَسُول الله ﷺ من حجه أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ بَقِيَّة شهر ذِي الْحجَّة من سنة إِحْدَى عشر من الْهِجْرَة وَأكْثر شهر صفر هُوَ ﷺ بَين الْحَلَال وَالْحرَام وَالْأَدب
وَمرض رَسُول الله ﷺ فِي الْخَامِس وَالْعِشْرين من صفر
وَسمع فِي ذَلِك الْيَوْم عَائِشَة وَهِي تَقول من صداع أَصَابَهَا وارأساه
ثمَّ تَبَسم ودام وَجَعه وَهُوَ يَدُور على نِسَائِهِ ولازم بَيت عَائِشَة وَخرج فِي ابْتِدَاء مَرضه وَجلسَ على الْمِنْبَر وَحمد الله تَعَالَى واثنى عَلَيْهِ واستغفر لأهل أحد ثمَّ قَالَ (إِن عبدا من عباد الله خَيره الله بَين الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَاخْتَارَ مَا
[ ١١٦ ]
عِنْد الله) فَبكى أَبُو بكر
فَقَالَ (على رسلك يَا أَبَا بكر)
ثمَّ قَالَ سدوا هَذِه الْأَبْوَاب الَّتِي فِي الْمَسْجِد وَهِي جعلهَا بعض الصَّحَابَة مرفقا لمنزله إِلَّا بَاب أبي بكر
وَقَالَ فِي مَرضه (مروا أَبَا بكر فَليصل بِالنَّاسِ)
وَكَانَ أَبُو بكر غَائِبا فصلى عمر بِالنَّاسِ وَسمع صَوته بِالتَّكْبِيرِ فَقَالَ أَيْن أَبَا بكر يَأْبَى الله ذَلِك والمسلمون
مروا أَبَا بكر
فصلى أَبُو بكر
وَقَالَ لَو كنت متخذا من النَّاس خَلِيلًا لاتخذت أَبَا بكر وَلَكِن صُحْبَة وايخاء حَتَّى يجمع الله بَيْننَا عِنْده
وَمرض ﷺ أَرْبَعَة عشر يَوْمًا
وَلما كَانَ يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّامِن لشهر ربيع الأول من سنة إِحْدَى عشر من الْهِجْرَة وَوَافَقَ شهر اشتنبر وَهُوَ الْيَوْم الَّذِي قبض فِيهِ خرج إِلَى النَّاس وهم يصلونَ الصُّبْح ففرح النَّاس وهم فِي الصَّلَاة ووسعوا لَهُ الفرجة وَأَشَارَ إِلَى أبي بكر أَن يثبت
فَجَلَسَ إِلَى جَانب أبي بكر عَن يَمِينه وَصلى قَاعِدا
وَكَانَ أَمر أُسَامَة بن زيد على بعث ودعى وَطعن فِي امارة الْمُنَافِقين فتوقف أُسَامَة لأجل مَرضه ﷺ وَقَالَ اكره أَن اسْأَل عَنهُ النَّاس
وَتُوفِّي ﷺ حِين اشْتَدَّ الضُّحَى من ذَلِك الْيَوْم
قَالَت عَائِشَة ﵂ لما رَجَعَ رَسُول الله ﷺ من الْمَسْجِد اضْطجع فِي حجري فَدخل عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر بِيَدِهِ سواك فَنظر إِلَيْهِ فَعلمت أَنه يُرِيد السِّوَاك
فَقلت آخذه لَك فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ نعم فَأَخَذته ولينته وأعطيته إِيَّاه فاستن بِهِ جيدا وَوَضعه
ثمَّ ثقل فِي حجري فَنَظَرت إِلَيْهِ فَإِذا بَصَره شخص وَهُوَ يَقُول بالرفيق الْأَعْلَى من الْجنَّة فَعلمت أَنه خير فَقبض
قَالَت فَمن سفهي وحداثة سني وضعت رَأسه على الوسادة وَقمت مَعَ النَّاس أضْرب وَجْهي
فَقَالَ عمر مَا مَاتَ وَلَكِن ذهب إِلَى ربه كَمَا ذهب مُوسَى
ثمَّ دخل أَبُو بكر
وكشف عَن وَجهه وَقَبله وَبكى ثمَّ خرج إِلَى النَّاس فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَصلى على نبيه ﷺ
وَقَالَ أَيهَا النَّاس من كَانَ يعبد مُحَمَّدًا فَإِن مُحَمَّدًا قد مَاتَ وَمن كَانَ يعبد الله فَإِن الله حَيّ لَا يَمُوت
ثمَّ قَرَأَ وَمَا
[ ١١٧ ]
مُحَمَّد إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل)
فَأَخذهَا النَّاس فِي أَفْوَاههم وَقَالَ عمر مَا كَأَنِّي سَمعتهَا
وانحاز الانصار فِي سَقِيفَة بني سَاعِدَة وتشوفوا إِلَى الْخلَافَة واشتعل عَليّ بالمصاب الْعَظِيم
وَاجْتمعَ الْمُهَاجِرُونَ بِأبي بكر وأفصح
فَقَالَ بعض الْأَنْصَار منا أَمِير ومنكم أَمِير وَكثر اللَّغط
فَأخذ أَبُو بكر بيد عمر وبيد أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح وَقَالَ رضيت لكم هذَيْن الرجلَيْن
وَقَالَ عمر لَا تَأمر على قوم فيهم أَبُو بكر
وَقَالَ غَيره رجل ارْتَضَاهُ رَسُول الله ﷺ لديننا أَفلا نرضاه لدنيانا
فَبَايعهُ عمر وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ ثمَّ الْأَنْصَار
فَقَامَ أَبُو بكر فَخَطب بِمَا يَنْبَغِي
وَقَالَ أَيهَا النَّاس أَطِيعُونِي مَا اطعت الله وَرَسُوله وَإِن عصيت الله وَرَسُوله فَلَا طَاعَة لي عَلَيْكُم
وَسَأَلَ أَبُو قُحَافَة فَقيل لَهُ بُويِعَ أَبُو بكر فَقَالَ لَا مَانع لما أعْطى الله
وكملت الْبيعَة يَوْم الثُّلَاثَاء
وفيهَا غسل رَسُول الله ﷺ وَتَوَلَّى غسله عَمه الْعَبَّاس وَعلي بن أبي طَالب وَالْفضل بن الْعَبَّاس وَأَخُوهُ قثم
وَكَانَ يصب المَاء أُسَامَة بن زيد وشقران وَعلي بن أبي طَالب يدلكه فِي قَمِيصه وَكَانَ فِي ثَلَاثَة أَثوَاب بيض سحُولِيَّة أَي نسج الْقرْيَة الَّتِي يُقَال لَهَا سحولا
وَاخْتلف فِي مَكَان دَفنه فَقَالَ أَبُو بكر سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (مَا قبض نَبِي إِلَّا دفن حَيْثُ قبض فحفر لَهُ فِي مَكَان فرَاشه)
وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة وَأَبُو طَلْحَة يحفران للموتى احتسابا لله ورغبة فِي الْأجر
وَأَبُو عُبَيْدَة يشق وَأَبُو طَلْحَة يلْحد
فَبعث إِلَيْهِم الْعَبَّاس وَقَالَ اللَّهُمَّ اختر لنبيك فَوجدَ أَبُو طَلْحَة يلْحد لَهُ
وَكَانَ ﷺ جمع أَهله ونساءه فِي بَيت عَائِشَة وأعلمهم بِحُضُور أحله فَبكى وَبكوا فَقَالَ من يصل عَلَيْك يَا رَسُول الله وَكَأَنَّهُم سَأَلُوهُ عَن الْخلَافَة بعده
فَقَالَ (مهلا عَلَيْكُم غفر الله لكم وأجزاكم خيرا عَن نَبِيكُم)
إِذا غسلتموني وكفنتموني فضعوني على شَفير
[ ١١٨ ]
قَبْرِي ثمَّ اخْرُجُوا عني سَاعَة فَإِن أول من يُصَلِّي عَليّ جِبْرِيل
ثمَّ مِيكَائِيل
ثمَّ إسْرَافيل
ثمَّ ملك الْمَوْت وَجُنُوده
ثمَّ الْمَلَائِكَة ثمَّ ادخُلُوا عَليّ فوجا فوجا فصلوا عَليّ وسلموا تَسْلِيمًا
وَسَأَلَ النَّاس عبد الله بن مَسْعُود ﵁ فَقَالُوا كَيفَ نصلي عَلَيْهِ فَقَالَ اسألوا عَليّ بن أبي طَالب
فسألوا عليا فَقَالَ قُولُوا ﴿إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا﴾
اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد
وَلما وقف عمر للصَّلَاة اثنى عَلَيْهِ كثيرا وَذكر بعض محامده ثمَّ صلى عَلَيْهِ أهل بَيته ثمَّ الرِّجَال ثمَّ النِّسَاء ثمَّ الصّبيان وَلم يؤمهم أحد
وَدفن ﷺ لَيْلَة الْأَرْبَعَاء وَأدْخلهُ فِي قَبره عَمه الْعَبَّاس وَعلي بن أبي طَالب وَالْفضل بن عَبَّاس وَقثم بن الْعَبَّاس
وَقَالَت بَنو زهرَة نَحن أَخْوَاله فادخلوا منا رجلا فادخلوا عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَدخل أُسَامَة بن زيد مَوْلَاهُ وشقران مَوْلَاهُ وَهُوَ الَّذِي ألْقى القطيفة تَحْتَهُ وَدخل الْمُغيرَة بن شُعْبَة وَآخرهمْ خُرُوجًا قثم بن الْعَبَّاس وَقيل الْمُغيرَة بن شُعْبَة ودك التُّرَاب وَانْقطع الْوَحْي وانقرضت النبوءة وتأنس الْمُسلمُونَ بعده بِكِتَاب الله وَحَدِيثه ﷺ فَيُقَال انْزِلْ عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا
ووقفت فَاطِمَة ابْنَته ﷺ على قَبره بعد دَفنه وانشدت
(قل للمغيب تَحت أطباق الثرا هَل تسمعن صراخي وندايا)
(هَذَا على من شم تربة أَحْمد ألايشم مدى الزَّمَان غواليا)
(صبَّتْ عَليّ مصائب لوانها صبَّتْ على الْأَيَّام عدن لياليا)
وَبكى النَّاس فِي ذَلِك الْيَوْم بكاء شَدِيدا ورثاه أَبُو بكر وَعمر وَغَيرهمَا
وأنشدت أَيْضا
(قد كَانَت بعْدك أنباء لَو كنت تشهدها لم يكثر الخطبا)
[ ١١٩ ]
(إِنَّا فقدناك فقد الأَرْض وابلها واختل قَوْمك بعد الْعَهْد واحتزبا)
(قد كَانَ جِبْرِيل بِالْآيَاتِ يؤنسنا فَغَاب عَنَّا وكل الْخَيْر محتجبا)
(وَقد رزئنا لم يرزه أحد من الْبَريَّة لَا عجما وَلَا عربا)
وارتد كثير من أحلاف الاعراب بعد مَوته ﷺ وَظهر النِّفَاق
ثمَّ اصلح الله الْأَمر بِولَايَة أبي بكر وَثَبت الله الْإِسْلَام بخلافته