وَلما أَرَادَ الله تَعَالَى إِظْهَار دينه وانجاز وعد نبيه ﷺ خرج فِي الْمَوْسِم يعرض الدّين على الْقَبَائِل كعادته فِي كل موسم
فلقي نَفرا من الْخَزْرَج عِنْد الْعقبَة فَدَعَاهُمْ إِلَى الله فآمنوا وَانْصَرفُوا لقومهم وشاع ذَلِك فيهم ثمَّ ورد فِي الْمَوْسِم الثَّانِي اثْنَا عشر رجلا فَبَايعُوهُ فِي الْعقبَة وَرَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَة
وَبعث مُصعب بن عُمَيْر ﵁ يعلمهُمْ دينهم
ثمَّ رد مُصعب بن عُمَيْر وَحضر الْمَوْسِم فِي الْعَام الثَّالِث وَمَعَهُ من الْمُسلمين ثَلَاثَة وَسَبْعُونَ رجلا وَامْرَأَتَانِ
فَجَاءَهُمْ النَّبِي ﷺ بِاللَّيْلِ وَمَعَهُ عَمه الْعَبَّاس قبل إِسْلَامه وَقيل كَانَ يكتم إِسْلَامه
فَقَالَ لَهُم الْعَبَّاس إِن مُحَمَّدًا هَا هُنَا فِي عز وَفِي مَنْعَة وَهُوَ يُرِيد الانحياز إِلَيْكُم فَإِن كُنْتُم تمنعونه فَحسن وَإِلَّا فَدَعوهُ
فَقَالُوا نعم وَلَعَلَّه إِن أظفره الله بعدوه يرجع إِلَى قومه ويدعنا
فَتَبَسَّمَ رَسُول الله ﷺ ثمَّ قَالَ (أخرجُوا إِلَيّ اثْنَي عشر نَقِيبًا يَعْنِي من عظمائكم)
فأخرجوا تِسْعَة من الْخَزْرَج وَثَلَاثَة من الْأَوْس وَبَايَعُوا النَّبِي ﷺ على السّمع وَالطَّاعَة فِي الْعسر واليسر وَانْصَرفُوا إِلَى الْمَدِينَة
ثمَّ هَاجر رَسُول الله ﷺ بعد ثَلَاثَة وَخمسين سنة من عمره وَذَلِكَ فِي شهر ربيع الأول
وَالْهجْرَة بِأَمْر الله ﷿ حَتَّى لَا يجْرِي حكم مُشْرك
[ ٩٩ ]
على مُؤمن
وَلما علمت قُرَيْش أَنه يُرِيد الِانْتِقَال اشتدت إذايتهم وَاتَّفَقُوا على مَنعه وَقَتله لَيْلَة خُرُوجه واجتمعوا فِي الظلمَة على بَابه فَخرج رَسُول الله ﷺ وَبِيَدِهِ حفْنَة تُرَاب وينثره على رؤوسهم بعد جلوسهم وَهُوَ يقْرَأ سُورَة يس إِلَى قَوْله لايبصرون
وَخرج رَسُول الله ﷺ وَمَعَهُ أَبُو بكر حَتَّى انْتهى إِلَى عَار بِأَسْفَل مَكَّة ثمَّ أَقَامَ فِيهِ ثَلَاثَة أَيَّام وَترك عَليّ بن أبي طَالب ﵁ يرد الودائع الَّتِي كَانَت عِنْد النَّبِي ﷺ
وَقدم إِلَى الْمَدِينَة عمر بن الْخطاب ﵁ فِي جمَاعَة كَثِيرَة وَعُثْمَان وَغَيره بِأَرْض الْحَبَشَة
وَلما آيست قُرَيْش بعد الْبَحْث وَالْوُقُوف على الْغَار واستد بَابه بنسج العنكبوت وَعمارَة بالحمام ركب ﷺ رَاحِلَته وَركب أَبُو بكر أُخْرَى ومعهما رجلَانِ عَامر بن فهَيْرَة مولى أبي بكر الصّديق وَدَلِيلهمَا عبد الله بن أريقط اللَّيْثِيّ
وَتَبعهُ من الْمُشْركين سراقَة فَارِسًا فَلَمَّا قرب وقفت بِهِ فرسه فِي وَحل من غير وَحل
فَقَالَ يَا مُحَمَّد ادْع الله لي وننصرف
ودعا لَهُ فارتفعت قَوَائِمهَا من الأَرْض وَرجع وَأسلم بعد ذَلِك سراقَة رَضِي لله عَنهُ
وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الشقراطسي بقوله
(وَفِي سراقَة آيَات مبينَة إذساخت الْحجر فِي وَحل بِلَا وَحل)
وَقدم ﷺ الْمَدِينَة يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّامِن وَقيل الثَّانِي عشر لربيع الأول وَأقَام هُنَاكَ وَأسسَ مَسْجِد قبَاء
وطلبته الْقَبَائِل فِي النُّزُول فَقَالَ دَعُوهَا يَعْنِي النَّاقة فبركت عِنْد بَاب مَسْجده ﷺ وَنزل عِنْد أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ وَبنى رَسُول الله ﷺ مَسْجده ومساكنه فِي شهر صفر من السّنة الثَّانِيَة
وآخا رَسُول الله ﷺ بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار فِي أَوَاخِر سنة الْهِجْرَة وَأظْهر الله الدّين وَأمره بِقِتَال الْمُشْركين
[ ١٠٠ ]