وَفِي السّنة الثَّامِنَة بعث النَّبِي ﷺ جَيْشًا يبلغ ثَلَاثَة آلَاف فَخَرجُوا فِي جُمَادَى الأولى لغزو الرّوم بِالشَّام وَأمر عَلَيْهِم زيد بن حَارِثَة وَقَالَ إِن أُصِيب فجعفر بن أبي طَالب فَإِن أُصِيب فعبد الله بن رَوَاحَة فَإِن أُصِيب فَمن يرى الْمُسلمُونَ
وَلما قربوا من أَرض الشَّام بَلغهُمْ أَن ملك النَّصَارَى اجْتمع فِي مائَة ألف من الرّوم وَمِائَة ألف من غَيرهم فتوافقوا وَأَرَادُوا أَن يكتبوا بذلك للنَّبِي ﷺ فَقَالَ عبد الله بن رَوَاحَة وَالله مَا قتال الْمُسلمين بِعَدَد وَلَا قُوَّة وَإِنَّمَا قِتَالهمْ بِالدّينِ
فَقَالُوا صدقت
والتقوا بقرية يُقَال لَهَا مُؤْتَة وَقَاتل زيد حَتَّى قتل فَأخذ الرَّايَة حعفر بن أبي طَالب فقاتل حَتَّى
[ ١٠٧ ]
قتل
وَلما ضربت يَده الْيُمْنَى جعل الرَّايَة فِي الْيُسْرَى وَلما قطعت الْيُسْرَى جعل الرَّايَة بعضده وَلما ضرب فِي الْعَضُد جعل الرَّايَة بَين قَدَمَيْهِ وَلم يَتْرُكهَا حَتَّى سقط بعد تسعين ضَرْبَة كلهَا فِي مُقَدّمَة وَلَيْسَ فِي ظَهره مِنْهَا شَيْء
وَكَانَ يَقُول
(يَا حبذا الْجنَّة واقترابها واقرابها طيبَة وباردا شرابها)
وَكَانَ حِين اشْتَدَّ الْأَمر نزل عَن فرسه وعقره لِئَلَّا ينْتَفع بِهِ الْعَدو وَقَاتل على قدمه وَهَذِه قُوَّة النُّبُوَّة
وَلما سقط بضربات الرّوم قطع نِصْفَيْنِ بَادر عبد الله بن رَوَاحَة وَأخذ الرَّايَة وَقَاتل حَتَّى قتل فَاجْتمع النَّاس على خَالِد بن الْوَلِيد ودافعوا الْعَدو مدافعة حَتَّى انحاز الْجَيْش وَانْصَرفُوا وَخرج رَسُول الله ﷺ يَوْم الوقيعة وَأعلم النَّاس بِمَا وَقع وَهَذَا من أخباره بالغيوب
وَقَالَ (لقد رفعوا إِلَى الْجنَّة على سَرِير من ذهب)
وَعَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (دخلت الْجنَّة فَإِذا فِيهَا جَعْفَر يطير مَعَ الْمَلَائِكَة وَإِذا حَمْزَة مَعَ أَصْحَابه)
وَقَالَ ﷺ فِي يَوْم أخباره (لَا تغفلوا آل جَعْفَر واصنعوا لَهُم طَعَاما فَإِنَّهُم قد شغلوا بِأَمْر صَاحبهمْ)
وَلما قدم النَّاس بعد مُدَّة تلقاهم النَّبِي ﷺ وَرمى النَّاس التُّرَاب عَلَيْهِم وهم يَقُولُونَ فررتم واختفى مُحَمَّد بن مسلمة بن هَاشم أَيَّامًا فَإِنَّهُ كَانَ إِذا خرج تبعه الصّبيان ويصيحون يافار بافار
وَقَالَ النَّبِي ﷺ (هم الكرار إِن شَاءَ الله)
وَفِي شهر رَمَضَان من هَذِه السّنة الثَّامِنَة من الْهِجْرَة غزا النَّبِي ﷺ
[ ١٠٨ ]
مَكَّة وَفتحهَا وَهُوَ فِي عشرَة آلَاف وأعمى الله الْأَخْبَار من قُرَيْش بدعوة النَّبِي ﷺ
ذَلِك أَن قُريْشًا نقضوا الْعَهْد الَّذِي كَانَ بَينهم وَبَين النَّبِي ﷺ
وَلما قرب الْمُسلمُونَ مَكَّة ركب الْعَبَّاس بغلة النَّبِي ﷺ الْبَيْضَاء بِاللَّيْلِ ليأمن أهل مَكَّة من يحضه على الانقياد فَاجْتمع بِأبي سُفْيَان وَالِد مُعَاوِيَة وَقَالَ لَهُ إِن ظفر النَّاس بك قتلوك
فأردفه وَرَاءه وَجَاء بِهِ إِلَى النَّبِي ﷺ وَعرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام فتوقف ثمَّ أسلم
وَقَالَ الْعَبَّاس يَا رَسُول الله إِن أَبَا سُفْيَان يحب الْفَخر فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئا
فَأمر النَّبِي ﷺ مناديا يُنَادي من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن
وَقَالَ ﷺ للْعَبَّاس (سر بِهِ واحبسه بمضيق الْوَادي حَتَّى يمر عَلَيْهِ الْجَيْش كُله)
فَفعل وَالنَّاس تمر عَلَيْهِ قَبيلَة بعد أُخْرَى وَهُوَ يسْأَل ويتعجب حَتَّى جَاءَت الكتيبة الْعَظِيمَة وفيهَا رَسُول الله ﷺ وَلَا يرى مِنْهُم إِلَّا الحدق من لبس الْحَدِيد فَقَالَ أَبُو سُفْيَان للْعَبَّاس لقد أصبح ملك ابْن أَخِيك عَظِيما
فَقَالَ الْعَبَّاس إِنَّهَا النُّبُوَّة
وَدخل ﷺ عنْوَة وَقيل صلحا وَضربت للنَّبِي ﷺ قبَّة بِأَعْلَى مَكَّة وَغفر وصفح إِلَّا ابْن خضل فَإِنَّهُ قتل لشدَّة إذايته للْمُسلمين
وَأذن بِلَال عِنْد الْكَعْبَة وَقيل عَلَيْهَا وَأحلت لَهُ ﷺ سَاعَة من نَهَار وَلم تحل لأحد قبله وَلَا بعده
وَقَرَأَ النَّبِي ﷺ إِنَّا فتحنا وَرفع بهَا صَوته
وَلَا خَفَاء إِن النَّصْر مَعَ الصَّبْر
والغادر مغلوب والناكث مسلوب
وَسبب نقض الْعَهْد مِنْهُم أَن قوما من كنَانَة من حلف قُرَيْش عدت على خُزَاعَة من حلف الْمُسلمين وأعانتهم قُرَيْش بِالسِّلَاحِ وَبعث إِلَى بَعضهم وَأسلم يَوْم الْفَتْح كثير مِنْهُم كَأبي قُحَافَة وَأبي سُفْيَان وزوجه هِنْد وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَحَكِيم بن حزَام وَغَيرهم وفر من فر وَمِنْهُم من رَجَعَ بعد فراره وَأسلم كعكرمة بن أبي جهل وَمِنْهُم من أَقَامَ على أَمَان
وعامل النَّبِي ﷺ أهل مَكَّة بِمَا كَانَ من مَكَارِم الْأَخْلَاق
وعَلى القَوْل بإنها دَخلهَا عنْوَة فقد من
[ ١٠٩ ]
عَلَيْهِم وأمنهم فِي أنفسهم وَلَا يُقَاس عَلَيْهَا غَيرهَا على الصَّحِيح
وَأقَام ﷺ نصف شهر وَهُوَ يقصر الصَّلَاة ثمَّ خرج رَسُول الله ﷺ وَاسْتعْمل على مَكَّة عتاب بن أسيد وَهُوَ ابْن إِحْدَى وَعشْرين سنة
وَكَانَ مِمَّن أسلم يَوْم الْفَتْح وَحج بِالْمُسْلِمين فِي ذَلِك الْعَام
وَحج الْمُشْركُونَ على عَادَتهم وَلم يزل عتاب واليا على مَكَّة حَتَّى توفّي فِي الْيَوْم الَّذِي توفّي فِيهِ أَبُو بكر وَكَانَ خيرا فَاضلا صَالحا
وَكَانَ رزقه فِي ولَايَته درهما وَاحِدًا فِي كل يَوْم وَمَا اكْتسب فِي ولَايَته كلهَا غير قَمِيص وَاحِد
وَخرج رَسُول الله ﷺ فِي عشرَة آلَاف الَّذين فتح الله بهم وَفِي أَلفَيْنِ من أَهلهَا وغزا غَزْوَة حنين وأعجبتهم كثرتهم
وَكَانَ مَالك بن عَوْف قبل إِسْلَامه جمع هوَازن بعد الْفَتْح وَهِي قَبيلَة وافرة من قيس وَنزل بهم أَوْطَاس
وَلما انحصر الْمُسلمُونَ فِي الصُّبْح كَانَ الْعَدو كامنا فِي شعاب ذَلِك الْمَكَان ومضائقه
فَخرج الْعَدو خُرُوج اجْتِمَاع والمسلمون على افْتِرَاق فَانْهَزَمُوا كلهم إِلَّا من كَانَ قَرِيبا من النَّبِي ﷺ
وَلما رأى النَّبِي ﷺ شدَّة الامر نزل عَن بغلته فِي يَمِين الْقَوْم وَقَالَ بِأَعْلَى صَوته (أَيهَا النَّاس أَنا رَسُول الله وَمَعَهُ نفر من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَعشرَة من أهل الْبَيْت عَليّ بن أبي طَالب وقرابته)
فَانْدفع عَليّ بن أبي طَالب بعد انهزام الْمُسلمين على صَاحب رايتهم السَّوْدَاء وصرعه بِالْأَرْضِ وَضرب آخر فَمَاتَ وَضرب أَبُو طَلْحَة الْأنْصَارِيّ وَحده عشْرين وَأخذ سلبهم
وَأخذ رَسُول الله ﷺ كفا من تُرَاب وَرَمَاهُمْ بِهِ وَقَالَ (شَاهَت الْوُجُوه من التشويه) فَجعل كل وَاحِد من الْعَدو يمسح التُّرَاب عَن عَيْنَيْهِ وَانْهَزَمَ الْعَدو وسبا بقدرة الله تَعَالَى
وَاجْتمعَ السَّبي سِتَّة آلَاف من الذَّرَارِي وَالنِّسَاء وَمن الْإِبِل وَالْغنم مَا لَا يُحْصى عدده إِلَّا الله
وَمَا رَجَعَ الْمُسلمُونَ من هزيمتهم حَتَّى وجدوا الْأُسَارَى مكتفين عِنْد النَّبِي ﷺ
وَنزل قَوْله تَعَالَى ﴿لقد نصركم الله فِي مَوَاطِن كَثِيرَة﴾ وَعَفا الله ﷾ عَن الفارين يَوْم حنين عُثْمَان بن عَفَّان وَغَيره
وَمَا رَجَعَ عُثْمَان إِلَّا
[ ١١٠ ]
بعد ثَلَاثَة أَيَّام وَأنزل قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين توَلّوا مِنْكُم يَوْم التقى الْجَمْعَانِ﴾
وَأما الَّذين ثبتوا مَعَ النَّبِي ﷺ يَوْم حنين فهم أَبُو بكر وَعمر وَالْعَبَّاس وَالْفضل ابْنه وَأَبُو سُفْيَان بن الْحَارِث ابْن عَمه ﷺ وَكَانَ حابسا بلجام بغلته ﷺ وَكَانَ يُحِبهُ وَشهد لَهُ بِالْجنَّةِ وَكَانَ لَا يرفع رَأسه للنَّبِي ﷺ حَيَاء مِنْهُ لإذايته لَهُ قبل إِسْلَامه
وَكَانَ مَعَه ابْنه جَعْفَر بن أبي سُفْيَان بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَأُسَامَة بن زيد أَخُوهُ لأمه أَي من بن عُمَيْر
وَاسْتشْهدَ فِي ذَلِك الْيَوْم وَثَبت أَيْضا أَبُو طَلْحَة الْأنْصَارِيّ ﵃
وَفِي هَذَا الْيَوْم قَالَ رَسُول الله ﷺ (لصوت أبي طَلْحَة فِي الْجَيْش خير من مائَة رجل وانشد الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب
(نصرنَا رَسُول الله فِي الْحَرْب سَبْعَة وفر من فر فاقشعوا)
(وثامننا لَقِي الْحمام بِسَيْفِهِ فِيمَا مَسّه وَهُوَ لَا يتوجع)
وَلما فرغ رَسُول الله ﷺ من غَزْوَة حنين غزا غَزْوَة الطَّائِف وَهِي الثَّامِنَة من الْهِجْرَة وَنزل قَرِيبا من الطَّائِف وحصرهم أَيَّامًا من الشَّهْر وَرَمَاهُمْ بالمنجنيق وَقطع عَنْهُم وَدخل قوم من الْمُسلمين تَحت جِدَار الطَّائِف للنقب فأرسلوا عَلَيْهِم سِكَك الْحَدِيد محماة بالنَّار فَخَرجُوا وَقتل بَعضهم بِالسِّهَامِ وهرب من الطَّائِف مَالك بن عَوْف النضري الَّذِي آوى إِلَيْهِم فِي هزيمَة هوَازن وَأسلم
ورد عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ أَهله وَمَاله وزاده مائَة من الْإِبِل وَقدمه ﷺ على من أسلم من قومه فَكَانَ يُقَاتل بهم ثَقِيف
وَأعْطى النَّبِي ﷺ من سبي هوَازن عَطاء جزيلا
أعْطى الْمُؤَلّفَة مائَة بعير كل إِنْسَان وَأعْطى الْعَبَّاس بن مرداس الشَّاعِر مائَة ثمَّ زَاده وَقَالَ أقطعوا عني لِسَانه يَعْنِي بالعطاء وَكَانَ من الْمُؤَلّفَة أشرار من النَّاس يتآلفهم بالعطاء
ويحبب لَهُم الْإِسْلَام مثل أبي سُفْيَان بن حَرْب وَابْنه مُعَاوِيَة وَحَكِيم بن حزَام وَصَفوَان بن أُميَّة
[ ١١١ ]
والْحَارث بن كنده وَمَالك بن عَوْف وَغَيرهم أعْطى لكل رجل من هَؤُلَاءِ مائَة من الْإِبِل وَأعْطى لبقيتهم دون ذَلِك طَبَقَات
وَفِي هَذَا الْمحل قَالَ رَسُول الله ﷺ (مَا ألفيتموني بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا وَلَا كذابا وَمَالِي من فيئيكم غير الْخمس وَالْخمس مَرْدُود عَلَيْكُم)
وَأعْطى النَّبِي ﷺ الْقَبَائِل كلهم وَلم يُعْط الْأَنْصَار شَيْئا فوجدوا لذَلِك فَكَلَّمَهُمْ خيرا
ودعا لَهُم فبكوا من الْفَرح وَقَالُوا رَضِينَا يَا رَسُول الله
وارتحل رَسُول الله ﷺ على الطَّائِف
وَقَالَ (لم يُؤذن لي فِي ثَقِيف)
فَقَالَ رجل ادعوا عَلَيْهِم يَا رَسُول الله فَقَالَ (اللَّهُمَّ أهد ثقيفا)
فَكَانَ كَذَلِك
وَقدم النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة من الطَّائِف بِذِي الْحجَّة مكمل السّنة الثَّامِنَة من الْهِجْرَة وَلم يبْق عَرَبِيّ إِلَّا وَقد أسلم بعد رُجُوعه ﷺ