وَفِي السّنة التَّاسِعَة فِي رَجَب مِنْهَا غزا غَزْوَة تَبُوك وَتسَمى غَزْوَة الْعسرَة
وتبوك أسم مَكَان انْتهى إِلَيْهِ سفرهم
وَكَانَت بَين هَذِه الْغَزَوَات سَرَايَا وحض النَّبِي ﷺ الْأَغْنِيَاء على النَّفَقَة فَأخْرج عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ ألفا من الْإِبِل تنقص أَرْبَعِينَ فكمل الْألف بِأَرْبَعِينَ فرسا وصب فِي حجر النَّبِي ﷺ ألف دِينَار ذَهَبا
قَالَ النَّبِي ﷺ (اللَّهُمَّ ارْض عَن عُثْمَان فَإِنِّي عَنهُ رَاض)
وَلذَلِك يُقَال مَنَاقِب عُثْمَان أَنه جهز الْعسرَة
وَجَاء عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ﵁ بأَرْبعَة آلَاف دِينَار ذَهَبا يعين بهَا الْمُسلمين
وَخرج رَسُول الله ﷺ وجيشه يزِيد على ثَلَاثِينَ ألفا وَهُوَ يُرِيد الرّوم بِأَرْض الشَّام
وَفِي هَذِه الْغَزْوَة احْتَاجَ النَّاس المَاء وَاشْتَدَّ الْعَطش
فَوضع رَسُول الله ﷺ يَده فِي المَاء قيل وتفجر المَاء من بَين أَصَابِعه حَتَّى ارتووا وحملوا وَشرب الْجَيْش كُله
وَهَذِه عَادَته ﷺ فِي أَسْفَاره إِذا أصبح النَّاس وَلَا مَاء مَعَهم
وَلما نزل ﷺ تَبُوك يُرِيد الشَّام أَقَامَ بهَا وَبنى بهَا مَسْجِدا وَهُوَ بهَا إِلَى الْيَوْم
وَفِي سَفَره هَذَا بعث خَالِد بن الْوَلِيد إِلَى مَدِينَة الجندل وَهُوَ حصن مَشْهُور فَأتى بِصَاحِبِهِ وَصَالَحَهُ على الْجِزْيَة
وَفِي هَذِه الْغَزْوَة
[ ١١٢ ]
خلف رَسُول الله ﷺ على الْمَدِينَة عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَكَانَت الْيَهُود قَالَت إِن كَانَ نَبيا فَيخرج إِلَى الشَّام أَرض الْأَنْبِيَاء وَمِنْهَا يَقع التَّمَكُّن بغزو الرّوم
فَنزل فِي تَبُوك قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن كَادُوا ليستفزونك من الأَرْض﴾ وَأمره جلّ وَعلا بِالرُّجُوعِ وَأخْبرهُ أَن مأمنه بِالْمَدِينَةِ وَبهَا يبْعَث فَرجع رَسُول الله ﷺ
وَإِنَّمَا سميت غَزْوَة الْعسرَة لِأَنَّهَا وَقعت فِي زمَان عسير وحر وَكثير وَتعذر الطُّهْر والزاد وَرُبمَا اقتسم التمرة الْوَاحِدَة رجلَانِ
وَكَانَ رُجُوع النَّبِي ﷺ فِي شهر رَمَضَان من سنة تسع من الْهِجْرَة
وَفِي هَذِه السّنة أَمر النَّبِي ﷺ أَبَا بكر أَن يُقيم الْحَج بِالنَّاسِ وَهِي أول حجَّة كَانَت فِي الْإِسْلَام وكل فرض فبالمدينة نزل إِلَّا فرض الصَّلَاة فبمكة
وَالسَّبَب فِي حجه على مَا أخرجه السُّهيْلي وَغَيره أَن النَّبِي ﷺ لما خرج إِلَى تَبُوك نقض الْمُشْركُونَ الْعَهْد الَّذِي كَانَ بَينهم وَبَين الْمُسلمين فِي الطّواف وَذكر مُخَالفَة الْمُشْركين للْمُسلمين فِي الطّواف وكونهم عُرَاة فِي طوافهم فَأمْسك ﷺ وَبعث أَبَا بكر ﵁ وَنزلت بعده سُورَة بَرَاءَة بِنَقص الْعَهْد وانكشفت سرائر الْمُشْركين
وَلذَلِك تسمى الفاضحة
فامر ﷺ عليا بن أبي طَالب ﵁ أَن يخرج بهَا ويقرأها على النَّاس يَوْم النَّحْر
فَرجع أَبُو بكر فَقَالَ يَا رَسُول الله مَا هَذَا
فَقَالَ (أردْت أَن يبلغ عني من هُوَ من أهل بَيْتِي) فَمضى وَأقَام أَبُو بكر الْحَج بِالنَّاسِ
وَفعل عَليّ مَا أمره بِهِ وَجعل الْمُشْركُونَ أَرْبَعَة أشهر من يَوْم النَّحْر ليرْجع كل وَاحِد إِلَى مامنه وَلَا عهد لَهُ بعد ذَلِك
وَأمر عَليّ أَبَا هُرَيْرَة أَن يطوف بالمنازل وَأَن يطوف بِأَرْبَع وَهِي لَا يدْخل الْجنَّة مُشْرك إِلَّا مُؤمن وَلَا يحجّ بعد هَذَا الْعَام مُشْرك وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان وَمن كَانَ لَهُ عهد فَلهُ أجل أَرْبَعَة أشهر ثمَّ لَا عهد لَهُ
فَقَالَ الْمُشْركُونَ إِذا انْقَضى الْأَجَل فَلَيْسَ بَيْننَا وَبَيْنكُم إِلَّا الطعْن بِالرِّمَاحِ وَالضَّرْب بِالسُّيُوفِ
فَخَالف الله ظنهم وَدخل النَّاس فِي الدّين أَفْوَاجًا افواجا
[ ١١٣ ]