كَانَتْ هَذِهِ الْجَوْلَةُ الْحَزِينَةُ مَعَ وَفَاةِ السَّيِّدِ النَّبِيِّ أَبِي الْقَاسِمِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - ﷺ -، طَافَ فِيهَا الْبَاحِثُ مَعَ الصَّحَابَةِ فِي أَرْجَاءِ الْمَدِينَةِ؛ فِي عَوَالِيهَا وَثَنَايَاهَا، فِي مَسَاجِدِهَا وَمَنَازِلِ الْوَحْيِ فِيهَا، فِي آطَامِهَا وَحَوَائِطِهَا، فِي الْبَقِيعِ، فِي الْحُجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ، فِي كُلِّ مَكَانٍ فِي الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ الْمُنَوَّرَةِ (١).
وَشَاهَدَ الْقَارِئُ فِي هَذَا الْبَحْثِ آخِرَ الأَحْدَاثِ وَأَحَرَّهَا،
_________________
(١) يَصْلُحُ حَدِيثُ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: (لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْمَدِينَةَ .. أَضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ) تَأْصِيلًا مُبَكِّرًا لِوَصْفِ الْمَدِينَةِ بِـ (الْمُنَوَّرَةِ)، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ، انْظُرْ: "سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ" كِتَابُ الْمَنَاقِبِ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، بَابٌ فِي فَضْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - (٥/ ٥٨٨) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٣٦١٨) وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ.
[ ١٢٢ ]
وَأَقْرَبَهَا إِلَى النُّفُوسِ وَأَشَدَّهَا، وَاسْتَمَعَ إِلَى الْهَمَسَاتِ النَّبَوِيَّةِ الأَخِيرَةِ، وَإِلَى الْمُنَاجَاةِ الْخَاتِمَةِ.
وَعِشْنَا مَعَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمُ الْحَدَثَ الْعَظِيمَ، وَالْجُرْحَ الأَلِيمَ؛ وَفَاةَ النَّبِيِّ الأَعْظَمِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، وَرَأَيْنَا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا، وَعَائِشَةَ وَفَاطِمَةَ، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
وَسَمِعْنَا عِتَابَ الزَّهْرَاءِ الْمُسْلِمِينَ: كَيْفَ طَابَتْ نُفُوسُكُمْ أَنْ تُهِيلُوا التُّرَابَ عَلَى أَبي الْقَاسِمِ - ﷺ -؟!
وَيَعْلَمُ اللهُ أَنَّ مِثْلَ هَذِي الدِّرَاسَةِ مِنْ أَثْقَلِ أَنْوَاعِ الدِّرَاسَاتِ عَلَى النُّفُوسِ الْمُسْلِمَةِ، فَهَلْ مَاتَ مُحَمَّدٌ - ﷺ - حَقًّا؟! مَا صَدَّقَهَا عُمَرُ، وَلَمْ تُصَدِّقْ عَائِشَةُ، وَدَفَعَتْ أُمِّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ الْخَبَرَ.
مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَفِي النَّاسِ مَنْ يَهْتِفُ كُلَّ لَحْظَةٍ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ.
مَا مَاتَ سَيِّدُ سَادَةِ الشُّهَدَاءِ وَالشُّهَدَاءُ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.
مَا مَاتَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَالأُمَّةُ بَلَغَتْ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَسَارَتْ بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ١٢٣ ]
وَسَلَّمَ - فِي كُلِّ آفَاقِ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ بِعِزِّ عَزِيزٍ، أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ.
يَا سَيِّدَ الْعُبَّادِ؛ قَدْ بَزَغَ الْهِلَالُ، نَفَرَتْ رَكَائِبُ زَحْفِنَا نَحْوَ الْيَمِينِ وَمِنْ شِمَالٍ، هَذِي الْمَدَائِنُ أَسْلَمَتْ، وَعَفَا الصَّبَا أَثَرَ الضَّلَالِ.
لَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَالْمُسْلِمُونَ تَطِيرُ بِهِمْ أَشْوَاقُهُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ الْمُنَوَّرَةِ تُنَاجِيهِمْ وَتُحَادِيهِمْ.
هَذِي الْعَوَالِي وَالنَّسَايِمُ مِنْ رُبَى طَيْبَةَ تُهَادِي، تَهْفُو إِلَيْكَ مَعَ الأَصَايِلِ مِنْ مَآذِنِنَا تُنَادِي، تَمْضِي بِنَا أَحْلَامُنَا فِي اللَّيْلِ فِي وَقْتِ السَّحَرِ، نَحْوَ الْمَدِينَةِ رَوْضَةِ الْمُخْتَارِ تُشْرِقُ كَالقَمَرِ.
يَا أَيُّهَا الْعُبَّادُ؛ آهٍ لَوْ أَنَّ أَنْجَشَةً أَتَى، يَحْدُو بِنَا لِلْمُلْتَقَى، لِلْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ يَحْوِينَا، وَيَحْوِي الذِّكْرَيَاتِ، يَا أَيُّهَا الْعُبَّادُ، آهٍ.
يَا سَيِّدَ الشُّهَدَاءِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، يَا سَيِّدَ الشُّهَدَاءِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ أَشْرَقَتْ فِي كُلِّ وَادٍ.
نَادَى الْمُنَادِي مِنْ رُبَى طَيْبَةَ بِلَالُ، وَمَضَتْ رَكَائِبُ زَحْفِنَا مُتَضَمِّخِينَ الْمِسْكَ مِنْ طِيبِ الْفِعَالِ.
سَيّدِي أَبَا الْقَاسِمِ؛ "وَأَظْلَمَتِ الْمَدِينةُ" لَمَّا طَوَاكَ الثَّرَى، فَلَا عَاشَ مَنْ لَمْ يَعِشْ لِرِسَالَتِكَ رِسَالَةِ السَّمَاءِ.
[ ١٢٤ ]
سَيِّدِي رَسُولَ اللهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ فِي الأَوَّلِينَ، سَلَامٌ عَلَيْكَ فِي الآخِرِينَ، سَلَامٌ عَلَيْكَ ، سَلَامٌ عَلَيْكَ ، سَلَامٌ عَلَيْكَ ، سَلَامٌ عَلَيْكَ ، سَلَامٌ عَلَيْكَ ، سَلَامٌ عَلَيْكَ ، سَلَامٌ عَلَيْكَ ، سَلَامٌ عَلَيْكَ
سَيِّدِي أَبَا الْقَاسِمِ يَا حَبِيبَ قَلْبِي، وَيَا حَبِيبَ رَبِّي، عَلَيْكَ السَّلَامُ
وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
[ ١٢٥ ]