ذَهَلَ الصَّحَابَةُ لِمَوْتِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَلَمْ يَكُنْ لَدَيْهِمْ دَلِيلٌ لِمَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوهُ، وَصُدِمُوا لِمَوْتهِ، فَالْخَبَرُ أَكْبَرُ مِنْ أكابِرِهِمْ.
فَهَذَا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ لَا تُقِلُّهُ قَدَمَاهُ، وَأَبُو بَكْرٍ يَبْكِي، وَيُعْلِنُ الْحَقِيقَةَ وَحْدَهُ، وَيَتَحَمَّلُهَا، وَيَحْمِلُ النَّاسَ عَلَيْهَا.
مَاتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -.
وَتَزْدَحِمُ الأَحْدَاثُ عَلَى الْكِرَامِ، فَالْمَدِينَةُ لَا زَالَتْ تَشْتَمِلُ عَلَى الَّذِينَ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ مِمَّنْ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْكُفْرَ، وَالْعَرَبُ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَالْجَيْشُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ يَتَجَهَّزُ لِغَزْوِ الشَّامِ، وَالنَّاسُ مَا أَلِفَتِ الْحُكْمَ، وَمَا اعْتَادَتِ النِّظَامَ، وَمَا جَرَوْا عَلَى مَذَاهِبِ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ قَبْلَ أَنْ يَمْتَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ بِالدِّينِ الْجَدِيدِ.
[ ٩٨ ]
وَدَهِشَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ بِهَذَا الأَمْرِ الْهَائِلِ، فَانْشَغَلُوا فِي جَمْعِ صَفِّ النَّاسِ عَلَى إِمَامٍ وَاحِدٍ يُصَلِّي لَهُمْ صَلَاتَهُمْ، وَيَقُومُ عَلَى حَاجَاتِهِمْ، وَيَجْمَعُهُمْ عَلَى قَلْبٍ وَاحِدٍ، وَكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَانتهَى الصَّحَابَةُ مِنْ ذَلِكَ الأَمْرِ، وَتَوَلَّى أَبُو بَكْرٍ مَصَالِحَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ التفَتُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؛ مِنْ أَجْلِ غُسْلِهِ وَتَكْفِينهِ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَدَفْنِهِ، فَالْحَقِيقَةُ الْمُرَّةُ لَابُدَّ مِنْ تَجَرُّعِهَا.
وَحَارَ الصَّحَابَةُ فِي أَمْرِ غُسْلِهِ وَدَفْنِهِ - ﷺ -.
٨٠ - تَقُولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: (لَمَّا أَرَادُوا غَسْلَ النَّبِيّ - ﷺ - .. قَالُوا: وَاللهِ؛ مَا نَدْرِي أَنُجَرِّدُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مِنْ ثِيَابِهِ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا أَمْ نَغْسِلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ؟ فَلَمَّا اخْتَلَفُوا .. أَلْقَى اللهُ عَلَيْهِمُ النَّوْمَ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَذَقْنُهُ فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مُكَلِّم مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ: أَنِ اغْسِلُوا النَّبِيَّ - ﷺ - وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ) (١).
_________________
(١) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، انْظُرْ: "سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ" (٣/ ١٩٦) رَقْمُ الْحَدِيثِ: =
[ ٩٩ ]
٨١ - وَرَوَى سَالِمُ بْنُ عُبَيْدٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَمَرَهُمْ أَنْ يُغَسِّلَهُ بَنُو أَبِيهِ (١).
فَقَامُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَغَسَلُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ، يَصُبُّونَ الْمَاءَ فَوْقَ الْقَمِيصِ، وُيدَلِّكُونَهُ بِالْقَمِيصِ دُونَ أَيْدِيهِمْ.
٨٢ - وَكَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا تَقُولُ: (لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ .. مَا غَسَلَهُ إِلَّا نِسَاؤُهُ) (٢).
٨٣ - وَيَرْوِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّهُ لَمَّا غَسَّلَ النَّبِيَّ - ﷺ - .. ذَهَبَ يَلْتَمِسُ مِنْهُ مَا يَلْتَمِسُ مِنَ الْمَيِّتِ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَقَالَ: (بِأَبِي، الطَّيِّبُ، طِبْتَ حَيًّا، وَطِبْتَ مَيِّتًا) (٣).
_________________
(١) = (٣١٤١) كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابٌ فِي سَتْرِ الْمَيِّتِ عِنْدَ غُسْلِهِ، وَفِي إِسْنَادِهِ ابْنُ إِسْحَاقَ الإِمَامُ فِي السِّيَرِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِالسَّمَاعِ.
(٢) إسْنَادُهُ صَحِيح، انْظُرْ: "الشَمَائِلُ الْمُحَمدِيَّةُ" (ص: ٣٣٨) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٣٩٧).
(٣) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، انْظُرْ: "سُنَنُ أِبي دَاوُدَ" (٣/ ١٩٦) رَقْمُ الحَدِيثِ: (٣١٤١) كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابٌ فِي سَتْرِ المَّيتِّ عِنْدَ غُسْلِهِ، وَفِي إِسْنَادِهِ ابْنُ إِسْحَاقَ الإِمَامُ فِي السِّيَرِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِالْسَّمَاعِ.
(٤) إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، انْظُرْ: "سُنَنُ ابْنِ مَاجَهْ" وَاللَّفْظُ لَهُ، كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابُ مَا =
[ ١٠٠ ]
وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - قَدْ تَفَقَّدَ كَفَنَهُ وَهُوَ يَنْزِعُ.
٨٤ - فَنَظَرَ - ﷺ - إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ فَقَالَ: "اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ فَكَفِّنُوني فِيهَا" قُلْتُ: إِنَّ هَذَا خَلَقٌ، قَالَ: "إِنَّ الْحَيَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنَ الْمَيِّتِ" (١).
٨٥ - وَكُفِّنَ - ﷺ - فِي ثَوْبٍ نَجْرَانِيٍّ وَرَيْطَتَيْنِ (٢).
٨٦ - وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: (كُفِّنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي ثَلاثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَةٍ بِيضٍ سَحُوليَّةٍ مِنْ
_________________
(١) = جَاءَ فِي غُسْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - (١/ ٤٧١) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (١٤٦٧)، وَ"مُسْتَدْرَكُ الْحَاكِمِ" عَنْ عَلِي رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ (١/ ٦٢).
(٢) صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ، كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابُ مَوْتِ يَوْمِ الإِثْنَيْنِ (٢/ ١٠٢) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (١٣٨٧) قَالَ فِي الْفَتْحِ (٣/ ٢٥٣): (الْخَلَقُ: غَيْرُ جَدِيدٍ، وَرَدْعُ الزَّعْفَرَانِ: زَعْفَرَانٌ لُطِّخَ بِالْثَّوْبِ لَكِنْ لَمْ يَعُمَّهُ).
(٣) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، انْظُرْ: "صَحِيحُ ابْنِ حِبَّانٍ" كِتَابُ التَّارِيخ، بَابُ وَفَاتِهِ - ﷺ - (١٤/ ٥٩٨) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٦٦٣٠). وَالرَّيْطَتَانِ: مُثَنَّى رَيْطَةٍ، وَهِيَ كُلُّ مَلَاءَةٍ لَيْسَتْ بِلَفْقَيْنِ، وَقِيلَ: كُلُّ ثَوْبٍ رَقِيقٍ لَيِّنٍ، وَالْجَمْعُ: رِيَطٌ، وَرِيَاطٌ، انْظُرْ: "النِّهَايَةُ فِي الْغَرِيبِ" (٢/ ٢٨٩).
[ ١٠١ ]
كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهِنَّ قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ) (١).
وَأَشْكَلَ عَلَى النَّاسِ أَنَّهُ - ﷺ - كُفِّنَ فِي بُرْدٍ يَمَانِيٍّ، وَهُوَ الْحُلَّةُ أَوِ الْحِبَرَةُ (٢)، فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا:
٨٧ - (قَدْ أُتِيَ بِالْبُرْدِ، وَلكِنَّهُمْ رَدُّوهُ وَلَمْ يُكَفِّنُوهُ فِيهِ) (٣).
٨٨ - ثُمَّ (أُدْرِجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي حُلَّةٍ يَمَنِيَّةٍ
_________________
(١) صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابُ الثِّيَابِ الْبِيضِ لِلْكَفَنِ (٢/ ٧٥) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (١٢٦٤) وَ"صَحِيحُ مُسْلِمٍ" وَاللَّفْظُ لَهُ (٢/ ٦٤٩) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٩٤١). وَالْسَّحُولِيَّةُ: يُرْوَى بِفَتْحِ الْسِّينِ وَضَمَّهَا؛ فَالْفَتْحُ مَنْسُوبٌ إِلَى السَّحُولِ، وَهُوَ القَصَّارُ؛ لأَنَّهُ يَسْحَلُهَا؛ أَيْ: يَغْسِلُهَا، أَوْ إِلَى سَحُولٍ، قَرْيَةٍ بِالْيَمَنِ، تُحْمَلُ مِنْهَا هَذه الثِّيَابُ، وَأَمَّا بِالضَّمِّ .. فَهُوَ جَمْعُ سَحْلٍ، وَهُوَ الْثَّوْبُ الأَبْيَضُ النَّقِيُّ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ قُطْنٍ، وَفِيهِ شُذُوذٌ؛ لأَنَّهُ نُسِبَ إِلَى الْجَمْعِ، وَالْكُرْسُفُ: الْقُطْنُ. انْظُرْ: "النِّهَايَةُ فِي الْغَرِيبِ" (٢/ ٣٤٧) و"المِنْهَاجُ" لِلنَّوَوِيِّ (٧/ ٧).
(٢) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، انْظُرْ: "سُنَنُ ابْنِ مَاجَه" (١/ ٤٧٢) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (١٤٦٩).
(٣) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، انْظُرْ: "سُنَنُ الترمِذِيِّ" كِتَابُ الجَنَائِزِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي كَفَنِ النَبِيِّ - ﷺ - (٣/ ٣٢١) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٩٩٦) وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
[ ١٠٢ ]
كَانَتْ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، ثُمَّ نُزِعَتْ عَنْهُ - ﷺ -) (١).
٨٩ - (فَأَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فَقَالَ: لأَحْبِسَنَّهَا حَتَّى أُكَفِّنَ فِيهَا نَفْسِي) (٢).
وَلِذَلِكَ ذَكَرُوا لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا مَا ذَكَرُوا فَأَنْكَرَتْهُ وَقَالَتْ:
٩٠ - (أَمَّا الْحُلَّةُ .. فَإِنَّمَا شُبِّهَ عَلَى النَّاسِ فِيهَا أَنَّهَا اشْتُرِيَتْ لَهُ لِيُكَفَّنَ فِيهَا؛ فَتُرِكَتِ الْحُلَّةُ) (٣).
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: (رُوِيَ فِي كَفَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - رِوَايَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَصَحُّ الأَحَادِيثِ الَّتِي رُوِيَتْ فِي كَفَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) (٤).
_________________
(١) صَحِيحُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَائِشَةَ، كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابٌ فِي كَفَنِ الْمَيِّتِ (٢/ ٦٥٠) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٩٤١) الْمُتَابَعَةُ (٤٦).
(٢) صَحِيحُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَائِشَةَ، كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابٌ فِي كَفَنِ الْمَيِّتِ (٢/ ٦٤٩) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٩٤١) الْمُتَابَعَةُ (٤٥).
(٣) صَحِيحُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَائِشَةَ، كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابٌ فِي كَفَنِ الْمَيّتِ (٢/ ٦٤٩) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٩٤١) المُتَابَعَةُ (٤٥).
(٤) "سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ" (٣/ ٣٢٢).
[ ١٠٣ ]
وَبَدَأَ النَّاسُ يُجَهِّزُونَ النَّبِيَّ - ﷺ - لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
إِنَّهَا صَلَاةُ الْوَدَاعِ وَفِي الضَّرِيحِ وَفِي الأَكفَانِ أَحْزَانُ.
إِنَّهَا صَلَاةُ الْوَدَاعِ وَفِي الْوَدَاعِ وَفِي الإِجْنَانِ أَشْجَانُ.
إِنَّهَا صَلَاةُ الْوَدَاعِ وَإِنَّ الْوَدَاعَ لِمَنْ تُحِبُّ قَلِيلٌ.
إِنَّهَا صَلَاةُ الْوَدَاعِ وَإِنَّهُ الرَّحِيلُ إِلَى الدَّارِ الآخِرَةِ.
إِنَّهَا الأُمَّةُ الثَّكلَى بِوَفَاةِ نَبِيِّهَا مُحَمَّدٍ - ﷺ -.
إِنَّهَا صَلَاةُ الْوَدَاعِ، فَوَدِّعْ فُؤَادَكَ تَوْدِيعَ الْفِرَاقِ مِنْ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ.
٩١ - فَقَالُوا: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؛ أَيُصَلَّى عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَ: (نَعَمْ). فَقَالُوا: وَكَيْفَ؟ قَالَ: (يَدْخُلُ قَوْمٌ فَيُكَبِّرُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَدْعُونَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ، ثُمَّ يَدْخُلُ قَوْمٌ فَيُكَبِّرُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَدْعُونَ ثمَّ يَخْرُجُونَ، حَتَّى يَدْخُلَ النَّاسُ) (١).
_________________
(١) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ الصَّحَابِيِّ، انْظُرْ: "الشَّمَائِلُ الْمُحَمَّدِيَّةُ" (ص ٣٣٨) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٣٩٧).
[ ١٠٤ ]
٩٢ - (فَكَانُوا يَدْخُلُونَ مِنْ هَذَا الْبَابِ فَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنَ الْبَابِ الآخَر) (١).
(وَصَلَّى النَّاسُ عَلَيْهِ أَفْذَاذًا لا يَؤُمَّهُمْ أَحَدٌ) (٢).
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ:
(وَأَمَّا صَلَاةُ النَّاسِ عَلَيْهِ أَفْذَاذًا .. فَمُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ وَجَمَاعَةِ أَهْلِ النَّقْلِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ) (٣).
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: (وَهَذَا الْصَّنِيْعُ -وَهُوَ صَلَاتُهُمْ عَلَيْهِ فُرَادَى لَمْ يَؤُمَّهُمْ أَحَدٌ عَلَيْهِ- أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَا خِلَافَ فِيهِ) (٤).
_________________
(١) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، انْظُرْ: "مُسْنَدُ أَحْمَدَ" (٥/ ٨١) عَنْ أَبِي عَسِيبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -.
(٢) قَالَهُ مَالِكٌ فِي "الْمُوَطَّأ" (١/ ٢٣١) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٢٧).
(٣) الْتَّمْهِيدُ لِمَا في الْمُوَطَّإِ مِنَ الْمَعَانِي وَالأَسَانِيِد، لأَبِي عُمَرَ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْنَّمْرِيِّ، مَوْلِدُهَ سَنَةَ (٣٦٨ هـ) وَوَفَاتُهُ سَنَةَ (٤٦٣ هـ) الْمَشْهُورِ: بِابَنِ عَبْدِ الْبَرِّ، (٢٦) جُزْءًا، تَحْقِيقُ: مُصْطَفَي أَحْمَدَ الْعَلَويِّ، وَحَقَّقَ هَذَا الْجُزْءَ سَعِيدُ أَحْمَدَ أَعْرَابٍ، تُوُفِّيَ سَنَةَ (١٤٢٤ هـ) طَبَعَتْهُ المَكْتَبَةُ الْمَلَكِيَّةُ بِالرِّبَاطِ سَنَةَ (١٩٦٧ م) وسَيُشَار لَهُ عِنْدَ وُرُودِهِ: "الْتَّمْهِيدُ" (٢٤/ ٣٩٧).
(٤) الْبِدَايَةُ وَالْنِّهَايَةُ، لأَبِي الفِدَاءِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ الْقُرَشِيِّ الْدِّمَشْقِيِّ، مَوْلِدُهُ سَنَةَ (٧٠١ هـ) وَوَفَاتُهُ سَنَةَ (٧٧٤ هـ) طَبَعَتْهُ مَكْتَبَةُ الْمَعَارِفِ بِبَيْرُوتَ، فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ جُزْءًا مَجْمُوعَةٍ فِي سَبْعَةِ مُجَلَّدَاتٍ، وَسَيُشَارُ لَهُ عِنْدَ وُرُودِهِ: "الْبِدَايَةُ وَالْنِّهَايَةُ" (٥/ ٢٦٥).
[ ١٠٥ ]
لَقَدْ صَارَ الأَمْرُ حَقِيقَةً كُبْرَى، مَاتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -.
فَهَلْ تُصدِّقُ أُمِّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُنَّ لَنْ يَرَيْنَهُ بَعْدَ الْيَوْمِ؟
اللَّيْلُ يَكْسُو الْمَدِينَةَ بِالْبُكَاءِ وَبِالدُّمُوعِ، تَجْرِي سَوَاكِبُ دَمْعِهَا نَحْوَ اللِّحَى، نَحْوَ الْخُدُودِ.
هَذِي الفوَاطِمُ كُلُّهُنَّ وَعَائِشَةُ.
هَذِي الْحَبيبَةُ بَضْعَةُ الْمُخْتَارِ تَنْدُبُ سَيِّدِي.
هَذَا النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ سَجَّتْهُ أمُّ المُؤْمِنِينَ بِحِبَرَةٍ كَفَنِ الوَدَاعِ.
وَبَضْعَةُ النَّبِيِّ - ﷺ - تَبْكِيهِ، وَتَنْدُبُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَبَاهَا.
هَا هُنَّ أُمِّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ يَبْكِينَ النَّبِيَّ الْحَبِيبَ الْغَالِيَ.
وَنَامَ الصِّبْيَةُ الصِّغَارُ، وَأَرَّقَتِ الْمَدَامِعُ سَائِرَ النَّاسِ.
٩٣ - (قَالُوا: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ؛ أَيُدْفَنُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَ: نعمْ، قَالُوا: أَيْنَ؟ قَالَ: فِي الْمَكَانِ الَّذِي قَبَضَ اللهُ فِيهِ رُوحَهَ) (١) - ﷺ -.
_________________
(١) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ الصَّحَابِيِّ، انْظُرْ: "الْشَّمَائِلُ الْمُحَمَّدِيَّةُ" =
[ ١٠٦ ]
هَا هِيَ الْفُؤُوسُ تَشُقُّهُمَا مَعًا، وَتَصْدَعُهُمَا مَعًا؛ قُلُوبَ الصَّالِحِينَ، وَالأَرْضَ الَّتِي تَضُمُّ إِلَيْهَا سَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ أَجْمَعِينَ مُحَمَّدًا - ﷺ -.
قَالَ الإِمَامُ مُحَمَّدٌ الْبَاقِرُ: (الَّذِي أَلْحَدَ قَبْرَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَبُو طَلْحَةَ) (١).
٩٤ - عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: (مَا عَلِمْنَا بِدَفْنِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حَتَّى سَمِعْنَا صَوْتَ الْمَسَاحِي مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ لَيْلَةَ الأَرْبِعَاءِ) (٢).
وَاكْتَسَتِ الْمَدِينَةُ بِالْحُزْنِ الْمُعَتَّقِ، وَتَفَتَّقَتِ الْقُلُوبُ بِالأَسَى، وَاللَّيْلُ يُقَطِّعُهُ وَقع الْمَسَاحِي وَالْكَرَازِينِ.
وَكَانَ وَقْعُ الْمَسَاحِي فِي الْمَوْطِنِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
_________________
(١) = (ص ٣٣٨) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٣٩٧).
(٢) إسْنَادُهُ حَسَن، مَوْقُوفٌ عَلَى الْبَاقِرِ، انْظُرْ: "سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ" كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ يُلْقَى تَحْتَ الْمَيِّتِ فِي الْقَبْرِ (٣/ ٣٦٥) رَقْمُ الحَدِيثِ: (١٠٤٧) وَأَشَارَ إِلَيْهِ الأَلْبَانِيُّ، مَوْلدُهُ سَنَةَ (١٣٣٣ هـ) وَوَفَاتُهُ سَنَةَ (١٤٢٠ هـ) فِي "مُخْتَصَرُ الْشَّمَائِلِ" (ص ١٩٨) قَالَ: الَّذِي حَفَرَ الْقَبْرَ هُوَ أَبُو طَلْحَةَ.
(٣) إسْنَادُهُ حَسَنٌ، انْظُرْ: "مُسْنَدُ أَحْمَدَ" (٦/ ٢٧٤).
[ ١٠٧ ]
وَسَلَّمَ -، كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ:
٩٥ - سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - شَيْئًا مَا نَسِيتُهُ، قَالَ: "مَا قَبَضَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ" ادْفِنُوهُ فِي مَوْضِعِ فِرَاشِهِ (١).
٩٦ - (فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَقْبِضْ رُوحَهُ إِلَّا فِي مَكَانٍ طَيِّبٍ) (٢) - ﷺ -.
٩٧ - (وَلُحِدَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَحْدًا، وَنُصِبَ عَلَيْهِ اللَّبِنُ نَصْبًا) (٣).
٩٨ - (وَجُعِلَ تَحْتَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حِينَ دُفِنَ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ) (٤).
_________________
(١) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، عَنْ عَائِشَةَ، انْظُرْ: "سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ" كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابٌ آخَرُ (٣/ ٣٣٨) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (١٠١٨).
(٢) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، عَنْ سَالِمِ بنِ عُبَيْدٍ الصَّحَابِيِّ، انْظُرْ: "الْشَّمَائِلُ الْمُحَمَّدِيَّةُ" (ص ٣٣٨) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٣٩٧).
(٣) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، عَنْ عَلِيٍّ، انْظُرْ: "سُنَنُ ابْنِ مَاجَه" كِتَابُ الجَنَائِزِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي غُسْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - (١/ ٤٧١) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (١٤٦٧) وَ"مُسْتَدْرَكُ الْحَاكِمِ" وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ (١/ ٦٢).
(٤) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، انْظُرْ: "سُنَنُ النَسَائِيِّ" كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابُ وَضْعِ الثَّوْبِ فِي اللَّحْدِ (٤/ ٨١) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٢٠١٢) وَاللَّفْظُ لَهُ.
[ ١٠٨ ]
وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: (جُعِلَ فِي قَبْرِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ) (١).
٩٩ - قَالَ شُقْرَانُ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنه: (أَنَا وَاللهِ طَرَحْتُ القَطِيفَةَ تَحْتَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي الْقَبْرِ) (٢).
١٠٠ - (وَوُضِعَ - ﷺ - فِي لَحْدِهِ) (٣).
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا:
١٠١ - (إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أُلْحِدَ، وَنُصِبَ عَلَيْهِ الْلَّبِنُ نَصْبًا) (٤).
١٠٢ - (وَوَلِيَ دَفْنَهُ وَإِجْنَانَهُ مِنْ دُونِ النَّاسِ أَرْبَعَةٌ: عَلِيٌّ،
_________________
(١) صَحِيحُ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابُ جَعْلِ الْقَطِيفَةِ فِي الْقَبْرِ (٢/ ٦٦٥) رَقْمُ الْحَدِيثِ (٩٦٧).
(٢) إسْنَادُهُ حَسَنٌ، انْظُرْ: "سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ" كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ يُلْقَى تَحْتَ الْمَيِّتِ فِي الْقَبْرِ (٣/ ٣٦٥) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (١٠٤٧) وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
(٣) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، انْظُرْ: "مُسْنَدُ أَحْمَدَ" (٥/ ٨١) عَنْ أَبِي عَسِيبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -.
(٤) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، انْظُرْ: "صَحِيحُ ابْنِ حِبَّانٍ" كِتَابُ التَّارِيخِ، بَابُ وَفَاتِهِ - ﷺ - (١٤/ ٦٠٢) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٦٦٣٥).
[ ١٠٩ ]
وَالْعَبَّاسُ، وَالْفَضْلُ، وَصَالِحٌ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) (١).
وَصَارَ اللَّحْدُ سُنَّةً، وَاقْتَدَى بِهِ أَصْحَاُبهُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ:
١٠٣ - (الْحَدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَيَّ الْلَّبِنَ نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -) (٢).
وَكَانَ اللَّحْدُ وِفْقَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:
١٠٤ - "الْلَّحْدُ لَنَا، وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا" (٣).
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا:
_________________
(١) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، انْظُرْ: "سُنَنُ ابْنِ مَاجَه" كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي غُسْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - (١/ ٤٧١) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (١٤٦٧)، وَ"مُسْتَدْرَكُ الْحَاكِمِ" وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ (١/ ٦٢).
(٢) صَحِيحُ مُسْلِمٍ، كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابٌ فِي الْلَّحْدِ وَنَصْبِ اللَّبِنِ عَلَى الْمَيِّتِ (٢/ ٦٦٥) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٩٦٦).
(٣) إسْنَادُهُ حَسَن، انْظُرْ: "سُنَنُ الْتِّرْمِذِيِّ" كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: "اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا" (٣/ ٣٦٣) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (١٠٤٥).
[ ١١٠ ]
١٠٥ - (إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أُلْحِدَ، وَنُصِبَ عَلَيْهِ اللَّبِنُ نَصْبًا) (١).
١٠٦ - قَالَ الْمُغِيرَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: (قَدْ بَقِيَ مِنْ رِجْلَيْهِ شَيْءٌ لَمْ يُصْلِحُوهُ، قَالُوا: فَادْخُلْ فَأَصْلِحْهُ، فَدَخَلَ، وَأَدْخَلَ يَدَهُ فَمَسَّ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: أَهِيلُوا عَلَيَّ التُّرَابَ، فَأَهَالُوا عَلَيْهِ التُّرَابَ حَتَّى بَلَغَ أَنْصَافَ سَاقَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَكَانَ يَقُولُ: أَنَا أَحْدَثُكُمْ عَهْدًا بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -) (٢).
أَهِيلُوا عَلَيَّ التُّرَابَ، أَهِيلُوا عَلَيَّ التُّرَابَ، فَكَأَنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ جِوَارِهِ - ﷺ -، ثُمَّ دُفِنَ - ﷺ -.
دُفِنَ - ﷺ -، أَتُصَدِّقُونَ؟! دُفِنَ - ﷺ -، فَكَيْفَ طَابَتِ النُّفُوسُ أَنْ تَحْثُوَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - التُّرَابَ؟!
_________________
(١) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، انْظُرْ: "صَحِيحُ ابْنِ حِبَّانٍ" كِتَابُ الْتَارِيخِ، بَابُ وَفَاتِهِ - ﷺ - (١٤/ ٦٠٢) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٦٦٣٥).
(٢) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، انْظُرْ: "مُسْنَدُ أَحْمَدَ" (٥/ ٨١) عَنْ حَدِيثِ أَبِي عَسِيبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -.
[ ١١١ ]
١٠٧ - (وَرُفِعَ قَبْرُهُ - ﷺ - مِنَ الأَرْضِ نَحْوًا مِنْ شِبْرٍ) (١).
وَتَحَقَّقَتْ رُؤْيَا عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، وَدُفِنَ فِي بَيْتِهَا الْقَمَرُ الأَوَّلُ مُحَمَّدٌ - ﷺ -، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا:
١٠٨ - (رَأَيْتُ كَأَنَّ ثَلَاثَةَ أَقْمَارٍ سَقَطَتْ فِي حُجْرَتِي، فَسَأَلْتُ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ؛ إِنْ تَصْدُقْ رُؤْيَاكِ .. يُدْفَنْ فِي بَيْتِكِ خَيْرُ أَهْلِ ألأَرْضِ ثَلَاثَةٌ، فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَدُفِنَ .. قَالَ لِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: يَا عَائِشَةُ؛ هَذَا خَيْرُ أَقْمَارِكِ، وَهُوَ أَحَدُهَا) (٢).
١٠٩ - قَالَ أَنسٌ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: (مَا نَفَضْنَا عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - الأَيْدِيَ حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا) (٣).
_________________
(١) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، انْظُرْ: "صَحِيحُ ابْنِ حِبَّانٍ" كِتَابُ التَّارِيخِ، بَابُ وَفَاتِهِ - ﷺ - (١٤/ ٦٠٢) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٦٦٣٥).
(٢) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، انْظُرْ: "مُسْتَدْرَكُ الْحَاكِمِ كِتَابُ الْمَغَازِي وَالسَّرَايَا (٣/ ٦٢).
(٣) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، انْظُرْ: "سُنَنُ ابْنِ مَاجَه" كِتَابُ الجَنَائِزِ، بَابُ ذِكْرِ وَفَاتِهِ وَدَفْنِهِ =
[ ١١٢ ]
وَهُوَ مَا أَكَّدَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ، وَعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ:
١١٠ - (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَإِنَّمَا وَجْهُنَا وَاحِدٌ، لَمَّا قُبِضَ .. نَظَرْنَا هَكَذَا وَهَكَذَا) (١).
وِيَتَفَقَّدَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ بَيْتُ فَاطِمَةَ الْزَّهرَاءِ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَ:
١١١ - (فَلَمَّا دَفَنَّاه - ﷺ - .. مَرَرْتُ بِمَنْزِلِ فَاطِمَةَ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهَا، فَقَالَتْ: يَا أَنَسُ؛ أَطَابَتْ نُفُوسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - التُّرَابَ؟!) (٢).
وَحَثُوا الْتُّرَابَ أَيَا فَاطِمُ، ودَفِنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَوَقَعَ الْفِرَاقُ، وانْفَصَمَتِ الْعُرَى، وَأَظْلَمَتِ آطَامُ
_________________
(١) = - ﷺ - (١/ ٥٢٢) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (١٦٣١).
(٢) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، انْظُرْ: "سُنَنُ ابْنِ مَاجَه" كِتَابُ الجَنَائِزِ، بَابُ ذِكْرِ وَفَاتِهِ وَدَفْنِهِ - ﷺ - (١/ ٥٢٣) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (١٦٣٣).
(٣) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، انْظُرْ: "صَحِيحُ ابْنُ حِبَّانٍ" كِتَابُ الْتَّارِيخِ، بَابُ وَفَاتِهِ - ﷺ - (١٤/ ٥٩٢) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٦٦٢٢). وَالْلَّفْظُ لَهُ، وَمِثْلُهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ كِتَابُ الْمَغَازِي، بَابُ آخِرِ مَا تَكَلَّمَ النَّبِيُّ - ﷺ - (٦/ ١٥) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٤٤٦٢).
[ ١١٣ ]
الْمَدينَة، كَمَا أَخْبَرَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِىَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ.
١١٢ - (فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي مَاتَ فيه .. أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ) (١)، (فَمَا رَأيْتُ يَوْمًا قَطُّ أَظْلَمَ وَلا أَقْبَحَ مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِيهِ) (٢).
١١٣ - (وَتُوُفِّيَ - ﷺ - وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ) (٣) وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - تُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ (٤).
وَوَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: أَنَّهُ - ﷺ - تُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ (٥).
_________________
(١) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، انْظُرْ: "سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ" كِتَابُ الْمَنَاقِبِ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، بَابٌ فِي فَضْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - (٥/ ٥٨٨) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٣٦١٨) وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ.
(٢) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، انْظُرْ: "مُسْنَدُ أَحْمَدَ" (٤/ ٢٠٥).
(٣) صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ، كِتَابُ الْمَغَازِي، بَابُ وَفَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ - (٦/ ١٥) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٤٤٦٦).
(٤) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، انْظُرْ: "سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ" كِتَابُ الْمَنَاقِبِ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، بَابٌ فِي سِنِّ النَبِيِّ - ﷺ - كَمْ كَانَ حِينَ مَاتَ (٥/ ٦٠٥) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٣٦٥١) وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
(٥) إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، انْظُرْ: "سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ" كِتَابُ الْمَنَاقِبِ عَنْ رَسُولِ اللهِ =
[ ١١٤ ]
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: (الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ عُمُرَهُ - ﷺ - حِينَ وَفَاتِهِ كَانَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَة) (١).
_________________
(١) = - ﷺ -، بَابٌ فِي سِنِّ النَّبِيِّ - ﷺ - كَمْ كَانَ حِينَ مَاتَ (٥/ ٦٠٥) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٣٦٥٢).
(٢) فَتْحُ الْبَارِي (٨/ ١٥١).
[ ١١٥ ]