أَدْرَكَ الصَّحَابَةُ أَنَّهَا أَحَرُّ اللَّحَظَاتِ وَآخِرُهَا، فَهَذَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ يُكَلِّمُ عَلِيًّا أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَوْشَكَ عَلَى الْوَفَاةِ.
٣٨ - رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَقَالَ النَّاسُ: يَا أَبَا حَسَنٍ؛ كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؟ فَقَالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا، فَأَخَذَ بِيَدِهِ عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ وَاللهِ بَعْدَ ثَلَاثٍ عَبْدُ الْعَصَا (١)، وَإِنِّي وَاللهِ لأَرَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - سَوْفَ
_________________
(١) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي "الْفَتْحِ" (٨/ ١٤٣): (كِنَايَةٌ عَمَّنْ يَصِيرُ تَابِعًا لِغَيْرِهِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَمُوتُ - ﷺ - بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَتَصِيرُ أَنْتَ مَأْمُورًا عَلَيْكَ، وَهَذَا مِنْ قُوَّةِ فِرَاسَةِ الْعَبَّاسِ). قَالَ الْبَاحِثُ: وَمَا خَفِيَ الأَمْرُ عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، لَكِنَّهُ التَّعَلُّقُ =
[ ٦٤ ]
يُتَوَفَّى مِنْ وَجَعِهِ هَذَا، إِنِّي لأَعْرِفُ وُجُوهَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عِنْدَ الْمَوْتِ، اذْهَبْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَلْنَسْأَلْهُ: فِيمَنْ هَذَا الأَمْرُ؟ إِنْ كَانَ فِينَا .. عَلِمْنَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِنَا .. عَلِمْنَاهُ، فَأَوْصَى بِنَا، فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِنَّا وَاللهِ لَئِنْ سَأَلْنَاهَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَمَنَعَنَاهَا .. لَا يُعْطِينَاهَا النَّاسُ بَعْدَهُ، وَإِنِّي وَاللهِ لَا أَسْأَلُهَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - (١).
وَيَدْخُلُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَقَدْ ثَقُلَ حَتَّى لَا يَقْوَى - ﷺ - عَلَى الْكَلَامِ، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا:
٣٩ - (دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا وَمَعَهُ سِوَاكٌ يَسْتَنُّ بِهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ لَهُ: أَعْطِنِي هَذَا السِّوَاكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْطَانِيهِ،
_________________
(١) = بِالنَّبِيِّ - ﷺ -، وَالرَّجَاءُ فِي بَقَائِهِ بَينَهُمْ؛ فَلِذَلِكَ يَقُولُ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا.
(٢) صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الْمَغَازِي، بَابُ مَرَضِ النَّبِي - ﷺ - وَوَفَاتِهِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] (٦/ ١٢) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٤٤٤٧).
[ ٦٥ ]
فَقَضِمْتُهُ ثمَّ مَضَغْتُهُ فَأَعْطَيْتُهُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَاسْتَنَّ بِهِ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى صَدْرِي) (١).
وَتُبيِّنُ الرِّوَايَةُ الأُخْرَى كَيْفَ كَانَ حَالُ النَّبيِّ - ﷺ - آنَذَاكَ.
قَالَتْ عَائِشَةُ رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: (دَخَلَ عَلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَبِيَدِهِ السِّوَاكُ وَأَنَا مُسْنِدَةٌ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ، فَقُلْتُ: آخُذُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ: أَنْ نَعَمْ، فَتَنَاوَلْتُهُ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: أُلَيِّنُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ: أَنْ نَعَمْ، فَلَيَّنْتُهُ) (٢).
فَظَهَرَ النَّزْعُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَرَأَى - ﷺ - أَنْ يَكْتُبَ لِلصَّحَابَةِ كِتَابًا لَا يَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا.
٤٠ - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: لَمَّا حُضِرَ
_________________
(١) صَحِيحُ الْبُخَاريِّ، كِتَابُ الْمَغَازِي، بَابُ مَرَضِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَوَفَاتِهِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] (٦/ ١٣) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٤٤٥٠).
(٢) صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الْمَغَازِي، بَابُ مَرَضِ النَّبِىِّ - ﷺ - وَوَفَاتِهِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] (٦/ ١٣) رَقْمُ الْحَديثِ: (٤٤٤٩).
[ ٦٦ ]
رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ، فَقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "هَلُمُّوا أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ".
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَدْ غَلَبَهُ الْوَجَعُ وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ، حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ وَاخْتَصَمُوا؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالاخْتِلَافَ .. قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "قُومُوا" (١).
وَوَقَعَتْ قِصَّةُ الْكِتَابِ يَوْمَ الْخَمِيسِ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، كَمَا أَفَادَتْ رِوَايَةُ سَعِيدِ بْن جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟! اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَجَعُهُ فَقَالَ: "ائْتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا، لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا" (٢).
٤١ - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا
_________________
(١) صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الْمَغَازِي، بَابُ مَرَضِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَوَفَاتِهِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] (٦/ ٩) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٤٤٣٢).
(٢) صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الْجِهَادِ، بَابٌ: هَلْ يُسْتَشْفَعُ إِلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمُعَامَلَتِهِمْ (٤/ ٦٩) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٣٠٥٣).
[ ٦٧ ]
يَوْمُ الْخَمِيسِ؟! ثُمَّ بَكَى حَتَّى خَضَبَ دَمْعُهُ الْحَصْبَاءَ، فَقَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَجَعُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، فَقَالَ: "ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا".
فتَنَازَعُوا، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ، فَقَالُوا: هَجَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: "دَعُونِي، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ".
وَأَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ: "أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ" وَنَسِيتُ الثَالِثَةَ (١).
٤٢ - وَرَوَى طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: هَلْ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَوْصَى؟
فَقَالَ: لَا.
فَقُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الْوَصيَّةُ؟ أَوْ أُمِرُوا بِالْوَصِيَّةِ؟
_________________
(١) صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الْجِهَادِ، بَابٌ: هَلْ يُسْتَشْفَعُ إِلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمُعَامَلَتِهِمْ (٤/ ٦٩) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٣٠٥٣).
[ ٦٨ ]
قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللهِ (١).
وَكَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا تَرَى رَأْيَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمْ يَكُنْ أَوْصَى بِشَيْءٍ خَاصٍّ.
٤٣ - عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: ذَكَرُوا عِنْدَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ كَانَ وَصِيًّا، فَقَالَتْ: (مَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ وَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ إِلَى صَدْرِي، أَوْ قَالَتْ: حَجْرِي؟! فَدَعَا بِالطَّسْتِ، فَلَقَدِ انْخَنَثَ (٢) فِي حَجْرِي فَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟!) (٣).
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ الصِّعَابِ يُعَانِي النَّزْعَ الشَّدِيدَ، كَمَا رَوَتْ عَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ.
_________________
(١) صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الْوَصَايَا، بَابُ الْوَصَايَا وَقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: "وَصِيَّةُ الرَّجُلِ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ" (٤/ ٣) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٢٧٤٠).
(٢) انْخَنَثَ: انْكَسَرَ وَانْثَنَى؛ لِاسْتِرْخَاءِ أَعْضَائِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ، انْظُرْ: "النِّهَايَةُ فِي الْغَرِيبِ" (٢/ ١٥٨).
(٣) صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الْوَصَايَا، بَابُ الْوَصَايَا وَقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: "وَصيَّةُ الرَّجُلِ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ" (٤/ ٣) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٢٧٤١).
[ ٦٩ ]
٤٤ - عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ قَالَا: لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - .. طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ .. كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ يَقُولُ: "لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا (١).
قَالَتْ عَائِشَةُ رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: (لَوْلَا ذَلِكَ .. لأُبْرِزَ قَبْرُهُ؛ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا) (٢).
وَكَانَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَدْ عَقَدَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - لِوَاءَ غَزْوِ الشَّامِ، فَلَمَّا وُعِكَ النَّبِيُّ - ﷺ - .. تَرَيَّثَ أُسَامَةُ بِالْجَيْشِ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، يَقُولُ أُسَامَةُ:
٤٥ - (لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - .. هَبَطْتُ وَهَبَطَ النَّاسُ الْمَدِينَةَ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَقَدْ
_________________
(١) صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الْمَغَازِي، بَابُ مَرَضِ النَّبِىِّ - ﷺ - وَوَفَاتِهِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] (٦/ ١١) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٤٤٤٣).
(٢) صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الْمَغَازِي، بَابُ مَرَضِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَوَفَاتِهِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] (٦/ ١١) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٤٤٤١).
[ ٧٠ ]
أَصْمَتَ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَيَّ وَيَرْفَعُهُمَا فَأَعْرِفُ أَنَّهُ يَدْعُو لِي) (١).
٤٦ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ: "الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ" فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى مَا يَفِيضُ بِهَا لِسَانُهُ (٢).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كَانَتْ عَامَّةُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَهُوَ يُغَرْغِرُ بِنَفْسِهِ: "الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ" (٣).
٤٧ - وَيَرْوِي ذَكْوَانُ مَوْلَى عَائِشَةَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا كَانَتْ تَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ، أَوْ عُلْبَةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا
_________________
(١) إسْنَادُهُ حَسَنٌ، انْظُرْ: "سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ" كِتَابُ الْمَنَاقِبِ، بَابُ مَنَاقِبِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ -﵄- (٥/ ٦٧٧) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٣٨١٧).
(٢) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، انْظُرْ: "مُسْنَدُ أَحْمَدَ" (٣/ ١١٧) وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالَّلفْظُ لَهُ، كِتَابُ مَا جَاءَ فِي الْجَنَائِزِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي ذِكْرِ مَرَضِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - (١/ ٥١٩) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (١٦٢٥).
(٣) إسْنَادُهُ حَسَنٌ، انْظُرْ: "سُنَنُ ابْنِ مَاجَهْ" كِتَابُ الْوَصَايَا، بَابٌ: هَلْ أَوْصَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - (٢/ ٩٠٠) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٢٦٩٧).
[ ٧١ ]
وَجْهَهُ وَيَقُولُ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ" ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ: "فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى" حَتَّى قُبِضَ، وَمَالَتْ يَدُهُ - ﷺ - (١).
وَمِمَّا أَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أُمَّتَهُ: مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ:
٤٨ - لَمَّا حَضَرَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - الْوَفَاةُ .. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَوْصِنَا، قَالَ: "أُوصِيكُمْ بِالسَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَبِأَبْنَائِهِمْ مِنْ بَعْدِهمْ، إِلَّا تَفْعَلُوهُ .. لَا يُقْبَلُ مِنْكُمْ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ" (٢).
_________________
(١) صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الرِّقَاقِ، بَابُ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ (٨/ ١٠٧) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٦٥١٠)، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ مُعَقِّبًا: (الْعُلْبَةُ: مِنَ الْخَشَبِ، وَالرَّكْوَةُ: مِنَ الأَدَمِ).
(٢) إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، انْظُرْ: "مُسْنَدُ الْبَزَّارِ" شُهْرَتُهُ فِي الْمَطْبُوعِ: "الْبَحْرُ الْزَّخَارُ" لأَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرٍو الْعَتْكِيِّ الْبَزَّارِ، مَوْلدُهُ بَعْدَ سَنَةِ (٢١٠ هـ) وَوَفَاتُهُ سَنَةَ (٢٩٢ هـ) تِسْعَةُ مُجَلَّدَاتٍ، مَكْتبَةُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، الْمَدِينَةُ الْمُنَوَّرَةُ، سَنَةَ (١٤٠٩ هـ) بِتَحْقِيقِ د. مَحْفُوظِ الرَّحْمَنِ زينِ اللهِ، مَوْلدُهُ سَنَةَ (١٣٦٩ هـ) وَوَفَاتُهُ سَنَةَ: (١٤١٨ هـ) وَسَيُشَارُ لَهُ فِيمَا بَعْدُ: "مُسْنَدُ الْبَزَّارِ": (٣/ ٢٣٣) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (١٠٢٢)، وَ"الْمُعْجَمُ الأَوْسَطُ" (١/ ٢٦٨) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٨٧٤).
[ ٧٢ ]
٤٩ - وَتَرْوِي أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا كَانَ مِنْ آخِرِ النَّاسِ عَهْدًا بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَالَتْ: عُدْنَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - غَدَاةً بَعْدَ غدَاةٍ، يَقُولُ: "جَاءَ عَلِيٌّ؟ " مِرَارًا.
قَالَتْ: وَأَظُنُّهُ كَانَ بَعَثَهُ فِي حَاجَةٍ، قَالَتْ: فَجَاءَ بَعْدُ، فَظَنَنْتُ أَنَّ لَهُ إِلَيْهِ حَاجَةً، فَخَرَجْنَا مِنَ الْبَيْتِ، فَقَعَدْنَا عِنْدَ الْبَابِ، فَكُنْتُ مِنْ أَدْنَاهُمْ إِلَى الْبَابِ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَجَعَلَ يُسَارُّهُ وَيُنَاجِيهِ، ثُمَّ قُبِضَ رَسولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ، فَكَانَ أَقْرَبَ النَّاسِ بِهِ عَهْدًا (١).
وَمَعَ اشْتِدَادِ الْمَرَضِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - تَبْكِي فَاطِمَةُ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهَا، كَمَا يَرْوِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ.
٥٠ - قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ
_________________
(١) إسنَادُهُ صَحِيحٌ، انْظُرْ: "مُسْنَدُ أَحْمَدَ" (٦/ ٣٠٠)، وَ"مُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِي الأَحَادِيثِ وَالآثَارِ" لِأَبِي بَكْرٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي شَيْبَة، مَوْلِدُهُ بَعْدَ سَنَةِ (١٥٩ هـ) وَوَفَاتُهُ سَنَةَ (٢٣٥ هـ)، تَحْقِيقُ مُحَمَّدِ شَاهِينَ، تِسْعَةُ مُجَلَّدَاتٍ مَعَ فَهَارِسِهِ، طَبْعُ دَارِ الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ بِبَيْرُوتَ (١٩٩٥ م) (٦/ ٣٦٨) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٣٢٠٥٧)، وَسَيُشَارُ لَهُ فِيمَا بَعْدُ: "مُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ".
[ ٧٣ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .. جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ -﵍-: وَاكَرْبَ أَبَاهُ! فَقَالَ لَهَا: "لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ" (١).
وَتَحَارُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ صَفِيَّةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، فَتَأْتِي النَّبِيَّ - ﷺ - حَزِينَةً لِمَرَضِهِ وَمَا هُوَ فِيهِ مِنْ نَزْعٍ وَقَدْ جَزِعَتْ لِفِرَاقِهِ - ﷺ -، كَمَا يَرْوِي ذُؤَيْبُ بْنُ حَلْحَلَةَ الْخُزَاعِيُّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ (٢).
٥١ - قَالَ: لَمَّا حُضِرَ النَّبِيُّ - ﷺ - قَالَتْ صَفِيَّةُ: يَا رَسُولَ اللهِ: لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِكَ أَهْلٌ يُلْجَأُ إِلَيْهِمْ وَإِنَّكَ أَجْلَيْتَ أَهْلِي، فَإِنْ حَدَثَ حَدَثٌ .. فَإِلَى مَنْ؟ قَالَ: "إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ" (٣) رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ.
_________________
(١) صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (٦/ ١٥) كِتَابُ الْمَغَازِي، بَابُ مَرَضِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَوَفَاتِهِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٤٤٦٢).
(٢) ذُؤَيْبُ بْنُ حَلْحَلَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كُلَيْبٍ الْخُزَاعِيُّ الْكَعْبِيُّ الْصَّحَابِيُّ، انْظُرْ: "الإِصَابَةُ" (٢/ ٤٢٢).
(٣) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، انْظُرْ: "الْمُعْجَمُ الْكَبِيرُ" (٤/ ٢٣٠) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٤٢١٤).
[ ٧٤ ]