وَيَخْرُجُ النَّبِيُّ - ﷺ - لِيُصَلِّيَ بِالْمُسْلِمِينَ صَلَاتَهُ الأَخِيرَةَ، إِنَّهَا آخِرُ صَلَاةٍ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - بِالْمُسْلِمِينَ، وَآخِرُ آيَاتٍ تُتْلَى بِصَوْتِ النَّبِيِّ - ﷺ -، كَمَا تَرْوِيهَا أُمُّ الْفَضْلِ بِنْتُ الْحَارِثِ.
٣٢ - قَالَتْ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِـ"الْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا"، ثُمَّ مَا صَلَّى لَنَا بَعْدَهَا حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ) (١).
كَانَتْ تِلْكَ صَلَاتَهُ الأَخِيرَةَ بِالْمُسْلِمِينَ - ﷺ -، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ وَصْفُ حَالَتِهِ - ﷺ - حِينَ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَتْ: (خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ عَاصِبٌ رَأْسَهُ فِي مَرَضِهِ،
_________________
(١) صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الْمَغَازِي، بَابُ مَرَضِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَوَفَاتِهِ (٦/ ٩) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٤٤٢٩).
[ ٥٧ ]
فَصَلَّى الْمَغْرِبَ فَقَرَأَ بِـ"الْمُرْسَلَاتِ" فَمَا صَلَّاهَا بَعْدُ حَتَّى لَقِيَ اللهَ -﷿-) (١).
وَيَثْقُلُ النَّبِيُّ - ﷺ - وَيَهُمُّهُ أَمْرُ صَلَاةِ الْمُسْلِمِينَ.
٣٣ - قَالَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا فَقُلْتُ: أَلَا تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَتْ: بَلَى، ثَقُلَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: "أَصَلَّى النَّاسُ؟ ".
قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنتظِرُونَكَ، قَالَ - ﷺ -: "ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ".
قَالَتْ: فَفَعَلنَا، فَاغتَسَل فَذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغمِيَ عَليْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ - ﷺ -: "أَصَلَّى النَّاسُ؟ ".
قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنتظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ".
قالتْ: فَقَعَدَ فاغتَسَل، ثمَّ ذهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغمِيَ عَليْهِ، ثمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: "أَصَلَّى النَّاسُ؟ ".
_________________
(١) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، انْظُرْ: "سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ" كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الْمَغْرِبِ (٢/ ١١٢) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٣٠٨).
[ ٥٨ ]
قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنتظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: "ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ".
فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: "أَصَلَّى النَّاسُ؟ ".
فَقُلْنَا: لَا، هُمْ يَنتظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ.
وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي الْمَسْجِدِ يَنتظِرُونَ النَّبِيَّ -﵊- لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِأَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا: يَا عُمَرُ، صَلِّ بِالنَّاسِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الأَيَّامَ (١).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى تَقُولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَرَضهُ الَذِي مَاتَ فِيهِ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَأُذِّنَ، فَقَالَ - ﷺ -: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ".
_________________
(١) صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الأَذَانِ، بَابُ إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ (١/ ١٣٨) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٦٨٧).
[ ٥٩ ]
فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ. . لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، وَأَعَادَ، فَأَعَادُوا لَهُ، فَأَعَادَ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ - ﷺ -: "إِنَّكنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ" فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ فَصَلَّى (١).
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ بَيَانُ الْقَائِلِ الْمُبْهَمِ:
٣٤ - مَرِضَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ فَقَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ" قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: إِنَّهُ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَامَ مَقَامَكَ. . لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ (٢).
٣٥ - وَيَرْوِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ بَعْضَ مَا وَقَعَ لَهُمْ فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ مِنْ أَخْبَارِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَيَقُولُ: (إِنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ فِي وَجَعِ النَّبِيِّ - ﷺ - الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الإِثْنَيْنِ وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ. . فَكَشَفَ النَّبِيُّ - ﷺ - سِتْرَ الْحُجْرَةِ يَنْظُرُ
_________________
(١) صَحِيحُ البُخَارِيِّ، كِتَابُ الأَذَانِ، بَابُ حَدِّ الْمَرِيضِ أَنْ يَشْهَدَ الْجَمَاعَةَ (١/ ١٣٨) رَقْمُ الحَدِيثِ: (٦٨٧).
(٢) صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كتَابُ الأَذَانِ، بَابٌ: الرَّجُلُ يَأْتَمُّ بِالإِمَامِ وَيَأْتَمُّ النَّاسُ بِالْمَأْمُومِ (١/ ١٤٤) رَقْمُ الحَدِيثِ: (٧١٣).
[ ٦٠ ]
إِلَيْنَا وَهُوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ، ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ، فَهَمَمْنَا أَنْ نَفْتَتِنَ مِنَ الْفَرَحِ بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَارِجٌ إِلَى الصَّلَاةِ (١) (فَكَادَ الْنَّاسُ أَنْ يَضْطَرِبُوا) (٢)، فَأَشَارَ إِلَيْنَا الْنَّبِيُّ - ﷺ -: أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ، وَأَرْخَى الْسِّتْرَ) (٣).
٣٦ - وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: كَشَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - السِّتَارَةَ وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ؛ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ، أَلَا
_________________
(١) صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الأَذَانِ، بَابٌ: أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ أَحَقُّ بِالإِمَامَةِ (١/ ١٣٦) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٦٨٠)، وَمُصَنَّفُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ (٥/ ٤٣٣) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٩٧٥٤).
(٢) الزِّيَادَةُ صَحِيحَةٌ مِنْ كِتَابِ "الشَّمَائِلُ الْمُحَمَّدِيَّةُ" للِتِّرْمِذِيِّ، (ص ٣٢٧) طَبَعَتْهُ مُؤَسَّسَةُ الْكُتُبِ الثَّقَافِيَّةُ بِبَيْرُوتَ، تَحْقِيقُ: سَيِّدِ عَبَّاسٍ الْجَلِيمِيِّ، وَسَيُشَارُ لَهُ حَيْثُ يَرِدُ: "الشَّمَائِلُ الْمُحَمَّدِيَّةُ" رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٣٨٦).
(٣) صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الأَذَانِ، بَاب: أَهْلُ الْعِلْمِ والْفَضْلِ أَحَقُّ بِالإِمَامَةِ (١/ ١٣٦) رَقْمُ الْحَديِثِ: (٦٨٠)، وَ"مُصَنَّفُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ" (٥/ ٤٣٣) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٩٧٥٤).
[ ٦١ ]
وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ ألْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ .. فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ -﷿-، وَأَمَّا السُّجُودُ .. فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ" (١).
٣٧ - وَتُحَدِّثُنَا عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا عَنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ - تِلْكَ الفَتْرَةَ فَتَقُولُ: (وَالَّذِي ذَهَبَ بِهِ - ﷺ -؛ مَا تَرَكَهُمَا حَتَى لَقِيَ اللهَ، وَمَا لَقِيَ اللهَ تَعَالَى حَتَّى ثَقُلَ عَنِ الصَّلَاةِ، وَكَانَ يُصَلِّي كَثيِرًا مِنْ صَلَاتِهِ قَاعِدًا؛ تَعْنِي: الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّيهِمَا، وَلَا يُصَلِّيهِمَا فِي الْمَسْجِدِ؛ مَخَافَةَ أَنْ يُثَقِّلَ عَلَى أُمَّتِهِ، وَكَانَ يُحِبُّ مَا يُخَفِّفُ عَنْهُمْ) (٢).
وَبَيَّنَتْ رِوَايَةٌ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ قَدْ صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ جَالِسًا.
قَالَتْ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: (فَوَجَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ كَأَنِّي أَنْظُرُ رِجْلَيْهِ
_________________
(١) صَحِيحُ مُسْلِمٍ، كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ النَّهْيِ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (١/ ٣٤٨) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٤٧٩).
(٢) صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، بَابُ مَا يُصَلَّى بَعْدَ الْعَصْرِ مِنَ الْفَوَائِتِ وَنَحْوِهَا (١/ ١٢١) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٥٩٠).
[ ٦٢ ]
تَخُطَّانِ مِنَ الْوَجَعِ) (١) (فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ يَؤُمُّ النَّاسَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ .. اسْتَأْخَرَ) (٢) (فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ -: أَنْ مَكَانَكَ.
ثُمَّ أُتِيَ بِهِ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِهِ) (٣) (حِذَاءَ أَبِي بَكْرٍ).
(فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ) (٤).
_________________
(١) صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الأَذَانِ، بَابُ حَدِّ الْمَرِيضِ أَنْ يَشْهَدَ الْجَمَاعَةَ (١/ ١٣٣) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٦٦٤).
(٢) صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الأَذَانِ، بَابُ مَنْ قَامَ إِلَى جَنْبِ الإِمَامِ لِعِلَّةٍ (١/ ١٣٧) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٦٨٣).
(٣) صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الأَذَانِ، بَابُ حَدِّ الْمَرِيضِ أَنْ يَشْهَدَ الْجَمَاعَةَ (١/ ١٣٣) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٦٦٤).
(٤) صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الأَذَانِ، بَابُ مَنْ قَامَ إِلَى جَنْبِ الإِمَامِ لِعِلَّةٍ (١/ ١٣٧) رَقْمُ الْحَدِيثِ: (٦٨٣).
[ ٦٣ ]